بدا المكان سريًا للغاية، ولم تفهم لماذا أحضرها إلى هنا.
طرق الإمبراطور الباب الحديدي طرقًا قويًا، فانفتح من الداخل.
كان قائد الحرس الإمبراطوري إيثان في الداخل.
كانت داليا تتساءل لِمَ لم تره اليوم إلى جانب الإمبراطور، ويبدو أنه كان ينتظره هنا.
حين لمحها إيثان، اتسعت عيناه بدهشة ثم انحنى لها بصمت تحيةً.
بادلتْه داليا انحناءة خفيفة.
“لندخل.”
“نعم.”
ما إن دخلا الباب الحديدي حتى ظهرت أمامهما درجات تنحدر إلى الأسفل.
ازداد المكان ريبةً، فارتسمت على وجه داليا نظرة شك.
“أتخشين الدرج؟”
“لا.”
صحيح أن الأجواء الكئيبة أرعبتها قليلًا، لكنها تظاهرت بالشجاعة عمدًا.
“إذًا تفضّلي أولًا.”
“لا، لا يمكنني أن أتقدم على جلالتك. تفضل أنت.”
انتفضت داليا رافضة، فضحك الإمبراطور بخفة ونزل السلالم أولًا.
نظرت داليا إلى الدرج بقلق.
رغم أن الأحجار المضيئة جعلته غير مظلم، إلا أن السلالم بدت عميقة؛ ولو تعثّرت فسوف تتدحرج إلى الأسفل بلا توقف، وحينها لن تنفعها حتى طريقة السقوط التي علّمها لها كول.
سألها إيثان الذي كان يقف خلفها منتظرًا نزولها بصوتٍ جاف:
“سمو الأميرة، هل أمسك بيدكِ؟”
سألته داليا بوجهٍ مشرق:
“هل تفعل؟”
كان الدرج عريضًا بما يكفي لنزول شخصين معًا.
وفي تلك اللحظة، توقف الإمبراطور الذي كان يتقدمهم فجأة، ثم استدار وصعد الدرج بخطواتٍ واسعة.
“لماذا تصعد؟”
“يبدو أن عليّ أن أُنمّي مناعتي.”
“فجأة هكذا؟”
نظرت إليه داليا بوجهٍ مذهول.
“وهل سبق أن استأذنتني حين قررتِ أنتِ تنمية مناعتي؟”
مدّ يده بثقة فترددت داليا للحظة وهي تنظر إليه وكأنها تقول ‘ما بال هذا الرجل؟‘ ثم وضعت يدها في يده.
“هيا.”
“نعم.”
تشابكت يداهما ونزلا الدرج ببطء.
شعرت داليا أنه يراعي طول خطوته ليتناسب معها، فابتسمت في سرّها لتلك العناية الدقيقة.
عند نهاية السلالم انكشفت أمامهما ساحةٌ واسعة، يتصدرها بابٌ حديدي آخر يقف أمامه فارسان للحراسة.
“اصعدا إلى الأعلى.”
“نعم سيدي.”
ناولها الإمبراطور منديلًا.
“لماذا هذا؟”
“ستحتاجينه.”
فتح الباب الحديدي ببطء، فانبعثت رائحةٌ نفاذة خانقة ضربت أنفها بقوة.
سارعت داليا إلى سدّ أنفها بالمنديل.
هل هذا مكانٌ لمعالجة الحيوانات؟ ولماذا أحضرني إلى هنا؟
دخل الإمبراطور أولًا، ثم التفت إليها.
“ادخلي.”
“هل يجب أن أدخل حقًا؟”
“هناك شيءٌ ينبغي للأميرة أن تراه.”
أحكمت داليا المنديل على أنفها ودخلت.
سمعت صوت الباب الحديدي يُغلق خلفها.
وما إن رفعت بصرها أمامها حتى شهقت، وسقط المنديل من يدها.
وحشٌ أسود.
كان الوحش الأسود الذي رأته في حلمها معلقًا في الغرفة جثةً هامدة.
“… لماذا هو هنا؟”
“أهو الوحش نفسه الذي رأيتِه في حلمكِ؟”
سأل الإمبراطور بصوتٍ منخفض.
“نعم… إنه هو، الوحش الذي رأيتُه في الحلم…”
‘لماذا هو هنا؟ هل بدأ دمار العالم فعلًا؟ هل لأن الإمبراطور لم يتزوج؟‘
‘لا… بل أنا من تأخرت. كان عليّ أن أجد حلًا أسرع.’
ارتجف جسد داليا كله كأن قشعريرة أصابتها، وضغطت يديها بقوة على أذنيها.
عاد الصراخ الذي سمعته في حلمها يطنّ في رأسها كطنينٍ مؤلم.
سيموت الجميع. سيموت كل الناس.
انهارت على الأرض، وضغطت على أذنيها بقوة أكبر.
“لقد تأخرت… سيموت الجميع…”
‘لم أستطع إنقاذ أحد. كنت أعلم… رأيت ذلك في الحلم.’
انهمرت الدموع على خديها بلا توقف.
كانت تشعر بالذنب لأنها لم تستطع إنقاذ أولئك الذين كانوا يموتون.
“… سمو الأميرة… داليا…”
بدت وكأن أحدهم يناديها، لكن الصوت كان يغرق وسط صدى الصراخ في رأسها.
“الأميرة داليا. انظري إليّ.”
جثا غراي على ركبةٍ واحدة أمامها، وأبعد برفق يديها اللتين كانتا تسدّان أذنيها.
كانت عيناها البنفسجيتان الزجاجيتان خاليتين من التركيز، متجمدتين في رعبٍ عميق، والدموع لا تكفّ عن الانهمار.
لقد دخلت الأميرة في نوبة هلع.
تطلع إليها غراي بوجهٍ مصدوم.
لم يتوقع قط أن تتألم إلى هذا الحد.
كل ما أراده هو التأكد مما إذا كان هذا الوحش هو نفسه الذي رأته في حلمها.
ألم تكن تجهل أمر الوحش الشفافة؟ ربما كان نوعًا مختلفًا عن ذلك الذي رأته في حلمها.
التعليقات لهذا الفصل " 66"