✿ الفصل 88 ✿
* * *
نظرت داليا بوجهٍ حزين إلى كول الممدّد على السرير.
كان الألم قد اشتدّ عليه حتى اضطر إلى تناول الدواء فغرق في نومٍ عميق.
وبجانب السرير، كانت آني شاحبة الوجه تشبك يديها بقوة.
طرقٌ خفيف على الباب.
فتحت هارت، فدخل كبير الكهنة الذي عالج موني من قبل يرافقه لواند.
استقبلتهما داليا بارتياح ظاهر.
“أعتذر لإزعاجكما في هذا الوقت المتأخر، شكرًا لقدومكما.”
قال كبير الكهنة بهدوء:
“لنبدأ بالعلاج أولًا.”
تفحّص كول، فبدت عظمة كتفه مكشوفة بوضوح.
“الإصابة خطيرة، ولن يكفي علاجٌ واحد. سيحتاج إلى ثلاث جلسات على الأقل.”
قال لواند للكاهن الأكبر:
“نرجوك.”
“حسنًا.”
وما إن استخدم الكاهن قواه المقدسة حتى انتشرت في الغرفة ذراتٌ ذهبية كما حدث في المرة السابقة.
وبعد قليل، توقّف وهو يمسح عرقه، وقال بتنهد:
“هذا أقصى ما أستطيع فعله اليوم.”
انحنت داليا وآني شاكرَتَين.
“شكرًا جزيلًا.”
بادلهما الكاهن الانحناءة.
سأل لواند بقلق:
“هل سيتمكن من حمل السيف مجددًا؟“
أجاب الكاهن مطمئنًا:
“نعم. بنيته قوية بطبيعتها، وإذا أُكمل العلاج جيدًا فسيكون بخير.”
ترقرقت الدموع في عيني داليا ارتياحًا.
‘هذا مطمئن.’
تذكّرت كم كان كول سعيدًا حين أمسك سيف التدريب لأول مرة.
وتذكّرت يوم مُنح لقب الفروسية كيف بكى وهو يبتسم. فاختنق صدرها بالعاطفة.
“شكرًا لك.”
لواند أيضًا بدا مرتاحًا وهو يحيّي الكاهن قبل مغادرته.
وبعد أن خرج الكاهن، التفت لواند إلى الأميرة.
“سموّك، هل لي ببضع دقائق؟“
“بالطبع.”
خرجا معًا إلى الخارج.
قال لواند بجدية:
“لا تبدو الإصابة ناتجة عن حيوان عادي.”
رفعت داليا عينيها المرتجفتين إليه.
“أُصيب فجأة عندما خرجنا خارج القصر.”
خفضت بصرها وقالت نصف الحقيقة فقط.
كان ممتنّة له لمساعدته كول، لكنه يظل قائدًا في الإمبراطورية المقدسة لهالين، ولا يمكنها أن تثق به ثقةً كاملة.
أدرك لواند أنها تخفي شيئًا، فكتم مرارته وقال محذرًا:
“رجاءً، لا تغادري القصر. الأمر خطير.”
“حسنًا، سأفعل. شكرًا لمساعدتك.”
نظر إليها لحظةً بعينين مثقلتين، ثم انحنى وغادر.
* * *
حلّ يوم حفل ما قبل عيد تأسيس الإمبراطورية.
رفعت داليا شعرها الوردي في ضفائر ليبرز عقد الجمشت البنفسجي الذي أهداه لها الإمبراطور.
أما فستانها المصنوع من الساتان بلون اللافندر الداكن، فكان ضيقًا عند الخصر ليبرز قوامها، ثم يتدرّج لونه قتامةً كلما انساب إلى الأسفل كأمواجٍ متلاحقة.
بدت كـ حاكمة ليلٍ فاتنة.
ابتسمت آني برضا؛ صحيح أنها هي من زيّنها، لكنها فاقت كل توقّع.
أما داليا فكانت شاحبة وتتنهد بقلق.
اليوم سيُعلَن رسميًا زواجها من الإمبراطور.
“تذوّقي هذا من فضلكِ سموكِ.”
مدّت آني قطعة شوكولاتة صغيرة.
“لا أستطيع أن آكل شيئًا الآن.”
ابتسمت داليا اعتذارًا.
“لم تتناولي شيئًا طوال اليوم. على الأقل خذي هذه لتستعيدي بعض القوة.”
ألحّت آني فاضطرت داليا إلى وضع الشوكولاتة في فمها.
انتشر الطعم الغني الحلو في فمها، وشعرت بأن قلبها المشدود بدأ يسترخي قليلًا.
“شكرًا لكِ.”
“لا شكر على واجب.”
حاولت داليا أن تتخلّص من توترها قدر الإمكان.
لقد قررت الزواج من الإمبراطور لمنع نهاية العالم.
لكن مهما تحدّثت معه، لم تجد تفسيرًا واضحًا لكيف يمكن لزواجهما أن يمنع الكارثة. لذا قررت أن تُسرع بإتمام الزواج أولًا.
واليوم، بالإعلان الرسمي، ستتجاوز الخطوة الأولى.
انفتح باب غرفة الانتظار في تلك اللحظة ودخل الإمبراطور.
شعره الأسود مسرّح بعناية إلى الخلف.
عيناه الباردتان يظلّلهما رموش طويلة.
وتحت عينه شامةٌ تجذب الأنظار.
