✿ الفصل 85 ✿
بدت ملامح داليا معقّدة وهي تسير نحو مكان لقائها بالإمبراطور.
قالت آني التي كانت تمشي إلى جانبها ذلك بنبرة هادئة:
“ ليس ذنبكِ يا صاحبة السمو.”
“ أعلم ذلك. لكن بما أن هذا المقعد كان شيئًا تمناه أحدهم إلى حد الاستعداد للموت من أجله، أشعر أن عليّ أن أكون أفضل… وأفكر في كيف يمكنني أن أؤدي دوري على نحوٍ أحسن.”
“ سموكِ تبذلين قصارى جهدكِ بالفعل.”
ابتسمت داليا ابتسامة خفيفة كأنها تشكرها على حسن ظنها.
غير أن نظرة آنسة يوفـرون المليئة باللوم لم تفارق ذهنها.
في تلك اللحظة ظهر أمامهما لوآند، ووجهه شاحب كأن الدم قد انسحب منه.
“ السيد لوآند؟“
“ سموكِ، هل أنتِ بخير؟ سمعتُ أن هناك حادث انفجار!”
كانت يده ترتجف قليلًا وهو يزيح شعره المبتل بالعرق وكأنه جاء مسرعًا.
“ نعم، أنا بخير. شكرًا لاهتمامك.”
تنفّس الصعداء ثم قال بحذر:
“ هل يمكنني التحدث مع سموكِ على انفراد للحظة؟“
نظرت داليا إلى آني.
“ لا يزال لدينا متّسع من الوقت.”
فقد خرجت باكرًا كي تتنزه قليلًا قبل لقاء الإمبراطور.
ألقت آني نظرة سريعة على كول الواقف خلفها.
حدّق في اوآند وسأله:
“ هل تضمن بشرفك كقائد سلامة صاحبة السمو؟“
“ بالطبع.”
“ سأبقى قريبًا.”
أومأ لوآند برأسه.
انتقل هو وداليا إلى مكان هادئ.
“ ما الأمر؟“
“ أظن أنه لا ينبغي لسموكِ البقاء هنا. هذا المكان خطير عليكِ جدًا.”
ابتسمت داليا ابتسامة باهتة.
“ أعلم.”
“ إذًا لماذا… هل تنوين حقًا الزواج من جلالة الإمبراطور؟“
“نعم .”
أغمض لوآند عينيه بإحكام ثم فتحهما ببطء.
كان في عينيه الزرقاوين حزن خافت.
“ هل تحبينه؟“
“……”
لم تجب، بل نظرت إليه مباشرة.
“ إذا أجبتِني بصدق، فسأصارحكِ أنا أيضًا.”
“ حسنًا، سأكون صريحًا—”
ولمّا همّ بالإجابة بوجهٍ مشرق، هزّت داليا رأسها ببطء وأوقفته.
“ لا. استمع أولًا إلى سؤالي.”
أومأ موافقًا.
“ ما هدفك من المجيء إلى هنا؟ لم تأتِ بسبب مهرجان التأسيس، أليس كذلك؟“
“أ –أنا ….”
تردّد لوآند متلعثمًا.
“ هل يمكنكَ أن تجيبني بصدق؟“
ابتلع أنفاسه وأطبق فمه.
أمر الوحوش السحرية كان سرًا بالغ الكتمان.
مهما كانت أميرة، لم يكن بوسعه إخبارها.
كما أنه لم يرغب في أن تعلم بوجود تلك الكائنات المرعبة.
“ كما توقعت… لا تستطيع، أليس كذلك؟“
“… أعتذر.”
“ لا بأس. لا بد أن لك موقفك بصفتك قائد الإمبراطورية المقدسة.”
تحدّثت بنبرة تفهّم، لكنه لم يجرؤ على النظر إليها، فأشاح بصره.
“ هل هناك صلة بين سبب مجيئي ورغبة سموكِ في الزواج من جلالة الإمبراطور؟“
“ كما أنك لا تستطيع الإجابة، فأنا أيضًا لا أستطيع.”
رفع عينيه ببطء.
كانت عيناها الصافيتان تحدّقان فيه بثبات.
تأمّل ملامحها واحدةً واحدة، ثم ثبت نظره في عينيها الغامضتين اللتين سلبتاه من النظرة الأولى.
لقد منحته اسمًا يومًا ما، لكنها لم تعد تتذكر ذلك.
هو يتيم من أصل وضيع، وهي أميرة مملكة فويفرن، أسمى المقامات.
كان فرق المكانة بينهما صارخًا إلى حد أنه هرب من المملكة.
وحين التقاها مجددًا في هذه الإمبراطورية، ظنّ أنه قد يبدأ من جديد.
بهوية جديدة وعلاقة جديدة، نما في قلبه أمل خافت.
لكن الجدار بينهما ظل قائمًا لا يُتخطّى.
وكالمرّة السابقة، كان السبب هو المكانة.
هو قائد الإمبراطورية المقدسة في هالين،
وهي أميرة مملكة فويفرن.
“ وصلني اتصال من الوطن. طُلب مني مراقبة سموكِ. فتصرف واحد منكِ قد يعرّض مملكة فويفرن لخطرٍ جسيم.”
“ نعم، أعلم.”
“ ومع ذلك، تصرّين على الزواج من جلالة الإمبراطور؟“
“ لأن لا خيار آخر.”
أظهرت عيناها الصافيتان عزيمة راسخة.
اضطرب نظره بلا حول وكأن شيئًا في صدره انهار.
ما زالت بالنسبة إليه وجودًا لا يُطال.
“… حسنًا. أشكركِ على تخصيص وقتكِ.”
