أدارت تيارا ظهرها بنظرةٍ تدلّ على الملل وعدم الرغبة في الاستمرار، لكنها ما لبثت أن اتّسعت عيناها فجأة.
“…..!”
متجاهلةً ضجيج يوفْرون خلفها، حدّقت تيارا باهتمام في امرأةٍ كانت تُطلّ برأسها فقط من خلف شجرةٍ كبيرة.
تقلّص اتّساع عينيها تدريجيًا، وضاق نظرها بتمعّن.
* * *
وفي تلك الأثناء، وجدت داليا التي تلاقت عيناها فجأةً مع عيني الأميرة تيارا نفسها في موقفٍ محرج.
أهي مواجهة نظراتٍ جديدة؟ لماذا كل من يراها يفتعل معها مبارزة عيون؟
قررت هذه المرة أن تتفادى الأمر، فحوّلت نظرها نحو آني.
لم تعد تحتمل مزيدًا من الضجيج.
لكن عيني آني كانتا تتّسعان شيئًا فشيئًا.
“ما الأمر؟ ماذا—”
“أنتِ… ماذا تفعلين هنا؟“
كان صوت تيارا البارد قد انساب فجأةً من خلفها.
استدارت داليا بعينين كعيني أرنبٍ مذعور.
“هل تعرفينني؟“
“هاه، أتظنين أنني لن أعرفك؟ دال—”
“يا إلهي!”
أسقطت داليا عمدًا فنجان الشاي عن الطاولة على الأرض.
رفعت تيارا حاجبها وقد قُطع كلامها على حين غرّة.
“أعتذر يا صاحبة السموّ. تصرّفتُ بطيشٍ أمامكِ. اسمي ليا هيردلان. يبدو أنكِ خلطتِ بيني وبين شخصٍ آخر.”
أومأت تيارا برأسها وقد ارتسم على وجهها تعبير تفكيرٍ عميق.
“فهمتُ. ستتظاهرين إذن بأنكِ شخصٌ مزيّف؟“
اتّسعت عينا داليا إلى أقصاهما.
‘هل سمع أحدٌ هذا الكلام؟‘
أسرعت بمسح المكان بنظرها، ولحسن الحظ لم يكن أحدٌ يهتمّ بهما.
“ليس الأمر كذلك—”
“تعاوني معي.”
حدّقت داليا في الأميرة بوجهٍ مذهول.
“ولماذا أُجبر على التعا— آه.”
كانت على وشك السؤال، حينها وطئت آني طرف حذائها بخفّة دون أن تؤلمها.
عندها فقط أدركت داليا زلّتها، فأطلقت ضحكةً متكلفة.
تحوّل نظر تيارا البارد هذه المرة نحو آني.
تفحّصتها من أعلى إلى أسفل، ثم عقدت حاجبيها الرقيقين قليلًا.
“ما زلتِ تلازمينها إذن.”
“ذاكرتكِ قويّة يا صاحبة السموّ.”
“بل ذاكرة سيّدتكِ هي الرديئة.”
“سيّدتي لا تهتمّ بحفظ الأمور التافهة.”
تطاير الشرر من عيني الاثنتين وهما تتبادلان الكلمات دون أي تراجع.
انكمشت كتفي داليا العالقة بينهما بلا وعي.
مخيفتان… الاثنتان مخيفتان.
“والآن، أطلقي يد ليا.”
هاه؟ اليد؟
لم تنتبه داليا إلا في تلك اللحظة إلى أن يدها كانت ممسوكة بيد الأميرة.
متى حدث ذلك؟
وحين حاولت سحبها، شدّت تيارا قبضتها بإحكام.
“أما زلتِ لم تتخلّصي من هذه العادة؟“
تنهدت آني بعمق وهي تنظر إلى المشهد.
“آني، هل تعرفين صاحبة السموّ؟“
سألت داليا بعينين مليئتين بالحيرة.
كانت آني ملازمةً لها منذ الطفولة، كأنهما جسدٌ واحد.
ومن غير المعقول أنها زارت إمبراطورية كيزيا من قبل، فكيف تبدوان كأنهما على معرفةٍ وثيقة؟
هل التقَت بها خلال الفترة التي فقدت فيها ذاكرتها؟
“إنها لا تقاوم رؤية الأشياء الجميلة.” ( تقصد تيارا )
قالت آني ذلك وهي تحدّق في داليا مباشرة، فمالت داليا برأسها باستغراب.
‘وما علاقة الجمال بيدي إذن؟‘
“إذًا، اسمكِ ليا هيردلان يا آنسة؟“
“…نعم.”
شعرت داليا بأن الأميرة قد تعرفت على هويتها الحقيقية، لكنها قررت الاستمرار في كذبتها مؤقتًا.
أمعنت الأميرة تيارا النظر فيها من أعلى إلى أسفل، ثم أومأت برأسها بمفردها.
“همم، حسنًا. إذا كنتِ أنتِ، فلا بأس بأن أمنحكِ مكانة الإمبراطورة. حينها سنلتقي كثيرًا.” [؟؟؟؟]
توقفت داليا لاحظة، لم تفهم ما قصدته الأميرة.
هل كانت تتحدث عن إمبراطورة هذه الإمبراطورية؟
“سموّكِ، ألا تفرطين في الكلام الجارح؟“
“أنتِ مجرد نبيلة، فكيف تجرؤين على التجسس عليّ بهذه الوقاحة؟“
تبادل الطرفان النظرات الحادة مرة أخرى، واشتعلت موجةٌ ثانية من الصراع بينهما.
تمنّت داليا لو أن أحدًا يخلصها من هذا الموقف، فهي عالقة بين نظراتهما القاسية، وتحسّ جسمها بالذبول تحت وطأة التوتر.
في تلك اللحظة، نهضت السيدة الماركيزة من مكانها.
“أتوجّه بالشكر إلى صاحبة السموّ الأميرة من كيزيا، وإلى نبيلات البلدان الأخرى، وإلى جميلات الإمبراطورية اللواتي أشرقت عليكنّ اليوم بحضوركنّ. لقد اجتمعنا اليوم على ما تعشقه الفتيات أكثر من سواه، فأتمنى لكنّ قضاء وقتٍ ممتع.”
رفعت الماركيزة رأسها بأناقة، وهي تحدق نحو مدخل الحديقة.
“ها هو الإمبراطور يصل.”
أعلن الخادم بصوتٍ عالٍ من عند المدخل، فعلى الفور ارتسمت البهجة على وجوه النبيلات، وتحرّكت كل منهنّ لتفقد فساتينها بعجلة.
وفي تلك اللحظة، دخل الإمبراطور غراي الحديقة مرتديًا زيّه الرسمي مرتسمًا على وجهه ابتسامة كأنها لوحة فنية.
أجهدن النبيلات أنفسهنّ كي لا يصرخن أمام جمال الإمبراطور الأخّاذ.
التعليقات لهذا الفصل " 49"