✿ الفصل 71 ✿
حسبي الله ونعم الوكيل في كل حد يقرا بدون مايعلق ولا يحط نجمه
* * *
وفي تلك الأثناء، شعرت داليا وكأن قوة خفية تسيطر عليها.
كانت إحدى يديها واقعة في قبضته، وأما يدها الأخرى فكانت محصورة بينهما، مما جعلها غير قادرة على الحركة.
ومع كل كلمة ينطقها الإمبراطور، كان صوته العميق يتردد ببطء في أذنيها.
وعندما التقت نظراته الثابتة بنظراتها مباشرة، شعرت وكأن الهواء قد ضاق من حولها.
“جلالتك…”
‘أشعر وكأن أنفاسي لا تسعفني.’
ولمّا مرّت يده الداعمة على ظهرها ببطء كأنها تستشعر اضطرابها، أحست أن قوتها تتلاشى فجأة من ساقيها. ولحسن الحظ، كان يمسك بها جيداً فلم تقع أرضاً.
“هل أنتِ بخير؟“
رفعت داليا نظرتها المذهولة نحو الإمبراطور.
كان يحدّق بها مبتسماً ابتسامة واثقة، وقد تغيّر الجو المكهرب بينهما فجأة.
“م—ما الذي كنت تفعله قبل قليل؟“
خرج صوتها المرتبك مرتجفاً دون إرادتها.
“كنت أتحدّث معكِ فحسب.”
وعلى نبرة صوته المراوغة، رمقته داليا بعينين ممتلئتين بالاحتجاج.
‘حديث؟ أيُعقل أن يكون هذا أسلوباً للحوار؟ لو استمر الحديث على هذا النحو، فسأعجز حقاً عن التنفس.’
“هذا… غير منصف.”
نظرت إليه بنبرة تحمل شيئاً من الخيبة، وقد امتلأت عيناها البنفسجيتان بالاستياء.
“ولِمَ ذلك؟“
“أهناك من يتصرّف بطريقة توحي بهذا الشكل؟!”
خفضت صوتها وهي تنظر إليه بنفاد صبر.
أمعن الإمبراطور النظر فيها لبرهة، ثم ضحك بصوت واضح.
وبصوت ضحكه المنطلق اتسعت عينا داليا دهشة.
“أكان الأمر يوحي بذلك؟“
رفع زاوية فمه مبتسماً وهو يلتقي بنظراتها.
“لقد قصدت هذا بلا شك!”
قالت داليا بذلك بصوت منخفض لا يسمعه سواه.
“بل لم أقصد شيئاً.”
همس هو الآخر بذلك بصوت منخفض.
“ماذا؟!”
إن لم يكن الأمر عمداً، فهل هذا يعني أنه يتصرف هكذا بطبيعته؟
أيّ رجل خطير هذا؟ لولا كونه لا يهتم بالنساء، لربما أطاح بعقول نساء الإمبراطورية كلها.
تأملته بنظرة غير راضية تتنقّل بين ملامحه الوسيمة.
“ما معنى هذه النظرة؟“
“وما شأن نظرتي؟“
“يصعب عليّ الاحتمال حين تكونين بهذا القدر من اللطف.”
“ماذا؟!”
حدّقت فيه بدهشة أكبر.
ما حكاية هذا الرجل؟!
“أوَستمرّين في الاندهاش بهذه الطريقة؟ حتى هذا يبدو لطيفاً.”
ولما قال ذلك بنبرة ساخرة، ضيّقت داليا عينيها وهي تنظر إليه.
“حقاً… أنت موهوب.”
“بمَ؟“
“في جذب النساء، بمهارة لا يستهان بها!”
“أنا؟“
“وهل يوجد هنا غير جلالتك؟!”
وفيما كانا يتبادلان الحديث بصوت خافت وقد اقتربت وجهيهما بعض الشيء، كانت آني تراقبهما بنظرة غامرة بالسرور قبل أن تلمح شخصاً قادماً فتتسع عيناها فجأة.
“أحيّي جلالتك.”
عند سماع الصوت المألوف، أبعد غراي يده عن ظهر الأميرة واستدار.
كان لواند يقف هناك منحنياً احتراماً وخلفه وقف عدد من النبلاء الذين التقاهم مسبقاً، وقد تجمّدوا من الذهول قبل أن يسارعوا بالتحية ثم ينصرفوا.
عاد غراي بنظره إلى لواند.
“مضى وقت طويل…يا قائد الفرسان المقدسيين…”
رفع لواند رأسه ببطء، ثم حيّى الأميرة بودّ.
“كيف حالكِ يا أميرة؟“
“بخير، مرحباً بك يا سيد لواند.”
نظرت داليا إليه بنظرة معقدة امتزج فيها الامتنان والحذر.
فهو الذي عالج موني وحفظ سرّها، وهو في الوقت ذاته رجل يعرف حقيقة المخلوقات الشيطانية… ولا تعلم موقف الإمبراطورية منها، مما جعل تعاملها معه متحفظاً.
وبالقرب منها، ارتفع حاجب غراي بعدم ارتياح.
يا لها من تحية ودودة… ما مقدار قربهما يا ترى؟
وعلى الرغم من تعبير غراي الساخط، بقيت نظرات لواند نحوها لطيفة.
