✿ الفصل 69 ✿
“لا تقل لي… هل شَغَر منصب؟“
“نعم. بعض الكهنة الأمناء في مكتبة النور تدهورت صحتهم، لذا يبحثون عمّن يساعدهم مؤقتًا.”
“سأتقدم أنا.”
انعكس الرجاء في عيني سبيد بوضوح.
فضحك الكاهن المتوسط من حماسه.
“أنت الوحيد الذي قد يرغب في العمل في مكان ممل كهذا.”
“مكان ممل؟ إنه المكان الذي تُحفَظ فيه الكتب المقدّسة! إنه مكان جليل.”
“أنت تعلم أنك لن تستطيع قراءة الكتب المقدسة، صحيح؟“
“بالطبع. يكفيني شرف أن أساهم ولو بقدَر يسير في خدمة ذلك المكان المقدس.”
“عجيب… كل هذا الإخلاص ولا تظهر فيك قوة مقدسة ولو ذرة!”
“لأنني ما زلت ناقصًا.”
طأطأ سبيد رأسه بوجه حزين.
فربت الكاهن المتوسط على ظهره مواسيًا.
“القوة المقدسة قد تظهر متأخرة، فلا تشغل بالك. سأعرّفك بكاهن مكتبة النور، هيا.”
“حاضر.”
مشى سبيد خلفه وعيناه الخضراوان تلمعان بلمعة خفية.
لقد تلقّى أمرًا بالتسلل إلى مكتبة النور، لكن تلك المكتبة لا يدخلها إلا الكهنة القائمون على عملها.
لذا أمضى وقتًا طويلًا يضع مادة مخدِّرة بجرعات صغيرة في طعامهم، وأخيرًا بدأت آثارها تظهر.
وبينما كان يبتسم في سرّه، لفت نظره عربة تتجه إلى المطبخ محمّلة بكميات هائلة من لحم الدجاج.
“دجاج مرة أخرى اليوم؟“
“نعم. مللنا منه مللًا.”
“أنا أجده لذيذًا.”
“أنت لا تميّز الطعام أصلًا!”
صرخ الكاهن المتوسط بضجر، فحك سبيد رأسه ضاحكًا بخجل.
طال نظر سبيد إلى عربة الإمدادات قبل أن يصرف عينيه.
في الأيام الأخيرة، ازدادت العربات المحمّلة بالدجاج بشكل غريب.
حتى لو كان الهيكل كبيرًا، فالكمية باتت غير طبيعية.
كان المطبخ مريبًا، لكن عليه الآن التركيز على مهمته… والدخول إلى مكتبة النور.
* * *
كان رايان يجلس في غرفة داليا يشرب الشاي بصمت.
راقبته داليا بطرف عينها يغمرها شعور ثقيل بالذنب تنتظر منه أن يتكلم.
قبل وصولها إلى الإمبراطورية، كانت تؤكد له أنها لن ترتبط بالإمبراطور أبدًا… وها هي الآن بلا عذر.
في تلك اللحظة، اقتربت آني من رايان حاملة إبريق الشاي.
صبّت الشاي بهدوء في الكوب الفارغ.
ثم قالت بنبرة باردة:
“حتى لو كنتَ شقيقي، لن أسمح لك بإزعاج أميرتنا.”
فاض الشاي حتى سال على الأرض قطرة بعد قطرة.
“آني!”
قفزت داليا مذعورة وأمسكت بيد آني لتوقفها.
قال رايان:
“لا بأس، يكفي يا آنسة.”
تبادل هو وآني النظر وعيناه مملوءتان بالدهشة أمام حدّة تعابيرها.
“أخيرًا تكلّمتما.”
تنفّس رايان بعمق ثم وجه حديثه للأميرة:
“مولاتي… تبدو خادمتكِ متطرفة. هل أرشح لك خادمة أخرى؟“
اعتذرت داليا بدلًا من آني:
“أنا آسفة. سأطلب من آني ألا تفعل ذلك مرة أخرى.”
“لا أظن تلك العنيدة ستستمع لك بسهولة.”
“بل ستفعل. صحيح أنها مخيفة قليلًا، كثيرة الانتقاد، صارمة… لكنها طيبة.”
“هذا صحيح.”
ناولته آني منديلًا صامتةً، فمسح يده ونظر إليها مبتسمًا بخفة.
لم يتعرض لحرق لأن الشاي كان قد برد، لكن المشهد كله جعله يستعيد تركيزه.
وحين التقت نظراتهما، أدارت آني وجهها ببرود ثم أعادت الأميرة إلى مقعدها.
كان رايان يهتم لقلق الملك على اخـته، وآني مع شدّة طباعها كانت تعتبر الأميرة أهم من الجميع… حتى من أقاربها أنفسهم.
قال رايان أخيرًا:
“لقد أبلغني جلالة الملك. ستتزوجين الإمبراطور.”
لم تُظهر آني أي تغير، فقد كانت تعرف مسبقًا، لكن كول الواقف عند الباب اتسعت عيناه من الدهشة.
