✿ الفصل 39 ✿
حوّل غراي نظره إلى الساعة الرملية.
وكما تنساب حبات الرمل بسرعة، كان زمنه هو الآخر يوشك على الانتهاء بلا حول ولا قوة.
كيف له أن يحاول معالجة الأمر باندفاع أعمى دون أن يفكّر أصلًا في سبب رغبته في توريث العرش للأميرة؟
عاد نظر غراي ليستقر على داين.
كانت تشدّ على جسدها الذي يكاد ينهار وتحاول الصمود، لكنها بدت واهنة كشمعة توشك أن تنطفئ مع أول هبّة ريح.
ماذا لو أخبرها أنه محكوم عليه بالموت؟
ماذا لو جعلها تدرك كم كان اختيارها تصرّفًا أحمق؟
حينها، كانت ستموت نادمة على قرارها.
“أنتِ من الديك. وجودك هو أن تطيعي أوامري، لا أن تفكّري.”
“…….”
انخفض بصرها إلى الأرض وارتجفت كتفاها بعنف.
“لن أسامحك.”
كان ذلك كل ما استطاع قوله.
لقد اختارت، ونتيجة ذلك الاختيار كانت الموت.
حاولت داين أن ترسم ابتسامة على وجهها عند سماع كلمات الإمبراطور الباردة الأخيرة، لكن عضلات وجهها بدت وكأنها قد شُلّت، فلم ترتفع زاوية فمها.
لم تكن لتجرؤ أصلًا على أن تطلب عفو الإمبراطور.
ومع ذلك، لم تندم على خيارها.
فمالك هذه الإمبراطورية ليس سوى الإمبراطور غراي وحده، وكان يجب أن تنعم البلاد بالسلام والازدهار إلى الأبد تحت قدميه.
بدأ بصرها يتشوّش شيئًا فشيئًا.
حاولت أن تهزّ رأسها بعنف لتستعيد وعيها، لكن جسدها لم يعد يستجيب كما أرادت.
ومال جسد داين ببطء إلى الجانب.
ارتطام.
أرادت فقط أن تملأ عينيها بالإمبراطور مرة أخيرة.
‘آه…’
وهناك أمر آخر يجب أن تقوله.
‘سيلفيا… تلك التي خلفها…’
استقبلت داين الموت وعيناها مفتوحتان على اتساعهما.
راقب غراي المشهد بصمت، ثم هزّ الجرس الموضوع على المكتب.
كان صوتًا لا يسمعه سوى أفراد الديك.
وبعد قليل، فُتح الباب ودخل أوريون.
وبمجرّد أن وقعت عيناه على ما في الغرفة، أنهى تقييم الموقف بسرعة وقطّب حاجبيه.
“إذًا… لقد خانت.”
وقد زال ما كان في ملامحه من مرح، فنظر ببرود إلى داين التي لفظت دمها وماتت.
“أعد التحقيق بدقّة في جميع التقارير التي قدّمتها داين حتى الآن.”
“نعم. أمتثل للأمر.”
خلع أوريون سترته وغطّى بها وجه داين، ثم حمل جسدها بين ذراعيه.
وبصفته قائد الديك، كان مؤلمًا أن يشهد خيانة أحد مرؤوسيه بعينيه، لكنه لم يستطع إظهار ذلك أمام الإمبراطور.
بعد خروجه من غرفة الإمبراطور، شدّ أوريون على أسنانه ومشى ببطء.
انزلقت السترة قليلًا، فكشفت عن عينيها المفتوحتين.
أغلق لها الجفنين بملامح حزينة.
“يا لكِ من حمقاء.”
* * *
كانت داليا تحتسي الشاي مع آني في غرفتها، حينها وضعت فنجانها على الطاولة بصوت طَرق.
“أظنني كنت مجنونة بالأمس. أنا… ضربتُ شخصًا.”
“أنتِ تضربين أحيانًا.”
وبما أن الوقت كان صباحًا وقد يسمعهما أحد، عادت آني للكلام بأسلوب غير رسمي.
رفعت إبريق الشاي وسكبت المزيد في فنجان داليا.
“متى فعلتُ ذلك؟“
وبينما كانت داليا تعقد ملامحها احتجاجًا، قُطع الحديث بصوت طرق على الباب.
طَق طَق.
وبعد لحظات، فتحت هارت الباب ودخلت بهدوء.
“صباح الخير يا آنستي.”
“صباح الخير. ما الأمر؟“
نظرت داليا إلى فنجان الشاي الذي كاد يفيض، فتراجعت عن حمله وسألتها.
“تم نقلي مؤقتًا إلى القصر الرئيسي. قالوا إن هناك نقصًا في الأيدي العاملة، ويبدو أن الأمر سيستغرق بضعة أيام.”
“حقًا؟ هذا مناسب. هل يمكنك أن تسلّمي هذا إلى رئيس الخدم؟“
ناولتها داليا رسالة كانت قد كتبتها مسبقًا في الليلة الماضية.
“نعم. لكن إن اشتقتِ إليّ فلا تبكي يا آنستي!”
أخذت هارت الرسالة وتظاهرت بالبكاء فوضعت منديلًا على عينيها الجافتين.
ابتسمت داليا ببراءة أمام مبالغتها.
“حسنًا. لا تقلقي. لن أبكي.”
“انظري. حتى كلامكِ ضرب.”
تمتمت آني بصوت منخفض.