“أما بخصوص تدريب السيوف الذي تحدثنا عنه سابقاً… فيبدو أن لدي وقتاً غداً. هل يمكنني زيارتك بعد الظهر؟“
“حقاً؟ لحظة… كول، هل يناسبك الغد بعد الظهر؟“
“نعم.”
أومأ كول الذي كان يقف خلفها.
“بما أن كول موافق، فيسعدنا أن تأتي في أي وقت بعد الظهر.”
عندها لم يستطع غراي الذي كان يراقب محادثتهما باستياء ظاهر أن يتمالك نفسه.
“ما معنى ذلك؟“
“آه، لقد طلبتُ من السيد لواند سابقاً أن يتدرّب كول معه. فكول يحترمه كثيراً.”
نظر غراي إلى كول نظرة خاطفة.
“يحترمه؟“
“فالسيد لواند سيّد سيف.”
“وأنا أيضاً سيّد سيف.”
رفعت الأميرة نظرها إليه مستغربة نبرة اعتراضه.
“لكن جلالتك مشغول دائماً.”
“وإيثان أيضاً سيّد سيف.”
“وقائد الحرس مشغول كذلك.”
“أوَليس القائد لواند مشغولاً هو الآخر؟“
“لكني لست منشغلاً بقدر جلالتك أو بقدر القائد إيثان.”
تدخل لواند في الحديث بنبرة طبيعية، فحدّق غراي به بعدم ارتياح.
“حقاً؟ ظننتك مشغولاً بالتجوّل حول القصر الإمبراطوري طوال الوقت. ولكن يبدو أن فضلك قد حسن من أمن العاصمة.”
لم يتبدل تعبير لواند على الرغم من كلمات غراي المبطنة.
“يشرفني أن أكون عوناً لجلالتك.”
“أيمكنني حقاً السماح بأن تُسخَّر قوة سيّد السيف الوحيد في الإمبراطورية المقدّسة هالين لصالح إمبراطوريتي؟“
فأجاب لواند بهدوء:
“أينما كنت، فإن الإلهة ستظل ترعاني.”
اصطدمت عيناهما عينا لواند الزرقاوان الصافيتان كصفاء السماء، وعينا غراي السوداوان العميقتان كليلٍ بلا نجوم بنظرة حادة متبادلة.
وبين نظراتهما المتقدة، وجدت داليا نفسها في الوسط، فتلفّتت إلى الخلف مستنجدة بآني.
وضعت آني يدها على جبهتها وكأن الأمر سبب لها صداع، ثم تقدمت نحوهم.
“أميرتي، لقد حان وقت الموعد.”
“موعد؟ آه، نعم… ذلك الموعد!”
أمالت داليا رأسها للحظة ثم نظرت إلى الرجلين وقد تذكرت ما تشير إليه آني.
“جلالتك… لدي موعد الآن، ويبدو أنني مضطرة للذهاب. أراك غداً بعد الظهر يا سيد لواند.”
عندها فقط صرف لواند والإمبراطور نظرهما عن بعضهما والتفتا إليها.
“حسنٌ، كما تشائين.”
“اذهبي.”
عندها همست داليا للإمبراطور بنبرة محرجة:
“لن أستطيع الذهاب ما لم تترك يدي.”
نظر الإمبراطور إلى يدهما المتشابكتين وكأنه لم يكن منتبهاً للأمر، ثم قال:
“وأين موعدك يا أميرة؟“
“موعدي… أمم… في الحقيقة…”
كيف لها أن تعرف مكان موعد لا وجود له أصلاً؟
فعادت بنظراتها إلى آني طالبة النجدة مجدداً.
فقالت آني بوجه جامد وكأنها تخبر حقيقة:
“لديها لقاء مع صاحبة السمو الأميرة فيفيانا.”
“سنذهب معاً.”
“م—معاً؟!”
تظاهرت داليا بابتسامة مرتبكة.
وعندما قبض الإمبراطور على يدها بإحكام أكبر، انخفضت نظرة لواند إلى أيديهما المتشابكة.
تغيّر بصره للحظة، لكنه رفع رأسه بعدها بملامح هادئة لا تكشف شيئاً.
“إذن أراكم غداً.”
“نعم، رافقتك السلامة.”
وبعد أن ابتعد لواند، سارت داليا مع الإمبراطور بخطوات هادئة.
“أحقاً ستذهب؟“
“إلى أين؟“
“للقاء الأميرة فيفيانا.”
“لا.”
“ولماذا إذن؟“
نظر إليها الإمبراطور طويلاً دون كلمة، ثم حوّل وجهه جانباً.
“خشيت أن يُنتزع شيء مني.”
“يُنتزع ماذا؟“
سألته بدهشة، لكنه اكتفى بالنظر إليها قليلاً قبل أن يصرف عينيه مجدداً.
“سأحضر غداً لمشاهدة التدريب.”
لم تفهم لمَ قد يكلّف شخصٌ مشغول نفسه بمثل هذا، لكنها أومأت موافقة.
فكلما ازداد عدد من يشاهدون اقترابهما من بعضها، كان ذلك أفضل لها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 71"