✿ الفصل 59 ✿
كانت هذه المرأة تُربكه على الدوام، والأدهى من ذلك أنه لم يكن يفهم لماذا لا يكره هذا الشعور.
في تلك اللحظة، رفعت إليه عيناها البنفسجيتان نظرهما.
“جلالتك، أنت لا تصدّقون كلامي، أليس كذلك؟“
رفع حاجبه دون أن ينطق بكلمة.
“تبدو وكأنك تحاول كتم الابتسام الآن.”
على الرغم من أنه كان يغطي فمه بيده، فقد كُشف أمره.
“ليس صحيحًا.”
أنزل غراي يده ونظر إليها بهدوء.
“عادةً، عندما تبتسم، يبتسم فمك فقط. لكن الآن… عيناك تبتسمان أيضًا، كأنك تجد الأمر مثيرًا جدًا.”
هل كان يراها فعلًا مثيرة للاهتمام؟
“تقولين إنك ترين المستقبل، فهل تقرئين ما في داخلي أيضًا؟ هذا مدهش.”
“أنا سريعة الملاحظة جدًا.”
رفعت داليا ذقنها بثقة، وارتسمت على وجهها ملامح اعتداد بنفسها.
“سأتظاهر بأنني لم أسمع ذلك.”
“لكنك سمعته فعلًا.”
تمتمت بذلك وهي تنفخ خدّيها بضيق.
شعر غراي أن ابتسامة أخرى غير مقصودة توشك أن تظهر، فشدّ على شفتيه بقوة.
“حتى لو لم تصدّقني جلاتك، لا بأس. لكن عليك أن تكون حذر فعلًا.”
“حتى لو أُصبت في ذراعي، فلن يمنعني ذلك من الزواج. فلمَ كل هذا القلق؟“
“آه… هذا صحيح.”
تزلزلت عيناها البنفسجيتان، كمن استفاق فجأة من حلم.
لم يفُت غراي التغيّر الطارئ على تعابيرها، فظلّ يراقبها بصمت.
وبعد أن غاصت في التفكير قليلًا، هزّت رأسها.
“مع ذلك، لو أُصيب أي شخص ليس أنت فقط—فسأقلق عليه. وإذا استطعت مساعدته حتى لا يُصاب، فسأفعل.”
“أيّ شخص؟“
انخفض صوت الإمبراطور فجأة، وتقدّم نحوها خطوة واسعة.
ازدادت عيناه السوداوان عمقًا كأنهما أظلم من سماء الليل.
“نعم؟“
تراجعت داليا خطوة صغيرة مع تقلّص المسافة بينهما، لكنه اقترب منها مجددًا.
“هل ستتعلّقين بذراع أي رجل هكذا وتبدين قلقك عليه؟“
رفع ذراعها التي كانت تمسك بها وكأنه يتعمّد إظهارها.
“ماذا؟ ذ…ذلك…”
تحت وطأة نظرته السوداء التي أحكمت حصارها، أخذت داليا تتراجع دون وعي حتى اصطدم ظهرها بالشجرة.
رفعت إليه عينيها المرتجفتين.
‘لماذا يتصرّف هكذا فجأة؟‘
“لماذا لا تستطيعين الإجابة؟“
وضع الإمبراطور يده على جذع الشجرة وانحنى قليلًا، فبات وجهه الوسيم قريبًا جدًا.
هزّت داليا رأسها بسرعة وملامح الذهول بادية عليها.
“لا، لا! ليس الأمر كذلك!”
عندها فقط ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه.
ومع ذلك… كان قريبًا جدًا.
“جلالتك، لو تبتعد قليلًا…”
“ولماذا؟“
سألها وهو يحدّق فيها بعمق.
“لأن الناس قد يسيئون الفهم إن بقينا هكذا.”
“يسيئون الفهم؟“
رنّ صوته العميق في أذنها، فارتجفت كتفاها لا إراديًا.