مالت داليا برأسها باستغراب.
“ماذا؟“
أشارت آني بذقنها إلى الجانب، فعادت نظرات داليا إلى هارت التي كانت هذه المرة تدمع عيناها حقًا.
“أأنتِ سعيدة برحيلي يا آنستي؟“
ارتبكت داليا وسارعت إلى الرد.
“لا يا هارت. سأحزن فعلًا إن رحلتِ، لذا عودي سريعًا.”
“هوهوهو. كنتُ أعلم ذلك!”
جفّت دموع هارت فورًا، وراحت تتمايل ضاحكة وهي تلوّي جسدها بمرح.
‘أكان كل ذلك تمثيلًا؟‘
نظرت إليها داليا بعينٍ مرتابة، لكن طرقًا جديدًا على الباب قاطع أفكارها.
أسرعت هارت إلى فتحه.
كانت الأميرة الإمبراطورية فيفيانا تقف عند المدخل مرتدية فستانًا أصفر فاتحًا.
كان فستانًا أعدّته الخادمة مسبقًا.
“صباح الخير. شكرًا جزيلًا على تجهيز الفستان.”
دخلت فيفيانا الغرفة وحيّت الاثنتين بخجل.
“لا داعي للشكر آنستي فيفي، كنا ننتظركِ.”
نهضت داليا وآني من مقعديهما واقتربتا منها.
“كنتُن تنتظرني أنا؟“
نظرت فيفيانا إليهما بوجه متعجّب.
“اتفقنا أن نذهب معًا لإنقاذ موني، أليس كذلك؟“
ابتسمت داليا بثقة وكأن الأمر بديهي.
عندها انقبض أنف فيفيانّا قليلًا، وعضّت شفتيها الورديتين بإحكام.
فقد كانت كلماتها في الليلة السابقة قد خرجت منها وهي بين النوم واليقظة، ولم تجرؤ على أن تطلب منهما صراحةً أن ترافقاها.
كما أنها كانت قد سبّبت لهما إزعاجًا في وقت متأخر من الليل، فقرّرت ألّا تدلّل نفسها أكثر من ذلك.
وحين أطرقت برأسها، لامست يدٌ دافئة يدها.
رفعت نظرها، فإذا بداليا تبتسم لها بابتسامة مليئة بالحنان.
“نحن صديقات، أليس كذلك؟“
“نعم!”
ابتسمت فيفيانّا لها بابتسامة مشرقة مماثلة.
* * *
استقللن العربة التي كانت قد أُعدّت مسبقًا، وتوجّهن معًا إلى قصر الأميرة الإمبراطورية.
وبعد وقت قصير وصلن إلى وجهتهن، فأخذت داليا تتأمّل القصر.
كان قصرًا مُعتنى به على نحو رائع؛ واجهته من الرخام الفاخر تتلألأ وحديقته فسيحة وفيها بركة صغيرة تسبح فيها الأسماك.
“في الصيف تتفتح أزهار اللوتس في تلك البركة، وتكون جميلة جدًا. أمّا تلك الشجرة، فيقال إن أمي هي من زرعتها والغريب أنها لا تزهر إلا في الشتاء.”
كانت فيفيانّا تشير بحماس إلى أرجاء الحديقة وهي تشرح لهما.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها صديقاتٌ قصرها. فامتلأ صدرها بفرح المشاركة، وأخذ قلبها يخفق بقوة.
لو كان الوقت أفضل، لكان بإمكانهن قضاء وقت لطيف معًا على مائدة الشاي.
رفعت فيفيانّا بصرها نحو داليا التي كانت تسير إلى جانبها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
كانت تشعر بالخوف كلما فكّرت في سيلفيا، لكن وجود داليا إلى جانبها جعلها تشعر بأنها هذه المرة قادرة على المواجهة بثبات دون ارتجاف.
وفي تلك اللحظة—
“يا صاحبة السمو الأميرة!”
رفعت سيلفيا صوتها عندما رأت الأميرة وأسرعت نحوهن.
فزعت فيفيانّا وانكمش كتفاها لا إراديًا.
فربّتت داليا التي كانت تقف إلى جوارها على ظهرها بلطف وكأنها تطمئنها.
وحين رفعت فيفيانّا نظرها ببطء، رأت داليا تحرّك شفتيها قائلةً: “صديقتكِ إلى جانبك.”
‘نعم. صديقتي تحميني وتقف إلى جانبي. لم أعد وحدي بعد الآن.’
أومأت فيفيانّا برأسها، ثم واجهت سيلفيا التي اقتربت منها بنظرة ثابتة.
“يا صاحبة السمو، هل تعلمين كم كنتُ قلقة عليكِ ليلة البارحة؟ لم أذق طعم النوم إطلاقًا. أنتِ بخير، أليس كذلك؟“
خفضت سيلفيا زاويتي عينيها، ورسمت على وجهها تعبيرًا مفرطًا في القلق.
“نعم.”
وحين حوّلت سيلفيا نظرها نحو داليا، تبدّل تعبيرها على الفور واشتدّ بريق عينيها.
“هل أساء هؤلاء الأشخاص إلى صاحبة السمو؟ يمكنكِ أن تخبريني بصدق.”
“لا، لم يحدث شيء من هذا القبيل.”
هزّت فيفيانّا رأسها بقوة.
“إذًا، لماذا اختفيتِ فجأة في وقت متأخر من الليل؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 39"