“لا أعلم كيف هو السيّد ليمون، لكن… ماذا يأكل؟ هل يأكل الحشرات؟”
بيبي بيبي بيبي.
هزّ ليمون رأسه، ثم طار بخفّة وجلس على الفاكهة الموضوعة في الغرفة.
وحين اتّجه نظر داليا نحو الفاكهة، تبعته عينا آني.
“يبدو أنّه يأكل الفاكهة.”
“يا للحمد. كنتُ أخشى أن نضطرّ لاصطياد الحشرات له.”
قالت آني بارتياح، فأومأت داليا برأسها بقوّة. كانت تكره الحشرات والضفادع اللزجة كرهًا شديدًا.
لكن ليمون، الذي كان ينقر الموز، رفع رأسه فجأة، ثم طار من جديد والتقط شعر داليا بأسنانه.
نظرت آني بدهشة إلى خصلات شعر داليا الورديّة المعلّقة في الهواء.
“ما الأمر؟”
وحين أخذ ليمون يشدّ شعرها بلا توقّف، نهضت داليا من مكانها.
طار ليمون باتّجاه النافذة المفتوحة وهو يجرّها معه.
“تريد الخروج؟ حسنًا، توقّف عن الشدّ.”
أخرجت داليا ليمون أوّلًا من النافذة، ثم التفتت إلى آني.
“سأخرج قليلًا ثم أعود.”
“سأرافقكِ.”
وحين همّت آني باتّباعها، هزّت داليا رأسها رافضة.
“لا، أنتِ متعبة أيضًا، ارتاحي.”
“لكن…”
تردّدت آني في الكلام.
“ماذا؟”
“سيّدتي ليا… أنتِ سيّئة جدًّا في معرفة الطرق.”
لم تكن داليا قد خرجت من القصر الجانبي إلا نادرًا طوال حياتها، وكلّما خرجت ضلّت الطريق واضطرّت وصيفات والدتها للبحث عنها طويلًا.
“آه… هذا صحيح.”
بيبي. بيبي.
أخذ ليمون يزقزق بصخب في الخارج.
“هذه المرّة سأتبع ليمون فقط ثم أعود.”
“سيّد ليمون، يجب أن تعيد سيّدتي ليا إلى هنا حتمًا.”
قالت آني ذلك وهي تنظر إلى مكانٍ آخر غير مكان ليمون، لكنّه أومأ برأسه كأنّه فهم.
رغم أنّ نظراتهما لم تلتقِ، فإنّ التفاهم بين إنسانٍ وحيوان كان مثاليًا.
—
طار ليمون بجناحيه الحمراوين، بكلّ ما أوتي من قوّة، و كان ذلك ما بدا تافهًا في نظر داليا، وارتفع عاليًا.
كان يرفرف بجدّ، ولا يلبث أن يلتفت ليتأكّد أنّها ما زالت تتبعه.
وفي كلّ مرّة، كانت داليا تلوّح له بيدها مطمئنة.
وبينما كانت تمشي محدّقة في ليمون وحده، تجاوزت النافورة، ثم الأشجار في الحديقة، حتّى وصلت إلى شجيرات كثيفة.
فاحت من شجيرات الليلك رائحة زكيّة.
رفعت رأسها فرأت ليمون يطير فوق الشجيرات، على ارتفاعٍ يساوي طولها تقريبًا.
‘ليمون، أنت طائر… وأنا إنسانة.’
تنهدت داليا وهي تنظر إلى الشجيرات العالية.
تردّدت في الاستسلام، لكنّها لن تستطيع العودة إلى مسكنها من دون ليمون، فقرّرت الاستمرار في اتّباعه.
وفي اللحظة التي أدخلت فيها رأسها بين فراغات الشجيرات—
تشانغ.
اتّسعت عينا داليا من الصدمة، ونظرت إلى السيف الملامس لعنقها.
“هـ…!”
“من أنتِ؟”
دوّى صوت رجلٍ بارد.
‘هل كان ليمون يتظاهر بالودّ ليقودني إلى موتي؟’
تخيّلت ليمون يغطي فمه بجناحه ويضحك كشرير.
“أسألكِ للمرّة الأخيرة. من أنتِ؟”
في تلك اللحظة، أُغلقت عيناها وسقط رأسها إلى الأسفل.
بين الشجيرات الخضراء، لمع شعر امرأة ورديّ لا يظهر منه سوى الرأس، فتألّق تحت الضوء.
وقد علقت ورقة خضراء في شعرها الوردي، فكأنّ حديقة أزهارٍ تمشي وحدها.
لم يكن إيثان، قائد الحرس الإمبراطوري، يتوقّع أن يحدث هذا حين وجّه سيفه نحو المرأة.
لم يتخيّل أنّها ستُسقط رأسها نحو النصل كأنّها ترغب بالموت.
وبالطبع، أزاح إيثان، فارس الإمبراطوريّة الأعظم، السيف في اللحظة الأخيرة قبل أن يقطع عنقها.
سقطت المرأة أرضًا دون أيّ حركة.
“هل ماتت؟”
نظر الإمبراطور غراي إليها بنظرةٍ مذهولة، ثم التفت إلى إيثان.
وعلى وجه إيثان الجامد عادةً، مرّ وميض ارتباك.
مدّ إيثان يده نحو وجهها ليتأكّد إن كانت تتنفّس، فصدر صوتٌ منها كأنّها تمضغ شيئًا.