هل هو فعلًا لا يدرك؟ هذا الوضع… رأته كثيرًا في الروايات. وبعده عادةً…
“جلالتك، أعتذر بشدة عن مقاطعتي، لكن موعد الاجتماع التالي قد حان.”
تدخّل أوريون بصوت حزين للغاية.
أشرقت ملامح داليا فورًا، وانسلّت بسرعة من القفص الذي حاصرها فيه.
“جلالتك! انتبه لنفسك!”
وبينما كانت تلوّح بكلمات أشبه بتهديد الأشرار وتبتعد، أطلق غراي ضحكة خفيفة ثم استدار لينظر إلى أوريون.
كان أوريون ينظر إليه بنظرة تقول بوضوح إنه لم يكن يرغب حقًا في المقاطعة.
تجاهله غراي وتوجّه بخطوات ثابتة نحو قاعة الاجتماع.
* * *
في ساعة متأخرة من الليل، عند أطراف القصر الإمبراطوري، كانت هناك قرية صغيرة.
تجمّع في منزل قديم مهجور أُغلقت جميع نوافذه بالألواح الخشبية أشخاص يرتدون السواد.
فُتح الباب بعد قليل ودخل رجل يخفي وجهه بقناع أسود.
“لقد وصلت يا جلالتك.”
أنزل إيثان القناع قليلًا وانحنى تحيةً.
أومأ غراي بعينيه ردًّا على التحية، ثم جلس على كرسي خشبي مهترئ.
“نرفع إلى جلالتكم تقرير الوضع حتى الآن. وفقًا لنتائج الاستطلاع الذي أجرته كتيبة الحرس الإمبراطوري، عُثر في الحي الثامن على جلدٍ متسلّخ لوحش.”
“والمكان الذي وُجد فيه هو هنا، أليس كذلك؟ أحضروا الجلد.”
لم يكن يُعرف نوع ذلك الوحش، لكن من الواضح أنه كان قد تبدّل جلده. [ يعني نزع جلده وتحول لشي ثاني ]
هل يعني ذلك أنه يزداد حجمًا؟ أم أنه اكتسب قدرات أخرى غير الطيران؟
سرعان ما جاء فارسان يحملان الجلد.
كان الجلد يشبه جلد حيوان، تتناثر عليه خصل من الشعر هنا وهناك، وكان ضخمًا وثقيلًا إلى درجة أن رجلين قويين كانا بالكاد يحملانه.
والرائحة النتنة النفّاذة تدل على أن زمنًا قصيرًا فقط مضى على عملية الانسلاخ، إذ لا يزال يحتفظ بدفء خافت.
تصلّب وجه غراي.
إذا لم يمضِ وقت طويل على انسلاخه، فمن المحتمل أن يكون الوحش قريبًا.
وبينما كان على وشك إصدار أوامر بالحذر، دوّى صراخ من بعيد.
كانت أصوات فرسان الدورية.
“اااه!”
“اااااه!”
أسرع إيثان ليقف أمام غراي ويحميه وهو يراقب محيط المكان.
“احموا جلالته جميعًا!”
“الوحش ليس بعيدًا. سنقضي عليه أولًا. ثم ادخلوا جميعًا إلى الداخل. إنه غير مرئي والخارج مكشوف من كل الجهات وخطير.”
أزاح غراي إيثان قليلًا وأصدر أوامره وهو يحافظ على مجال رؤيته.
“ادخلوا جميعًا.”
وبأمر إيثان، دخل فرسان الحرس الذين كانوا يطوّقون المنزل وقد علت وجوههم ملامح التوتر.
“قفوا وظهوركم إلى الجدران.”
أخرج الفرسان سيوفهم ونفّذوا أمر الإمبراطور.
الآن لم يعد عليهم سوى الحذر مما أمامهم وفوقهم.
“استعدّوا بالماء المقدّس.”
جاء أمر إيثان التالي.
في اللحظة التي أمسك فيها الفرسان بالسيوف في يد، وقوارير الماء المقدّس في الأخرى، دوّى صوت هائل.
بوووم!
