عادَت داليا إلى قصر كريستال على متن العربة التي أحضرها أوريون متأخرًا.
وما إن رأت آني وكول واقفَين عند المدخل حتى لوّحت لهما بفرح، لكنها اتّسعت عيناها فجأة حين وقعت نظراتها على كول.
كان كول يحمل كدمة على أحد جانبي وجهه، ومعصمه ملفوفًا بضماد.
“كول! ما الذي حدث لك؟ لماذا أنت مصاب هكذا؟“
تفحّصها بنظرة قاتمة، وكأنه يتأكد من سلامتها.
“هل أنتِ بخير آنستي ليا؟“
“أنا بخير بفضل جلالته، لكنك أنت…”
دوّى صوت ارتطام خافت، إذ جثا كول على ركبتيه، وأخفض رأسه ذي الشعر البني بعمق.
“لقد أفلتُّ آنستي ليا من يدي. أعتذر. سأتنحّى عن مهمّة حراستك.”
“ماذا؟ ما الذي تقوله؟“
نظرت إليه داليا بوجهٍ مصدوم، فيما تقدّمت آني التي كانت تقف إلى جانبه، وتفحّصت داليا بعناية قبل أن تجيب بدلًا عنه:
“منذ قليل وهو يكرّر هذا الكلام فقط.”
“كان يجب أن أحميك.”
امتلأ صوته بإحساسٍ ثقيل بالذنب، فحدّقت به داليا بنظرة متألّمة.
“لكن الحصان هو الذي تصرّف بغرابة.”
في تلك اللحظة، اقترب رايان الذي كان يقف على مسافة خطوة منهما، وقد ارتسمت الجدية على وجهه.
“هل أنتِ بخير؟“
“نعم، أنا بخير.”
تقدّم غراي من الخلف بعد أن كان يراقب الموقف بصمت.
“كلكم تبذلون جهدكم، وأنا أعلم بذلك. كما أنني أعرف بالفعل أنها أميرة.”
اتّسعت عينا رايان وآني من الدهشة، ورفع كول رأسه بسرعة بعدما كان مطأطئًا.
“هل انكشف الأمر؟“
اقتربت آني من داليا وهمست:
“يبدو أنه كان يعرف أصلًا.”
“كونت هيردلان، دعنا نتحدّث قليلًا.”
“نعم.”
أخفى رايان ارتباكه بسرعة.
“الجميع.”
بكلمة واحدة من غراي، تبعوه جميعًا في صمت.
وصلوا إلى غرفة الاستقبال، فجلس غراي وداليا وحدهما، بينما وقف الآخرون إلى جانب الجدران.
“سأعتذر عن هذه الحادثة. ما دام الأمر وقع داخل القصر الإمبراطوري، فسأتولّى أنا معالجته.”
“لا يمكن أن يكون ذلك. لا بدّ من كشف هوية من حاول إيذاء الأميرة. سنتولّى نحن هذا الأمر.”
قال رايان ذاك بوجهٍ متصلّب.
فقد كانت أميرة من دولة أخرى على وشك أن تُصاب بأذى جسيم، بل جرى الأمر على هيئة حادث مدبّر.
وكان لا بدّ لهم أن يكشفوا الجاني بأيديهم.
“سنشكّل فريق تحقيق مشترك.”
قال غراي ذلك بحسمٍ لا يقبل المزيد من النقاش.
نظر رايان إلى داليا، فأومأت له برأسها موافقة.
“وأما مسألة خداعي…”
تشنّجت ملامح جميع من في غرفة الاستقبال وهم يحدّقون بالإمبراطور.
“فسأتجاوز عنها، ما دامت الأميرة قد تعرّضت للخطر داخل القصر الإمبراطوري.”
تنفّست داليا الصعداء، كما هبطت كتفا رايان المشدودتان أخيرًا.
فخداع الإمبراطور كان أمرًا بالغ الخطورة، وقد كان من الممكن أن يتسبّب في نزاعٍ بين الدول.
وتجاوزه عن ذلك كان تنازلًا كبيرًا.
طَق طَق.
في تلك اللحظة، فُتح الباب على صوت طرق، ودخل أوريون.
“جلالتك.”
“نعم. ماذا عن السائس؟“
“انتحر في غرفته.”
تلاقت نظرات غراي وأوريون في الهواء، وتبادلا حديثًا صامتًا.
‘انتحارٌ آخر؟‘
‘نعم.’
“هل فحصتم الخيل؟“
“الحصان الأبيض سقط من الجرف، وما زلنا نبحث عنه، لذا نحقق حاليًا مع الحصان الأسود. وقد وُجد في غرفة السائس عشبٌ سامّ للخيل. لا يظهر له تأثير عند تناوله أول مرة، لكن مع مرور الوقت يُسبّب هلوسة.”
التقت عينا داليا بعيني كول الواقف خلفها، وقد بدت عليها الدهشة.
‘تلك الجذور!’
كانت قد رأت السائس يطعم الخيل جذورًا بيضاء قبل انطلاقهما مباشرة.
ساد الصمت غرفة الاستقبال، وكلّ واحد غارق في أفكاره.
وكانت آني على غير المتوقع أول من كسر هذا الصمت.
“سموّ الأميرة، يجب أن نغادر فورًا. انتحار السائس يعني أن الشخص الذي يحرّك الخيوط من الخلف خطير للغاية.”
