من الواضح أنها كانت شابة نبيلة أنهت لتوّها حفل ظهورها الأول، بدليل استخدامها أسلوبًا تقليديًا كهذا.
“أوه، يبدو أنني دسته دون أن أنتبه.”
داس غراي المنديل بحذائه ودعكه، ثم نظر إلى الشابة بابتسامة توحي بالأسف.
“ل–لا بأس! لديّ غيره.”
تراجعت الشابة على عجل وقد خارت قواها أمام نظرته الباردة.
لم يقطع سوى بضع خطوات حتى اقتربت منه شابة أخرى تمسك برأسها وكأنها توشك أن تسقط، محاولة الاتكاء عليه.
كانت قد حسبت التوقيت بدقة، لكن في اللحظة التي انهارت فيها، تراجع غراي خطوة إلى الخلف.
فسقطت الشابة أرضًا أمامه مباشرةً سقوطًا مدويًا.
“هل أصابكِ أذى يا آنسة؟“
مدّت الشابة وقد احمرّ وجهها يدها عند سماع كلماته، لكن غراي تظاهر بعدم رؤيتها ومضى في طريقه.
بعدها بقليل، ظهرت شابة أخرى تمشي بتثاقل، تحمل فنجانًا ممتلئًا بالشاي وكأنها على وشك أن تسكبه.
‘هذه المرة… الشاي؟‘
“آه!”
تظاهرت بالعثر أمامه مباشرةً وأسقطت الفنجان.
في لحظة، سحب غراي مفرش الطاولة الأبيض بسرعة وحال دون وقوع الكارثة.
“ياله من أمر… لقد تلطخ مفرش الطاولة بالشاي. بدّلوه.”
“نعم.”
أخذ الخادم المفرش من يده مسرعًا.
وفي تلك الأثناء، لاحظ غراي شابة أخرى تستعد للاقتراب بأسلوب جديد.
أخفى شعوره بالاشمئزاز، وارتسمت على وجهه ابتسامة مشرقة.
* * *
انفرجت شفتا داليا وهي تراقب معركة الكرّ والفرّ بين الإمبراطور والنبيلات.
“إلى هذه الدرجة؟ هذا ليس طبيعيًا، هذا مرض! مرض اسمه لا تقتربن أيتها النساء!”
“هممم… إذن تكفيه إمبراطورة واحدة.”
ما إن قالت تيارا ذلك حتى عادت نظرة آني حادة من جديد.
أما داليا، فكانت حقًا في غاية الجدية.
كانت تعلم أن الإمبراطور ينفر من النساء، لكنها لم تتوقع أن يرفضهن إلى هذا الحد.
بل إنه جعل من المستحيل على أي امرأة أن تقترب منه أكثر من مسافة معينة.
كان زواج الإمبراطور يبتعد أكثر فأكثر.
لا، لا يجوز!
في تلك اللحظة، تقدّمت الآنسة يوفْرون نحو الإمبراطور بابتسامة واثقة.
“مولاي، يشرفني أن أحييك بعد طول غياب.”
حيّته بنبرة ودودة.
“نعم.”
لكن الإمبراطور مرّ بجانبها مبتسمًا ابتسامة مصطنعة دون أن يتوقف.
عندها أغمضت داليا عينيها بقوة.
‘حتى هذه الشابة الجميلة يتجاهلها هكذا؟‘
هل عيناه معلقتان في السماء؟ ألا ينوي الزواج أصلًا؟!
“حتى الجمال لا ينفع…”
تمتمت داليا بأسى، فنظرت إليها تيارا باستغراب.
“ألم تكوني هنا لاستهداف الإمبراطور غراي؟“
“أنا؟ أبدًا.”
أجابت داليا بلا أي إحساس، فقد سئمت هذا السؤال.
“إذن لماذا تكذبين وتوجدين هنا؟“
أمام تصريح الأميرة الصريح، حدّقت داليا فيها بارتباك.
