✿ الفصل 78 ✿
ما إن تم الاتصال بجهاز التواصل حتى بدا ستارٌ أسود يرفرف على الشاشة.
وعلى غير ما كان في البداية، اختفى وجه ماركيزة القصر في لحظة ما، وحلّ مكانه ذلك الستار الأسود.
“يا سيدتي المـ—”
– لا بد أنني قلت لكِ ألا تناديني بذلك.
“أعتذر.”
بادرت آناستاسيا بالاعتذار سريعًا.
فلو غضبت ولم تعد ترسل لها الشاي، لكانت مصيبة حقيقية.
منذ فترة، لم تعد قادرة على النوم ما لم تشرب شاي الماركيزة، وكان فمها يجفّ إلى حدّ يعجزها عن تناول أي طعام.
وحين أدركت تلك الأعراض، كان الأوان قد فات؛ فقد أصبحت مدمنة على شايها.
– هل قابلتكِ الأميرة عندما ذهبتِ إليها بنفسك؟
“نعم. وقد سلّمتها الهدية أيضًا.”
أخفت آناستاسيا يدها خلف ظهرها كي لا يظهر سوار الألماس الذي ترتديه.
– أحسنتِ. إذن، ادعي الأميرة إلى حفلة شاي وقدّمي لها الشاي الذي أعطيتُكِ إياه. ستعجب به.
“سأفعل.”
– ولا تنسي أن تتصلي بي يوم قدوم الأميرة.
“حسنًا.”
ما إن انطفأ جهاز التواصل حتى ارتسمت على وجه آناستاسيا نظرة سخرية لاذعة.
أن تقدّم ذلك الشاي للأميرة؟ ذلك الشاي الذي كانت تحتفظ به لنفسها وتقتصده حتى لا تضطر للتوسّل إلى الماركيزة في كل مرة!
رفعت آناستاسيا يدها ونظرت إلى سوار الألماس الجميل في معصمها.
“هذا السوار… والإمبراطور أيضًا. كلاهما لي.”
انعكس بريق أظافرها المصبوغة بالأحمر على ضوء الشموع.
“ليتني أستطيع تمزيق ذلك الوجه إربًا.”
ابتسمت آناستاسيا ابتسامة قاسية، ثم عادت إلى الطاولة تستنشق عبير الشاي الفوّاح.
* * *
فستان ساتان أخضر فاتح تتخلله لمعة ناعمة، وتسريحة شعر مرفوعة عاليًا لتُبرز عقد الأماثيست الفخم.
تنهدت داليا بضيق وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة.
“سألفت الأنظار بهذا المظهر.”
“لا خيار آخر إن أردنا أن يظهر عقد الإمبراطورة الراحلة بوضوح.”
قالت آني ذلك وهي ترتّب شعر داليا من الخلف للمرة الأخيرة.
“أعرف ذلك.”
زفرت داليا وهي تنظر إلى عقد الأماثيست حول عنقها.
لولا سحر التخفيف، لكانت أصيبت بتشنّج في رقبتها منذ وقت طويل.
“ابتسمي يا أميرتي. هذا يليق بكِ.”
وعند نصيحة آني اللطيفة، ابتسمت داليا ابتسامة مشرقة متعمّدة.
وأثناء خروجها من قصر الكريستال لحضور حفلة الشاي، وجدت شخصًا غير متوقّع يقف إلى جانب العربة.
“القائد إيثان؟“
“تحياتي يا أميرة. لقد أوكلت إليّ اليوم مهمة حراستك.”
رمشت داليا بعينين متفاجئتين.
“لقد رغب جلالة الإمبراطور في المجيء بنفسه، لكن كثرة انشغاله حالت دون ذلك.”
ولو ظهر الإمبراطور فجأة في تجمع لفتيات النبلاء، لما استطاعت أيٌّ منهن شرب الشاي بهدوء.
كان مجيء إيثان حقًا أمرًا مطمئنًا.
في تلك اللحظة، اقتربت عربة أخرى بسرعة من قصر الكريستال.
وما إن فُتح بابها حتى نزلت منها الأميرة تيارا ممسكة بيد وصيفتها.