انهار جانب من السقف الخشبي مع ضجيج يصمّ الآذان.
“إنه هو! اسكبوا الماء المقدّس!”
رشّ الفرسان الماء المقدّس دفعة واحدة في الهواء.
كووواااا.
ظهر جلد الوحش الأسود جزئيًا.
“هناك!”
ألقى الجميع الماء المقدّس نحو ذلك الموضع، وأخيرًا تكشّفت هيئة الوحش الحقيقية.
أجنحة صغيرة مكوّنة من غشاء كالخفافيش، وجسم يشبه القرد، وفم مشقوق على نحو مروّع يحتل نصف وجهه تعلوه أسنان حادّة بارزة.
أما عيونه الثلاث الحمراء فكانت تحدّق في الجهات المختلفة دفعة واحدة.
في تلك اللحظة، أمسك الوحش بجلده المتسلّخ الموضوع على الأرض وبدأ يمضغه بأسنانه.
كان الفرق شاسعًا بين مشاهدته عبر كرة الرصد ورؤيته وجهًا لوجه؛ فالرهبة التي يبثها على أرض الواقع كانت مختلفة تمامًا.
بدت علامات الخوف على وجوه بعض الفرسان.
أطلق غراي على الفور هالة زرقاء نحو الوحش.
لكن جلده كان في غاية الصلابة، فرغم أن الهالة قادرة على شقّ الصخور، لم تُخلّف فيه سوى خدوش سطحية متقاطعة.
لم يكن القضاء عليه بهالة عادية أمرًا سهلًا.
سكب غراي الماء المقدّس على سيفه، ثم لفّ النصل بهالة زرقاء متوهجة.
“إيثان، استهدف الأجنحة أولًا.”
“نعم!”
سكب إيثان هو الآخر الماء المقدّس على سيفه، وأحاطه بهالة بيضاء.
قفز غراي وإيثان في آنٍ واحد وركّزا هجومهما على أجنحة الوحش.
حاول الوحش الإفلات وهو يمضغ جلده، لكنه لم يستطع تفادي ضربة غراي.
سقط أحد جناحيه على الأرض، فأطلق الوحش صرخة مرعبة واندفع نحوهما.
كوكاااا!
بدأ الوحش يلوّح بمخالبه الحادة بجنون.
تشااانغ! تشااانغ!
كانت مخالبه قوية إلى حدّ أن السيوف اهتزّت بعنف عند الاصطدام بها.
“إيثان! اجذب انتباهه.”
“حسنًا! إلى هناااا!”
وقد فهم إيثان قصد الإمبراطور، فتعمد إطلاق صيحات صاخبة، وانضم إليه الفرسان برفع أصواتهم.
نظر الوحش إلى السقف المهدّم وكأنه يبحث عن طريق للهروب.
“إلى أين تظن نفسك ذاهبًا!”
هاجم إيثان بطن الوحش بسيفه المغمور بالماء المقدّس.
أضاءت عيون الوحش الحمراء وهو يحدّق بإيثان بعدما أُصيب في بطنه.
في تلك الأثناء، كان غراي قد التفّ بصمت إلى خلف الوحش وسكب الماء المقدّس على جسده بالكامل.
حتى لو جفّ جلد الوحش، فإن أي تماسّ معه سيكشف موقعه الآن.
وبينما كان الفرسان يشغلونه، قفز غراي فوق جسده وغرس سيفه مباشرة في عنقه.
كوكاااا!
صرخ الوحش صرخة ألم وهو يهتز محاولًا طرح السيف أرضًا.
سحب غراي سيفه بسرعة، ثم صبّ الماء المقدّس في الثقب الذي أحدثه النصل.
كوكااااااا!
تشنّج الوحش بعنف ثم انهار على جانبه.
في الإمبراطورية المقدّسة كانوا ينوون أسر هذا الكائن، لكن غراي كان قد قرّر منذ البداية القضاء عليه.
تحرّك الوحش حركة أخيرة متشنّجة، ثم ارتطم رأسه بالأرض وسكن تمامًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 59"