استدار مبتعدًا وقلبه فارغ، فرأى الإمبراطور يتقدم نحوهما بخطوات واسعة وملامح غير راضية.
“ أحيّي جلالة الإمبراطور.”
“ يبدو أن القائد متفرّغ هذه الأيام.”
“ أستأذن بالانصراف.”
قالها ببرود وغادر.
نظرت داليا إلى الإمبراطور باستغراب.
“ مولاي، أليس موعدنا في مكان آخر؟“
“ أتيتُ لاصطحابكِ. عمّ كان حديثكِ مع القائد؟“
“ سألني عن زواجنا.”
“ وماذا إذًا؟ هل أفشيتِ الحقيقة بشأننا؟“
“ بالطبع لا.”
“ حقًا لا يمكنني أن أرفع عيني عنكِ للحظة. أما نسيتِ أنكِ وعدتِ بالإخلاص للحياة الزوجية؟“
“ لكننا لم نتزوج بعد.”
رفعت رأسها نحوه بملامح مذهولة.
صمت لحظة، ثم قال فورًا:
“ أليس من المفترض أن تكوني مخلصة حتى في فترة الخطوبة؟“
“ خِطبة؟ هل خُطبنا؟ ومتى حدث ذلك؟“
“ لقد تلقيتُ منكِ عرض الزواج، إذًا نحن الآن في فترة خطوبة. أم لا تُعدّ خطوبة إلا إذا أُعلن عنها رسميًا؟“
ما إن أنهى كلامه حتى تصاعد الاحمرار من عنق داليا ليغمر وجهها بأكمله.
أسرعت تنظر حولها فرأت أورِيُون على مسافة غير بعيدة يختلس النظر إليهما بعينين يملؤهما الفضول.
“ أنا عندما عرضتُ الزواج—”
“ صحيح.”
قال الإمبراطور ذلك بحسم رافعًا طرف فمه بابتسامة خفيفة.
“……صحيح .”
اعترفت على مضض، وملامح الغيظ بادية عليها.
“ لحسن الحظ أنكِ لا تنكرين.”
“ لكن كان لديّ سبب!”
“ حتى لو كان هناك سبب، فحقيقة أنكِ أنتِ من تقدّم إليّ أولًا لن تتغير أبدًا.”
ضيّقت عينيها وقالت:
“ هل جئتَ لتسخر مني؟“
“ بالطبع لا…….”
تردّد غراي فجأة.
‘ لماذا أتيتُ إلى هنا؟‘
كان مكان الموعد في موضعٍ آخر، لكن حتى لحظات الانتظار بدت طويلة عليه.
لم يستطع البقاء ساكنًا لأنه أراد أن يراها.
أراد أن يراها؟
حدّق فيها بوجه مصدوم.
أتى لأنه اشتاق لرؤيتها؟
هو؟
“ مولاي؟“
رفعت رأسها نحوه بنظرة قلقة فمدّ غراي يده إلى صدره وأخرج شيئًا على عجل.
“…… جئتُ لأعطيكِ هذا.”
“ ما هذا؟“
“ دواء للأرق. فحصه طبيب القصر وقال إن هذا النوع الأقل ضررًا والأكثر أمانًا.”
“ آه…… هل دعوتني اليوم لأجل إعطائي هذا؟“
“نعم .”
صحيح.
لقد جاء ليعطيها الدواء بأسرع ما يمكن.
من المستحيل أن يكون قد جاء لأنه اشتاق إليها.
لقد أقسم لنفسه أن يحميها مهما كان، لكن ذلك فقط لأنه قلق عليها بعد أن أصبحت في خطر بسببه.
لم يختبر يومًا شعور الاشتياق إلى أحد.
كان يفكر بها حين تغيب عن ناظريه، ويتخيل أحيانًا ما الذي قد تفعله…… أهذا هو معنى أن تشتاق إلى شخص؟
نظر إليها بعينين مرتبكتين.
“ مولاي، في الحقيقة أنا لا أعاني من الأرق. منذ بدأت أرى المستقبل صرتُ أسقط في النوم فجأة…… مولاي، هل أنت بخير؟“
اقتربت قليلًا وهي تتفحص لون وجهه بقلق، فوصل إلى أنفه عبيرٌ حلو.
تراجع غراي خطوة إلى الخلف من غير وعي.
لو لم يفعل، لشعر أنه قد يجذبها إلى صدره فجأة.
يريد أن يحتضن امرأة؟
هو؟
وبينما كان مذهولًا من نفسه، اجتاحه القلق عليها دفعةً واحدة.
“ بسبب رؤيتكِ للمستقبل؟ إذًا لا يمكن علاج ذلك؟“
“ نعم. لكن لا تقلق. لقد تعلّمت كيف أتحكم في الأمر.”
“ تقولين إنكِ تعلّمتِ التحكم ومع ذلك تنامين في أي مكان؟“
“ لقد قلّ الأمر في الآونة الأخيرة…….”
قالتها بنبرة واهنة كأنها تبرّر لنفسها فاندفعت يده نحوها دون أن يشعر.
لكنه قبض أصابعه بقوة وأسقط يده إلى جانبه.
“ مولاي؟ لون وجهك سيئ. أظن أنك بحاجة إلى العودة والراحة.”
“ نعم. يجب أن أرتاح…… سنتحدث لاحقًا.”
أدار غراي ظهره على عجل كمن يفرّ هاربًا منها وملامحه شاردة.
لو كان بوسعه فقط أن يقطع أفكاره عنها لذهب إلى أي مكان.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
شرط نزول الفصل التالي:
– 6 تفاعلات
– 3 تعليقات
ما اطلب منكم فلوس
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 85"
يشيخخخ بتخلص الرواية وانت لسه ما ادركت مشاعركك ترا بتحبهاااا افهمم