سأل رايان بنبرة شبه هازئة:
“هل تحبينه؟ أكثر من حبكِ لمملكتنا؟“
ابتسمت داليا ابتسامة خفيفة محبطة.
“كيف يمكنني أن أحب أحدًا أكثر من مملكتي؟ كل ما حدث… أعتذر عليه حقًا.”
انحنى رأسها وهي تقول ذلك بصدق.
فهي تعلم أنها حمّلت رايان وزير الخارجية عبئًا كبيرًا.
“ارفعي رأسكِ يا مولاتي. لا تعتذري لي. لكن… لا مفر من القلق على مستقبل المملكة.”
خيمت الكآبة على وجهه.
أطرقت داليا بنظرة حزينة.
حدق رايان في الأميرة بعينين ممتلئتين بالأسى.
فهو لا يقلق على مستقبل المملكة بين قوتين عظميين فحسب…
بل يقلق عليها هي.
فتاة نشأت في قصر جانبي صغير… ستصبح إمبراطورة لإمبراطورية هائلة.
العالم الذي ستدخله قاسٍ، وسيجرحها بلا رحمة.
“مولاتي.”
“نعم؟“
رفعت داليا وجهها ببطء.
“الإمبراطورية تختلف كثيرًا عن مملكتنا. سيحاول الجميع استغلالكِ أو ابتلاعكِ. عليكِ أن تكوني قوية… جدًا.”
ابتسمت داليا بلطف أمام نصيحته الدافئة.
“لا تقلق. سأكون بخير.”
فهذا الزواج لن يطول أصلًا.
* * *
بعد مغادرة رايان، اقتربت آني من كول الذي كان يقف بملامح جدية متشنّجة.
أما داليا، فقد كانت في طريقها إلى غرفة تبديل الملابس بعد أن وصلها خبر قدوم الإمبراطور.
“علينا اختيار فستان الأميرة، لذا سأختصر الحديث.”
سألها كول بوجه متصلّب:
“…أنا أعرف الأميرة جيدًا. هي لم تقع في حب جلالة الإمبراطور. فلماذا تفعل هذا؟“
أجابت آني بهدوء:
“هذا قرار الأميرة. كل ما يمكنني قوله إنها فعلت ذلك لأجل المصلحة الكبرى.”
قطّب كول حاجبيه وقد بدا عليه أنه لا يستوعب الأمر:
“المصلحة الكبرى؟ هل على الأميرة أن تتزوج رجلًا لا تحبه من أجل ذلك؟ وما هذه المصلحة تحديدًا؟“
حدّقت آني في وجهه المتوتر، ثم تمتمت بعد أن كتمت تنهيدة:
“من أجل جميع الناس. الأميرة اتخذت قرارًا صعبًا لأنها تريد أن تنفع الجميع. أنت تعلم أنها لا تتردد في مساعدة الآخرين.”
قال كول محتجًا:
“لكن الأميرة لطالما حلمت بالحب. شخص مثلها—”
قاطعته آني بنبرة صادقة:
“كول… نحن وصيفتها وحارسها. واجبنا أن نثق بها ونتبعها فحسب.”
أغمض كول عينيه بقوة كما لو كان يحاول تهدئة نفسه، ثم فتحهما مجددًا.
“…أنتِ محقّة.”
مسح وجهه بخشونة، ثم عاد إلى تعبيره الطيب المعتاد، واقترب منها قليلًا وكأنه يخضع لفحص:
“هل تبدو ملامحي… طبيعية؟“
اتسعت عينا آني بدهشة من قربه المفاجئ، وبدأ قلبها يخفق بقوة حتى خافت أن يسمعه.
قال كول بقلق حقيقي:
“لا أريد أن أقلق الأميرة. هل وجهي يبدو كما هو دائمًا؟“
تماسكت آني بصعوبة وضغطت شفتيها وهي تخفض بصرها.
‘هذا الرجل… مهووس بالأميرة إلى هذا الحد.’
“نعم، تبدو كما العادة.”
ابتسم كول براحة:
“هذا مطمئن. وأنتِ أيضًا… تبدين جميلة كما دائمًا.”
رفعت آني رأسها بسرعة واتسعت عيناها.
“م–ماذا تقول؟“
ارتبكت من مجاملته المفاجئة.
قال ببساطته المعهودة:
“نحن في صف واحد، أليس كذلك؟ وأنتِ أيضًا تقلقين كثيرًا على الأميرة.”
غطّت آني أذنيها المتوردتين بيدها.
“أحمق…”
تمتمت بها حتى لا يسمعها.
“ماذا؟ لم أسمع.”
“ولن تسمع! لا يهم! هاه!”
ثم استدارت آني بثبات واختفت داخل غرفة تبديل الملابس.
أما كول، فقد ارتفع طرف شفتيه وهو ينظر إلى ظهرها، دون أن ينتبه لذلك بنفسه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 69"