“.خخخ…”
“إنّها نائمة…”
توقّف غراي عن الكلام، مذهولًا من المشهد الغريب.
“يبدو ذلك.”
نظر إيثان إلى المرأة كما لو كانت كائنًا عجيبًا.
قرّر غراي أن يعفو عنها مرّة واحدة مهما كان عذر المرأة التي اقتحمت حديقته.
فهي أوّل من يُظهر مثل هذا التعبير على وجه إيثان المتجهّم.
وضع غراي الأوراق التي كان يقرأها على الطاولة ونهض.
وحين اقترب منها، بدا شعرها الورديّ الممتزج بالعشب الأخضر كحقل أزهارٍ ورديّ.
ومن ثوبها، بدا أنّها نبيلة، ومع ذلك كانت تنام على الأرض بكلّ أريحيّة.
“ألا يجب أن نوقظها؟”
سأل إيثان بوجهه المعتاد.
“لا يمكننا تركها تنام هنا إلى الأبد.”
“آني… برد… غطاء.”
تداخل حديثهما مع تمتمتها النائمة.
تبادل غراي وإيثان النظرات في آنٍ واحد.
‘ما هذه المرأة الغريبة؟’
لا بدّ أنّهما فكّرا بالأمر نفسه.
امرأة اقتحمت الحديقة دون إذن، ثم نامت على الأرض، والآن تطلب غطاءً.
ألقى غراي سترته السوداء التي كانت على كتفيه فوق جسدها.
“لنرَ متى ستستيقظ.”
عاد غراي إلى مكانه بوجهٍ لا مبالٍ، والتقط الأوراق التي كان يقرأها.
لماذا أنفي مخدَّر هكذا؟
فركت داليا طرف أنفها وفتحت عينيها ببطء.
تراءى لها عشبٌ أخضر نضر أمامها. لماذا العشب قريبٌ هكذا؟ ألم تكن تشقّ طريقها بين الشجيرات؟
وفي تلك اللحظة، انتبهت فجأة وكأنّ دلو ماءٍ مثلّج سُكب فوقها.
السيف.
الصوت الرجوليّ البارد.
تحسّست داليا عنقها على عجل. ولحسن الحظ، لم يكن هناك جرح.
‘كان عليّ أن أستمع لآني حين قالت لي أن آخذ الدواء… لم أتوقّع أن أنام فجأة هكذا.’
عندها—
“نمتِ جيّدًا؟”
كان الصوت مختلفًا عن ذاك البارد السابق؛ صوتًا عذبًا وناعمًا. نبرةٌ منخفضة رخيمة دغدغت أذنيها.
‘إذًا هناك رجلان على الأقلّ يراقبانني.’
“نعم…”
لم تجرؤ داليا على رفع رأسها وأكملت كلامها بخفوت.
“نمتِ جيّدًا؟ يبدو أنّكِ معتادة على النوم على الأرض.”
شعرت أنّه يسخر منها، لكنّها أجابت بصدق.
“أحيانًا.”
أحيانًا نادرة، حين كانت نوبات مرضها تداهمها، كانت تسقط على الأرض وتنام.
ويبدو أنّ الإجابة فاجأت الذي سألها، إذ ساد الصمت فجأة.
ثم عاد الصوت الرجوليّ البارد الأوّل.
“من أنتِ؟”
“آه، أنا من مملكة فوربرن.”
فجأةً عاد الصوت الذي دغدغ أذنيها.
“ومن تكونين في مملكة فوربرن؟”
ارتجفت كتفا داليا، لكنها شدّت على نفسها ورفعت رأسها قليلًا.
“هل يمكنني الخروج من هنا أوّلًا؟”
لم يظهر من جسدها بين الشجيرات سوى كتفيها، وكانت تريد الوقوف كما ينبغي.
“تفضّلي.”
بعد أن نالت الإذن، زحفت داليا وخرجت من بين الشجيرات.
وعندها، انزلقت السترة الرجاليّة التي لم تكن تعلم متى وُضعت عليها وسقطت على الأرض.
أسرعت داليا بالتقاط السترة السوداء ونفض الغبار عنها.
‘لمن هذه؟’
ثم خفضت رأسها ونفضت طرف فستانها أيضًا.
وبمجرّد أن رأت مقدّمته المتّسخة، تهدّل طرفا عينيها حزنًا.
‘ستوبّخني آني…’
“إذًا، أين الإجابة؟”
عاد الصوت العميق يلاعب أذنيها، فارتجفت وأمسكت بإحدى أذنيها بيدها، ثم رفعت نظرها نحو صاحب الصوت الذي كان يهاجمها باستمرار.
شعرٌ أسود مصفوف إلى الخلف بإتقان.
بشرة بيضاء ناصعة.
عينان سوداوان كأنّهما مرصّعتان بالألماس الأسود، وتحت إحداهما شامةٌ.
شفاه حمراء أعمق لونًا من شفاه النساء.
خطّ فكٍّ جميل، كأنّ نحّاتًا صقله بعناية.
“واو…”
‘كيف يكون وسيمًا إلى هذا الحد؟’
لحسن الحظ، كبحت بقايا عقلها عن التفوّه بما بعد ذلك.
تلألأت عينا داليا.
وجدته.
السبب الذي جاءت من أجله إلى هذه الإمبراطوريّة.
الإمبراطور غراي جين لووسيفون
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"