“الأميرة تيارا؟“
“داليا، إلى أين أنتِ ذاهبة؟“
تفحّصت الأميرة من يقفون أمام العربة.
“أنا في طريقي لحضور حفلة شاي الآنسة يوفْرون. لكن… ما سبب قدومكِ من دون إشعار مسبق؟“
“الآنسة يوفْرون؟ ستذهبين إلى هناك؟“
ضيّقت تيارا عينيها وغاصت في التفكير.
“لماذا؟“
“سمعت شائعة غريبة.”
“شائعة أخرى؟“
كتمت داليا تنهيدة.
كانت تلك الشائعات مقصودة أصلًا، لكنها باتت مرهقة.
“وما نوع هذه الشائعة؟“
“أودّ إخباركِ، لكن يبدو أنكِ على وشك الذهاب إلى حفلة الشاي. كان من الأفضل لو أخبرتِني مسبقًا.”
ثم اضافت:
“سأذهب معكِ.”
رفعت الأميرة ذقنها بثقة وهي تقول ذلك.
“هل تلقيتِ دعوة لحفلة الشاي يا أميرة تيارا؟“
“لا.”
ارتسمت على وجه داليا ابتسامة محرجة أمام جرأة موقفها.
“ألن يكون ذلك صعبًا؟“
“همف. ومن يجرؤ على منعي؟ تقدّمي.”
نظرت داليا حولها بعينين متردّدتين وكأنها تسأل إن كان هذا مقبولًا فعلًا.
فأومأت آني برأسها وكأنها تطمئنها.
“قد تنتهي حفلة الشاي مبكرًا إذا حضرنا برفقة صاحبة السمو غير المدعوّة.”
“لا داعي للتلميح بذلك الشكل. سأُنهيها بسرعة على أي حال.”
رمقت تيارا آني بنظرة مستاءة.
فاكتفت آني بالرمش ببراءة مصطنعة.
“داليا، ثقي بي فقط.”
لم تستطع داليا الرد، فاكتفت بابتسامة متكلّفة وهي ترفع زاويتي شفتيها.
* * *
“أهلًا وسهلًا بكم الأميرة داليا. و… لم أكن أتوقع حضور قائد الفرسان إيثان ولا سموّ الأميرة أيضًا…”
قالت الآنسة يوفْرون ذلك وهي تطيل نبرة حديثها حين رأت الداخلين مع داليا.
“لم تُرسلي إليّ دعوة.”
قالت تيارا ذلك بثقة فرسمت الآنسة يوفْرون ابتسامة لطيفة بعينيها.
“كنت قد أرسلتُ لكِ سابقًا لكنكِ رفضتِ الدعوة ولذلك لم أعد أرسلها.”
“في ذلك الوقت لم أرغب بالحضور، أما الآن فقد رغبت. اعتبري أنني جئت بالدعوة التي وصلتني حينها. يمكنكِ تدبير مقعد إضافي واحد، أليس كذلك؟“
ارتعشت أطراف شفتي الآنسة يوفْرون أمام طلب الأميرة المتغطرس.
“بالطبع. أهلًا وسهلًا بكِ يا صاحبة السمو.”
رمقت تيارا داليا بنظرة منتصرة، فاكتفت داليا بهزّ رأسها بخفة وهي تكتم ضحكتها.
وعندما وصلن إلى الحديقة الخلفية برفقة الآنسة يوفْرون، كانت العديد من فتيات النبلاء قد سبقنهن إلى الجلوس.
“رجاءً رحّبن بصاحبة السمو الأميرة تيارا وبالأميرة داليا.”
قدّمت الآنسة يوفْرون الاثنتين.
“تشرفنا برؤيتكما يا صاحبة السمو ويا صاحبة السعادة.”
كانت نظرات الفتيات تجاه تيارا مليئة بالخوف، بينما صُبّت على داليا نظرات اهتمامٍ فاضحة امتزج فيها الحسد والغضب والفضول.
“تفضّلا بالجلوس هنا.”
قالت الآنسة يوفْرون ذلك مشيرة إلى المقعدين عن يمينها ويسارها.