كان يرتدي زيًا رسميًا داكنًا بلون الكحلي العميق، وبدا في غاية الأناقة.
ما إن خطا إلى الداخل حتى توقّف فجأة.
رأت عينيه السوداوين ترتجفان قليلًا وهو ينظر إليها.
التقت نظراتهما في الفراغ وساد بينهما صمتٌ غريب.
وبعد لحظة طويلة، خرج صوته مبحوحًا:
“أنتِ… جميلة.”
احمرّ وجه داليا قليلًا من صدق الإطراء.
قالت بخجل:
“شكرًا، جلالتك… وأنت أيضًا جميل.”
ابتسم ابتسامة قصيرة عند سماع مديحها، فتبدّد التوتر الخفي الذي كان يخيّم بينهما.
“هل أنتِ مستعدة؟“
“نعم.”
أخذت داليا نفسًا عميقًا، ثم أمسكت بيده الممدودة وخرجت معه.
انحنى الخادم الواقف أمام باب قاعة الاحتفال، ثم أعلن بصوتٍ جهوري:
“يدخل الآن جلالة الإمبراطور غراي جين لووسيفون، وسموّ الأميرة داليا فويفرن!”
انفتح باب القاعة المنقوش عليه طائر العنقاء المحلّق ببطء.
قاعة “رِين” التي لا تُفتح إلا مرة واحدة في العام في ليلة ما قبل عيد التأسيس، أبهرت الأبصار بفخامتها التي بلغت حدّ الإبهار.
ثريات ضخمة مرصّعة بالألماس المتقن الصنع، ومنسوجات فاخرة وتماثيل بديعة منحوتة من الذهب والأحجار الكريمة.
انحنى النبلاء الحاضرون في الحفل دفعة واحدة.
“نحيّي جلالة الإمبراطور.”
بدا الإمبراطور بزيّه الرسمي الكحلي الداكن والأميرة بفستانها اللافندر العميق كأنهما نسّقا ملابسهما سلفًا لشدة ما يليق أحدهما بالآخر.
حبس النبلاء أنفاسهم أمام هذا الجمال الأخّاذ.
وحين قاد الإمبراطور الأميرة بابتسامة مشرقة، تنفّسن السيدات أخيرًا زفرات إعجابٍ خافتة.
“إنها حقًا فاتنة.”
“سمعنا عن جمالها، لكن الواقع يفوق الوصف.”
همست سيدة تغطي فمها بمروحتها إلى التي معها:
“الآن أفهم لماذا اشتعلت الآنسة يوفْرون غيرةً.”
“إخفّضي صوتكِ يا سيدة. أليست عائلة يوفْرون قد سقطت؟“
“أوه، كدتُ أزلّ لساني.”
أما الآنسات من بنات النبلاء فكانت ردود أفعالهن مختلفة؛ نظرات إعجاب موجّهة نحو الإمبراطور، وأخرى مشوبة بالغيرة نحو الأميرة.
همس الإمبراطور:
“الجميع ينظر إليكِ.”
ردّت داليا متذمّرة بصوتٍ خافت:
“أظنهم ينظرون إلى جلالتك. أنا لا أحب أن أكون محطّ الأنظار.”
“فات الأوان.”
همس قرب أذنها وضحك بخفة.
ارتبكت من ضحكته المفاجئة وكادت ترفع يدها إلى أذنها لولا أنها تماسكت.
‘يا لصوته… كأنه سحرٌ خبيث.’
ما إن صعد الإمبراطور إلى المنصّة حتى توقفت موسيقى الأوركسترا التي كانت تنساب بهدوء.
ألقى نظرة بطيئة على النبلاء وضيوف الدول الأخرى، ثم قال:
“قبل أن نبدأ حفل الليلة السابقة لعيد التأسيس، أودّ أن أعلن أمرًا جللًا.”
أنصت الجميع في القاعة.
بعضهم حدّق فيه بملامح توحي بأنه يتوقع شيئًا غير عادي.
وتابع الإمبراطور ببطء مستشعرًا تركّز الأنظار عليه:
“أنا غراي جين لووسيفون، إمبراطور إمبراطورية لووسيفون، أعلن أنني بعد ثلاثة أشهر سأتخذ من حبيبتي أميرة مملكة فويفرن داليا فويفرن، شريكةً لحياتي.”
تعالت همهمات في القاعة.
الإمبراطور يعلن حبه، بل ويعلن زواجه رسميًا!
ابتسم الإمبراطور ابتسامة مشرقة ومدّ يده نحو داليا الواقفة خلفه.
تقدّمت إليه بإرشاده ووقفت إلى جواره.
شعر برجفة يدها المتوترة فغطّاها بيده برفق وربّت عليها مطمئنًا.
كان النبلاء يعلمون كم يُبعد الإمبراطور النساء عن حياته، لذا اتسعت أعينهم أمام هذا اللطف العلني.
قال الإمبراطور بصوتٍ حازم:
“ليسمع نبلاء إمبراطورية لووسيفون جيدًا. لن أتخذ زوجةً أخرى غير الإمبراطورة.”
تغيّرت وجوه بعضهم؛ فقد كانوا ينوون الدفع ببناتهم أو قريباتهم ليصبحن محظيات، لكن كلماته قطعت الطريق عليهم تمامًا.
ثم نظر إلى الأميرة بنظرة يملؤها الودّ وأكمل:
“ومن الآن فصاعدًا، عاملوها بالاحترام ذاته الذي تعاملونني به.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 88"