✿ الفصل 62 ✿
كمّت داليا وآني أفواههما بأيديهما وابتلعتا صرختهما بصعوبة.
‘سموكِ، يجب أن تبقي ساكنة.’
‘هل سيكون كول بخير؟‘
‘هو سريع، سيتمكن من الهرب.’
تبادلت الاثنتان هذا الحوار بنظرات سريعة، ثم ظلّتا ثابتتين في مكانهما تراقبان قطيع الخنازير البرية وهو يندفع خارج الكهف.
انتظرت آني بحذر حتى تأكدت من توقف خروج المزيد منها، ثم همست:
“سموكِ، هيا بنا.”
“حسنًا.”
تحركتا بحذر، لكن ما إن خطتا بضع خطوات حتى التقت أعينهما بأحد الخنازير التي عادت نحو وكرها.
في لحظة، اندفعت آني في الاتجاه المعاكس، وضربت مروحتها بكفّها لتُحدث صوتًا عاليًا.
“هنا! تعال إلى هنا! سموكِ، ابقي مكانك!”
رصد الخنزير هدفه واندفع مباشرة نحوها.
تراجعت آني مذعورة، ثم تعثرت وسقطت أرضًا.
“آني!”
همّت داليا بالركض نحوها، لكن فجأة اندفع شخص من بين الشجيرات.
“هارت؟!”
نظرت داليا بدهشة إلى هارت وهي تركض نحو الخنزير.
بقوة وخفة، قفزت هارت فوق ظهر الحيوان.
أخذ الخنزير يقفز بعنف محاولًا إسقاطها، لكنها شدّت فخذيها بإحكام وثبّتت رباط مئزرها حول عنقه لتمنع نفسها من السقوط، ثم غرست خنجرها في رأسه.
أطلق الخنزير صرخة ألم حادة قبل أن يسقط أرضًا بلا حراك.
وقفت داليا لوهلة وقلبها يخفق بعنف، ثم أسرعت نحو آني.
“آني، هل أنتِ بخير؟”
أومأت آني بوجه شاحب، وحاولت النهوض، لكنها عادت وجلست متألمة.
تفقدت هارت كاحلها وهي تهتف بذعر معتاد:
“يا إلهي! هل أنتِ بخير؟ لقد التوى كاحلك!”
“هارت! وأنتِ؟ هل أصابك شيء؟”
“أنا بخير طبعًا. كنت أراقب لأتأكد من عودتكما سالمتين، لكن… لم أتوقع أن يخرج أحدها فجأة.”
رمقت الخنزير الملقى على الأرض بنظرة استياء.
قالت داليا بامتنان صادق:
“حقًا أنا سعيدة لأنكِ جاسوسة.”
“مـ… ماذا؟”
اتسعت عينا هارت دهشة.
“أليست مهمتكِ التجسس عليّ بأمر من جلالة الإمبراطور لمعرفة هويتي الحقيقية؟”
سألتها داليا وكأن الأمر بديهي.
أومأت هارت لا إراديًا، ثم سارعت بالنفي.
“لا، لستُ جاسوسة الآن! حاليًا أنا مكلفة بحراسة سموكِ!”
“فهمت. على أي حال، شكرًا لكِ.”
ترددت هارت قليلًا قبل أن تسأل بحذر:
“ألا يزعجكِ الأمر؟”
ابتسمت داليا بهدوء.
“كنت أعلم منذ البداية.”
“منذ البداية؟!”
“أليس غريبًا أن تُعيَّن خادمة فجأة في مكان لم يكن يحظى بأي اهتمام من قبل؟”
خفضت هارت رأسها بحزن.
“هذه أول مرة يُكشف فيها أمري… ماذا سأفعل الآن؟ أشعر أنني سأصاب بعقدة نفسية!”
انتحبت بصوت متباكٍ.
قالت آني بهدوء:
“الأهم الآن أن نغادر هذا المكان.”
أومأت هارت بسرعة.
“آنسة آني، هل تسمحين لي أن أحملكِ على ظهري؟”
نظرت آني إليها وكانت أقصر منها ثم همّت بالموافقة، لكن فجأة تحركت الشجيرات بقوة.
تجمد الثلاثة وهم يحدقون في مصدر الصوت قبل أن يظهر كول حاملاً سيفًا ملطخًا بالدم.
“هاه… هل أنتنّ بخير؟ الخنازير البرية تميل إلى ملاحقة ما يتحرك. من الجيد أنكنّ لم تتحركن—”
توقف كلامه حين لمح الخنزير الملقى أرضًا، فتغير وجهه.
سارعت داليا إلى القول:
“لا بأس. هارت أنقذتنا.”
انحنى كول باحترام نحو هارت.
“شكرًا لكِ.”
ضحكت بخفة.
“لا داعي للشكر بين الحلفاء.”
“حلفاء…؟”
سألها بنبرة حذرة.
“كلانا مكلف بحماية الأميرة، إذن نحن في صف واحد!”
ظلّ كول يحدق فيها بنظرة معقدة، ثم أومأ ببطء.
لكن ما إن رأى آني جالسة على الأرض حتى ركع بجانبها ليفحص كاحلها.
“يبدو التواءً بسيطًا. كمادات باردة وستتحسنين سريعًا. لنعد لتلقي العلاج.”
احمرّ وجه آني وأومأت بخجل، فحملها كول بسهولة بين ذراعيه.
سارت داليا خلفهما تلاحظ أذني آني المتوردتين بابتسامة راضية.
ومع أنه كان يحملها، إلا أن كول تقدم خطوة أمام داليا تحسبًا لأي خطر جديد.