من ثقتها الواضحة، بدا أنها تعرف حقيقتها تمامًا.
“إذن، هل سموّ الأميرة تهدف إلى الإمبراطور غراي؟“
“طبعًا. سأصبح إمبراطورة هذه الإمبراطورية. في بلادي أخي الأكبر… غبي بعضلاته، ولذلك لا أستطيع أن أصبح إمبراطورة. إذن، أليس من الأفضل أن أرتقي إلى أعلى منصب ممكن بعد ذلك؟“
قالت تيارا ذلك بعينين واثقتين، فتألقت عينا داليا وهي تنظر إليها.
والحق أن الأميرة التي أمامها كانت امرأة فاتنة الجمال.
وهذه الثقة! لو تم اتحاد إمبراطورية لوسيفون مع إمبراطورية كيزيا، لكان ذلك نافعًا حتى للسلام العالمي.
شدّت داليا قبضتها على اليد التي ما زالت تمسكها.
“رائع! سأشجعكِ يا صاحبة السمو!”
بدا أن كلمات التشجيع راقت للأميرة، فارتفع طرف فمها قليلًا.
“حسنًا. من أجلكِ، قد أسمح لكِ بمنصب الإمبراطورة القرينة.”
مع الصوت العميق الذي دوّى قرب أذنها، استدارت لتجد الإمبراطور يقف خلفها دون أن تشعر.
كانت مختبئة في زاوية، فكيف عرف مكانها؟
“جئتَ؟“
لم يجب، بل أشار بعينيه إلى يدها.
فرفعت تيارا يدها المتشابكة مع يد داليا عمدًا وكأنها تستفزه.
“سعيد بلقائك مجددًا يا جلالة الإمبراطور. ما زلتَ جميلًا كعهدنك.”
“وأنا كذلك أراكِ كما كنتِ… لا تزالين ترغبين في امتلاك كل ما تراه عيناكِ جميلًا.”
قال الإمبراطور ذلك بابتسامة على شفتيه، لكن نظرته نحو الأميرة كانت ممتزجة بالانزعاج.
اتسعت عينا داليا بدهشة وهي تنظر إلى المشهد بين الاثنين.
لا، لحظة… كانت تشجّعها قبل قليل، فلماذا يبدو الجو بينهما الآن مشحونًا إلى هذا الحد؟
“أتنوي الاستمرار في الإمساك بتلك اليد؟“
“أنا لا أستطيع مقاومة الأشياء الجميلة حين أراها.”
اهتزّت حدقتا داليا وكأن زلزالًا ضربهما.
مهلاً… هل كان المقصود بذلك “الشيء الجميل” هو هي؟
“همف. ها هو ذا ذاك الأحمق مفتول العضلات الذي لا يقوى على مقاومة الجمال قادم من هناك.” [ تقصد اخوها ]
قالت تيارا ذلك بنبرة أسف، ثم تركت يد داليا وتقدّمت خطوة إلى الأمام وكأنها تحجبها.
وبدوره عقد الإمبراطور حاجبيه قليلًا ووقف من الجهة الأخرى ليغطي داليا.
حتى آني تقدّمت لتسدّ أي فراغ بحيث لا تُرى داليا.
أُحيطت داليا فجأة بثلاثة أشخاص، فنظرت إلى ظهورهم الواحد تلو الآخر بوجه يملؤه الذهول.
“تيارا.”
“وما الذي جاء بك إلى هنا يا أخي؟“
نظرت إليه تيارا بعينين غير راضيتين.
“سمعت أن الجميلات سيجتمعن هنا اليوم، فجئت لأتأمل. ويبدو أن جلالة الإمبراطور حاضر أيضًا. أنت أجمل مما كنت عليه حين تشرفت بلقائك في قاعة المثول أمس. تزداد جمالًا يومًا بعد يوم، وكان ينبغي لي أن آتي باكرًا. عندها كنت سأحظى برؤية هذا الجمال أكثر.”
التعليقات لهذا الفصل " 50"