أومأ رايان برأسه موافقًا على كلامها، ثم أضاف:
“وأنا أؤيد رأي آني. البقاء حتى موعد عيد التأسيس أمرٌ في غاية الخطورة.”
وافق كول أيضًا بصمت.
نظرت داليا إليهم بنظرة حائرة.
لم تفهم لماذا تعرّضت فجأة لهذا الهجوم أصلًا.
كانت مثقلة أصلًا بالقلق من مسألة نهاية العالم، فما بالك بهذا الموقف الجديد.
ومع ذلك، فإن عودتها الآن وفق رغبتهم تعني استحالة إيقاف نهاية العالم.
رفعت داليا بصرها وهي غارقة في التفكير إلى الإمبراطور الجالس قبالتها.
‘لا بدّ من تزويج هذا الرجل في أقرب وقت ممكن.’
“جلالتك، أعذرني في هذا الظرف، لكن…”
تحدثت داليا بحذر.
“ماذا؟“
“هل لديك لعلّك نية للزواج قريبًا؟“
“بُفتت.”
لم يتمكّن أوريون من كتم ضحكته أمام سؤال الأميرة الذي حطم جدية الموقف، فسارع إلى تغطية فمه.
حدّق غراي في الأميرة بنظرة مذهولة.
كاد يتساءل كيف يعمل عقل هذه المرأة أصلًا.
“هذا في غير محلّه فعلًا.”
“سموّ الأميرة!!”
رفعت آني صوتها بضيق.
ففي مثل هذا الموقف، ما زالت الأميرة تسأل عن زواج الإمبراطور.
لكن رغم نظرات آني المستعجلة، بدت داليا غارقة في تفكير عميق.
“ما دمتِ داخل القصر الإمبراطوري، فأنتِ تحت مسؤوليتي. ولن أسمح بأن تُصابِي بأذى مرة أخرى.”
قال غراي ذلك ببطء، فتوجّهت أنظار الجميع إليه.
“وكيف؟“
ارتفع صوت آني بحدّة.
“آني!”
نادى رايان عليها بنبرة توبيخ.
وفي تلك اللحظة، فتحت داليا فمها قبل الإمبراطور، وقد بدت وكأنها أنهت تفكيرها.
“سأكشف الأمر بنفسي. سأعلن أنني في الحقيقة أميرة، وأنني تنكّرت لفترة قصيرة لأن البقاء في القصر الملحق كان خانقًا، فأردت أن أرى العالم.”
“إذا أُعلن عن هوية سموّ الأميرة، فسيصبح الشخص الذي هدّدها في موقف حرج بلا شك.”
قال رايان ذلك مؤيدًا، وكان أول من عبّر عن رأيه.
“صحيح. فمهاجمة أميرة من مملكة فويفرن مباشرة أمرٌ يثقل كاهل أيّ شخص. أعلم أنني أقول هذا بنفسي، لكن مملكتنا غنية، أليس كذلك؟“
فإذا كانت لوسيفون تشتهر بفنون السيف، وكيزيا بالسحر، وإمبراطورية هالين المقدّسة بالقوة الإلهية، فإن مملكة فويفرن المحاطة بتلك القوى الثلاث، كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك الكريستال، ما منحها ثروة هائلة ودعمًا ماليًا لا يُضاهى.
ولهذا السبب نفسه، ورغم أطماع الإمبراطوريات الثلاث فيها، لم تستطع أيٌّ منها الاستحواذ عليها، إذ كانت كلّ واحدة تراقب الأخرى.
“سأعتبر أنني كنت أعلم بالأمر منذ البداية.”
تدخّل غراي الذي كان يستمع بصمت.
فإذا أُعلن أن الإمبراطور أخفى هوية الأميرة عمدًا حمايةً لها، فلن تنشأ أيّ مشكلة بين الدول.
“صحيح. وربما يسيئون الظنّ، ويعتقدون أنني أطمح للزواج من الإمبراطور.”
أومأت داليا موافقة.
وعند كلمة ‘يسيئون الظن‘، لاحظ أوريون وحده ارتفاع أحد حاجبي غراي قليلًا.
“ماذا لو اخترعنا خطيبًا وهميًا؟“
طرحت داليا فكرة جديدة، فغرق رايان وآني في تفكير عميق.
وفي تلك الأثناء، بدأت ملامح الإمبراطور تزداد برودة، فسارع أوريون إلى التدخل بابتسامة ودودة.
“سيكون من الصعب إيجاد خطيب على الفور. وبما أن العلاقة بين سموّ الأميرة وسموّ الأميرة فيفيانا وطيدة، وكان بينكما تبادل للرسائل، فما رأيكم في أن يُقال إنكما قررتما اللقاء هذه المرة؟“
“همم، لا أظن أن ذلك كافٍ. ما رأيكم أن نُشيع ببساطة أنني لا أفكّر في الزواج، وأنني سأتوجّه إلى أحد الأديرة؟” [ دير ]
ومع كل اقتراح جديد من الأميرة، كان الإمبراطور يسند ظهره إلى المقعد أكثر، ويرسم على شفتيه ابتسامة مشرقة، كأنه يشجّعها على الاسترسال.
غير أن الشخص الوحيد الذي لاحظ برودة نظراته المتزايدة كان أوريون وحده.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 53"