✿ الفصل 68 ✿
* * *
مكتب الإمبراطور.
حدّقت داليا في الإمبراطور بعزمٍ واضح يعلو وجهها.
“أقابل جلالتك الإمـ—”
“اختصري. إيثان وأوريون… اخرجا.”
رفع الإمبراطور رأسه عن الأوراق وقاطع كلامها.
“نعم مولاي.”
“أنا لم أنهِ عملي بع—”
حاول أوريون المقاومة، لكن إيثان أمسكه من مؤخرة عنقه وجرّه إلى الخارج.
وبقي الاثنان وحدهما في المكتب يخيّم الصمت بينهما.
منذ اليوم الذي رأت فيه جثة المخلوق، لم يلتقيا. ولم تكن تعرف كيف تبدأ الحديث.
حتى الإمبراطور كان يحدّق بها بوجه يملؤه التعقيد.
“…هل أنتِ بخير؟“
“نعم، أنا بخير. ثم إن—!”
تعمّدت داليا أن تُسمِع خطواتها بقوة وهي تتقدّم نحو مكتبه.
رفع الإمبراطور حاجبه وهو يحدّق بها مليًّا.
“كأنك أتيتِ لإعلان حرب.”
تنفّست داليا بعمق ثم أجابت:
“قريب من ذلك.”
“حسناً، تفضّلي.”
“لنتزوّج.”
رمقته داليا بنظرة حادة مخيفة.
“ما زالت عروض زواجك مليئة بالجرأة.”
“أنا بطبعي جريئة.”
ابتسم الإمبراطور بخفة ونهض من كرسيه.
“ألن تندمي؟“
“بلى، سأندم. أنا نادمة منذ لحظة وصولي إلى هذه الإمبراطورية.”
تكلمت داليا بصراحة تامة.
لو لم ترَ المخلوق الذي سيجلب نهاية العالم، ولو لم تسمع ضحكة روز الصافية، لما كانت الآن في هذا المكان.
“هاه، تعرضين الزواج وتجرحينني أيضاً.”
“جلالتك لم تتأذّى.”
حدّقت به بعينين نصف مغمضتين.
“وأصبحتِ ذكية أيضاً.”
“كنت ذكية منذ البداية!”
حافظت داليا على وقفتها الواثقة.
هذه أول مرة تتقدم فيها لخطبة رجل، وكانت متأكدة أنها لو لم تتظاهر بالجرأة لهربت من شدة الإحراج.
وقف غراي مقابلها وعندما حاولت التراجع بخفة مدّ يده نحوها.
حدّقت في يده بوجه يتساءل ‘ماذا يعني هذا؟‘
“أقبل عرض زواجك.”
“آه… هل نصافح بعضنا عندما يُقبل عرض الزواج؟ أنا لم أخطب أحداً من قبل.”
احمرّ وجهها وهي تمسك يده بخجل.
“بالطبع لا.”
لم يستطع غراي كتم ضحكته.
واتّسعت عيناها بدهشة.
“لا؟“
“من الطبيعي أن لا يكون الأمر هكذا.”
“أنا فقط… هذه أول مرة بالنسبة لي.”
قالت ذلك محاولة تبرير نفسها فابتسم.
“وأنا أيضاً… هذه أول مرة.”
كل شيء مع هذه المرأة كان جديداً… وكان أول مرة.
“إذن… ماذا نفعل الآن؟“
“أميرة… أنا لا أثق بالبشر.”
“اعترافٌ صريح؟“
أومأت كأنها كانت تتوقع منه هذا، فضحك غراي مرة أخرى.
كانت لها قدرة غريبة على إضحاكه.
وبرغم أن الزواج أمر لا مفر منه، إلا أنه بدأ يظن أن الأشهر القليلة معها قد تكون ممتعة.
“كنت أفكر في كتابة عقد بيننا.”
“موافقة. أنا ماهرة جداً في توقيع العقود.”
كان تباهيها لطيفاً لدرجة أنه ضحك مرة أخرى.
“بما أننا نسعى للهدف نفسه، سأجرب أن أثق بك. هدفنا… منع دمار العالم.”
“صحيح.”
أومأت الأميرة بتفهم.
“أريد شرطاً واحداً فقط: مدة زواجنا ثلاثة أشهر لا أكثر… ثم الطلاق مباشرة. هل توافقين؟“
لم يتبقَّ له سوى ستة أشهر من عمره.
وحتى لو أسرعوا في التجهيزات، فزواجٌ يجمع بين الإمبراطورية والمملكة سيستغرق على الأقل شهرين أو ثلاثة.
وهذا يعني أنه سيعيش معها ثلاثة أشهر فقط قبل موته.
وبما أن الزواج بلا حب، فهي بالتأكيد لا ترغب في إطالته.
“بالنسبة لي حتى شهر واحد يكفيني.”
قالت ذلك بوجه مشرق كما توقع.
“مؤذٍ أنك لا ترغبين بقضاء الوقت معي.”
“جلالتك لم تتأذّى.”
أجابته بلا مبالاة.
‘غريب… هذه المرة أشعر أنني تأذيت فعلاً.’
أخفى غراي تلك المرارة بابتسامة أنيقة.
“لكن بما أنه زواج، ألن يراه الناس غريباً لو طلّقنا بعد شهر واحد فقط؟“
“ثلاثة أشهر ستكون غريبة أيضاً.”
“هذا شرطي الوحيد. وإن كان لديكِ أي شرط، فاذكريه الآن.”
فكّرت الأميرة مليًّا ثم فتحت شفتيها ببطء.
“بزواجنا… ستبدأ إمبراطورية كيزيّا والإمبراطورية المقدسة هالين بالضغط على مملكتنا.”