تلفّتت تيارا حولها ثم قالت بحدّة:
“لا أريد. سأجلس بجوار داليا.”
ارتجفت شفتا الآنسة يوفْرون الحمراوان مرة أخرى.
“لقد اضطررتُ إلى ترتيب مقعد إضافي لسموّكِ، لذا أرجو أن تتفضلي بالجلوس وفقًا لرأي المضيفة.”
عندها حدّقت تيارا ببرود في فتاة نبيلة كانت تجلس بجوار داليا.
“هل لا بد أن تجلسي هنا؟“
“ماذا؟ أ… أنا…”
“سموّ الأميرة، أرجوكِ لا تفعلي ذلك.”
قالت داليا ذلك وهي تنظر إلى الفتاة بجانبها بوجهٍ معتذر.
في المقابل، أخذت الفتاة تتنقل بنظراتها بين تيارا والآنسة يوفْرون في حيرة وخوف.
وكانت نظرة تيارا تزداد برودة شيئًا فشيئًا.
‘ه–هل اكتشفت الأمر؟‘
ارتجفت الفتاة وقد سمعت كثيرًا عن طبع الأميرة تيارا العنيف.
وفي النهاية، عجزت عن تحمّل الضغط فنهضت من مكانها.
“أ… أشعر بصداع شديد. سأستأذن الآن يا آنسة يوفْرون.”
وغادرت الحديقة الخلفية على عجل من دون انتظار ردّ.
“أصبح هناك مقعد شاغر، أليس كذلك؟“
قالت تيارا ذلك بوجهٍ متعالٍ وهي تجلس فورًا في المكان الفارغ، ثم نفضت مقعد داليا بمنديلها وأشارت إليه.
“اجلسي يا داليا.”
جلست داليا بهدوء إلى جوارها، فهي لم تكن ترغب في لفت مزيد من الأنظار.
ومن الخلف، كانت آني تراقب المشهد وللمرة الأولى وجدت نفسها تشجّع الأميرة تيارا.
فقد رأت الفتاة التي طُردت قبل قليل تضع بتلات زهور حمراء مبللة بالماء على مقعد داليا.
ولو جلست داليا هناك، لتلطّخ ثوبها عند موضع الجلوس بلونٍ أحمر واضح.
ولأن تيارا تصرّفت قبل أن تضطر آني للتدخل، اكتفت بالمشاهدة بصمت.
“الأميرة داليا، هل هذا العقد فعلًا هو عقد الإمبراطورة الخامسة؟“
سألت إحدى الفتيات بعينين تلمعان فضولًا.
“نعم. لقد أهداني إيّاه جلالة الإمبراطور.”
قالت داليا ذلك مبتسمة وهي تومئ برأسها.
“سمعتُ أن هذا العقد لا ترتديه إلا الإمبراطورة.”
“هذا ما سمعته أنا أيضًا.”
وافقتها داليا متعمّدة وهي ترفع فنجان الشاي.
“لا تقولي إن جلالة الإمبراطور قد تقدّم لخطبتكِ؟“
“لم أتلقَّ العرض بعد.”
‘بعد‘… أليس في ذلك إيحاء واضح بأنها ستتلقاه قريبًا؟
بدأ همس الفتيات يعلو شيئًا فشيئًا.
ومن بعيد، كانت آناستاسيا تراقب المشهد وقد أخفت يديها المرتجفتين تحت الطاولة كي تكبح غضبها.
ظهور الأميرة تيارا فجأة أفسد كل ما كانت تخطّط له.
فالفتاة التي كانت تنوي الجلوس إلى جانب الأميرة وإحراجها بخبث، فرت هاربة تحت ضغط تيارا.
وفوق ذلك، كان قائد الحرس إيثان الذي لا يرافق عادةً سوى الإمبراطور، حاضرًا اليوم لحماية الأميرة.
وإلى جانب ذلك كله، جاءت داليا متقلّدة بكل جرأة عقدًا لا ترتديه إلا الإمبراطورة.
اشتعلت نار الغضب في عيني آناستاسيا وغرست أظافرها الطويلة في كفّها.
أرادت أن تمزّق ذلك الوجه البريء للأميرة إربًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 78"