سارت داليا إلى جانب هارت خلفه.
“هارت.”
“نعم، سموكِ؟”
“أمر انكشافكِ… سأبقيه سرًا عن جلالة الإمبراطور.”
أشرق وجه هارت فورًا.
“حقًا؟ شكرًا لكِ!”
لكن توقفت فجأة ورفعت رأسها بحدة.
“سموكِ، انبطحي أرضًا!”
وفي اللحظة نفسها ضغطت على رأس داليا لتخفضها، بينما اختبأ كول سريعًا خلف شجرة.
وفي ومضة، انهالت عليهم السهام كالمطر.
رفعت داليا رأسها قليلًا، ووجهها شاحب من الصدمة.
“هارت!”
“سموكِ، انتظري لحظة!”
أخرجت هارت من جيبها صفّارة صغيرة بحجم كفّ اليد ونفخت فيها مرارًا.
لم يصدر عنها أي صوت يُسمع، ومع ذلك ظلّت تنفخ بإصرار، ثم التصقت بداليا من جديد.
وكأن المهاجمين كانوا ينتظرون أن يرفعن رؤوسهن، توقّف وابل السهام فجأة.
سألتها داليا بصوتٍ خافت:
“هارت، ما الذي يحدث بالضبط؟”
“يبدو أنهم يستهدفون سموكِ. لكن لا تقلقي، سيصل من ينقذنا حالًا.”
“من؟”
“جلالة الإمبراطور.”
‘الإمبراطور؟ كيف سيعرف؟‘
هل هذه الصفّارة التي لا أسمع لها صوتًا تُطلق في الحقيقة إشارة مدوّية لا أسمعها أنا وحدي؟
حاولت داليا أن تشغل نفسها بهذه الأفكار السخيفة لتكبح خوفها المتصاعد.
وفجأة دوّى صوت من بعيد:
“يا أميرة!”
تلاه وقع حوافر خيل مسرعة.
لقد جاء فعلًا.
أرادت داليا أن ترفع رأسها، لكنها لم تجرؤ خشية أن ينطلق سهم آخر في أية لحظة، فبقيت منبطحة على الأرض.
“يا أميرة، هل أُصبتِ؟”
قفز الإمبراطور من فوق جواده وهبط أمامها.
كان صوته مفعمًا بالقلق.
رفعت داليا نظرها قليلًا نحوه.
بدا وكأنه اندفع على عجل؛ خصلات شعره الأمامية السوداء كانت مبعثرة بفعل الريح، وعيناه الداكنتان تجولان عليها بقلق ظاهر.
امتلأت عيناها البنفسجيتان بصورته.
هو دائمًا من يحميها.
تلاشى الخوف من قلبها كالدخان، وحلّ مكانه شعورٌ عميق بالطمأنينة.
“أنا بخير— احذر!”
اتسعت عيناها فجأة حين رأت سهمًا ينطلق من خلفه.
لم يكن سهمًا عاديًا، بل اشتعل بطرفه لهيبٌ أحمر قانٍ.
“اللعنة.”
احتضنها الإمبراطور بسرعة وتدحرجا معًا على الأرض متفاديَين السهم.
انغرس السهم المشتعل في الأرض، وتناثرت شراراته لتبدأ النار بالاشتعال في أرجاء المكان.
“هارت! اذهبي وأحضري إيثان!”
“حاضر!”
أمرها الإمبراطور بصوتٍ صارم دون أن يخفي شيئًا.
زحفت هارت مبتعدة عن مسار السهام واختفت خلف الشجيرات.
استمر وابل السهام المشتعلة بلا انقطاع، فتمدّد الإمبراطور فوق داليا بالكامل ليحميها بجسده.
مهما بلغت مهارته كسيد سيف، لم يكن بإمكانه صدّ كل تلك السهام المتساقطة كالمطر.
لو أفلت منه سهم واحد، لأصيبت الأميرة.
كانت داليا بين ذراعيه وملامح القلق ترتسم على وجهها.
“جلالتك، هذا خطر عليك.”
“أهون عليّ من أن تكوني أنتِ في خطر.”
“لكن…”
“ألم تقولي إنكِ مسؤوليتي؟”
وبينما كان يغطيها بجسده، لوّح بسيفه عرضًا.
انطلقت هالة زرقاء حادة قطعت الأشجار القريبة.
تساقطت الجذوع أمامهما وتراكمت، مشكّلة حاجزًا دفاعيًا متينًا في لحظات.
التقط الإمبراطور أنفاسه، ثم تراجع بها قليلًا إلى الخلف.
نظرت داليا بقلق نحو الجهة التي يوجد فيها كول وآني.
رأت كول بعينين متوترتين، كأنه على وشك الاندفاع نحوها في أية لحظة.
هزّت رأسها بحزم.
‘ابقَ هناك واحمِ آني. هذا أمر.’
قرأ كول الرسالة في عينيها، فاشتدّ فكّه وهو يضغط على أسنانه ثم أومأ موافقًا.
بدأت الأشجار التي أصابتها السهام المشتعلة تشتعل أكثر، واقتربت ألسنة اللهب شيئًا فشيئًا.
لكن فجأة، هبّت ريح معاكسة أمامهم، فدفعت النار بعيدًا وأوقفت تقدمها.
رفعت داليا رأسها، فرأت في الأعلى ليمون يرفرف بجناحيه بقوة.
كان يخفق بجناحيه بكل ما أوتي من طاقة مغيرًا اتجاه الريح ليصدّ النيران.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 62"