“سأمنعهم.”
“لا. أرجوك… لا تفعل شيئاً.”
رفضت بعينين جادتين.
“لو ساعدتنا إمبراطوريتك، فسيزيدون ضغطهم علينا أكثر. من الأفضل ألا تتدخل. أنا أؤمن أن أخي سيتمكن من الصمود.”
“حسناً. أي طلب آخر؟“
“لا.”
“سنعلن الأمر في حفلة الليلة السابقة لعيد تأسيس الإمبراطورية.”
“حسنًا.”
ناولها غراي ورقة كانت على مكتبه.
كانت رسالة كتبتها ابنة أخيها.
“هاه؟ كنت أظن أنني نسيتها. لماذا هي في حوزتك يا جلالة الإمبراطور؟“
اتسعت عينا داليا بدهشة وهي تحدّق في الرسالة.
“غفلتُ عن إعطائك إياها. أوريون هو من التقطها ذلك اليوم.”
“لا تقل لي… أنك أدركت أنني أميرة بعد أن رأيت هذه الرسالة؟“
“لن أنكر.”
“واو… لقد خدعتك بإتقان إذًا. لو أنني فقط أخفيت هذه الرسالة جيدًا!”
قبضت على الرسالة بأسف واضح، ثم توقفت فجأة ونظرت إليه بتردد.
“إذن… الآن علينا التظاهر بأننا نحب بعضنا، أليس كذلك؟“
الحب… نعم، كي يصدّق الجميع، لا بدّ من التمثيل.
لكنه لم يفعل شيئًا كهذا من قبل، ولا يدري كيف سيؤدي الدور.
“سنحاول.”
“سأحاول أنا أيضًا. لكن… متى ستفلت يدي؟“
“آه.”
لقد نسي أنه ما زال ممسكًا بيدها منذ المصافحة.
أفلت غراي يدها ببطء، وشعر لوهلة أن الأمر ربما لن يكون صعبًا كما تخيل.
* * *
الكنيسة الأعظم في الإمبراطورية المقدسة هالين.
على جانبي المدخل اللذين يعجز البصر عن الإحاطة بضخامتهما، انتصبت تماثيل ضخمة للإلاهة وإلى جوارهما باب ذهبي وآخر فضي.
ما إن فُتح الباب الذهبي حتى عبرت منه عربة أحد النبلاء بسرعة، بينما كان الأثرياء يصطفون أمام الباب الفضي للدخول.
وفي الجهة الأبعد، عند الباب البرونزي…
كانت تقف أسرة بسيطة الهيئة مضطربة، تنتظر شخصًا ما.
“لقد جاء!”
أقبل كاهن متدرّب طيب الوجه بشَعرٍ أخضر، فتهافتت الأسرة نحوه.
“الأب سبيد!”
“يا أبتي!”
انحنى سبيد معتذرًا وقد ارتسمت على وجهه مسحة أسف.
“تأخرت قليلًا، أليس كذلك؟ كان لدي الكثير من المهام اليوم.”
“لا بأس… يكفينا أنك جئت.”
أخرج سبيد قنينة ماء مُقدّس من بين ثيابه وقدّمها لهم.
“لم أستطع إحضار أكثر من قنينة واحدة، أعتذر. لو كنت قد اكتسبت القوة المقدسة بعد، لعالجتُ طفلكم بنفسي… لكن يبدو أن إيماني ما زال قاصرًا.”
هزّت المرأة، وهي تتسلم القنينة بحرص، رأسها نافية:
“أبدًا يا أبتي. لا أحد يساعدنا رغم فقرنا إلا أنت. تحسّن صغيرنا كله بفضل جهودك!”
“نعم، هذا صحيح.”
وانحنت الأسرة كلها له باحترام عميق.
هزّ سبيد رأسه بخجل وكأنه لا يستحق كلماتهم، ثم اعتذر مجددًا.
“لا أستطيع البقاء أكثر…”
“بالطبع، أنت مشغول. شكرًا لك يا أبتي.”
“أراكم في الوقت نفسه بعد أسبوع.”
“حسنًا.”
دخل سبيد بخطوات مسرعة إلى داخل الكنيسة، لكن صوتًا مستنكرًا تبعه.
“تسك، تسك…”
التفت سبيد نحو مصدر الصوت، فالتقت عيناه بنظرة استياء من كاهن متوسط الرتبة، كان يشد على خصره حزامًا تتدلى منه شارة صفراء.
“أبتي.”
انحنى سبيد بخفة احترامًا.
“ما زلت على طباعك، أعطيت قنينة ماء مقدس التي تتقاضى عليها أجرًا أسبوعيًا لأناسٍ معدمين، بدل بيعها لتاجر بأضعاف ثمنها… تسك، تسك.”
قال سبيد بهدوء:
“طفلهم وُلد ضعيفًا ولا يستطيع النهوض. لا يتناول الطعام إلا إن شرب الماء المقدس. لو كانت إصابته جسدية لكان الأمر أسهل بكثير… حاله مؤسف حقًا.”
“تسك. وأنت؟ مم ستعيش؟“
“الكنيسة توفر لي المأكل والمأوى. فما حاجتي للمال؟“
ابتسم سبيد ابتسامة صافية، فطوّق الكاهن الأوسط رقبته بذراعه وضغط عليها بخفة ساخرة.
“يا لك من طيب حدّ السذاجة.”
“ما الأمر إذًا؟“
نفخ الكاهن المتوسّط صدره بكِبر وقال:
“سمعتُ أنك تريد العمل في مكتبة النور، صحيح؟“
اتسعت عينا سبيد الخضراوان بدهشة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 68"