“هل مررتِ أنتِ أيضًا بمثل تلك الأوقات يا آنسة ليا؟“
“نعم. حين كنت صغيرة. أحيانًا يصبح ذلك المقام بحدّ ذاته قيدًا.”
شعرت آني أن ثِقل المكانة التي يحملها أفراد العائلات الإمبراطورية والملكية أمرٌ لن تتمكن من فهمه فهمًا كاملًا طوال حياتها.
“إذًا، ما الذي تنوين فعله الآن؟ في الحقيقة، ظننتُ أنكِ ستقترحين الذهاب فورًا إلى قصر الأميرة.”
هزّت داليا رأسها وارتسمت على وجهها ابتسامة مريرة.
“أرغب في ذلك، لكنني هنا ضيفة. ولو ذهبتُ إلى قصر الأميرة في هذا الوقت المتأخر دون مقدّمات، فلن يسلّموا موني أبدًا بذريعة إخفاء الفضيحة. علينا أن نلجأ إلى طريقة أخرى.”
“لكن اختفاء صاحبة السموّ في هذا الوقت من الليل، ومع ذلك كل هذا الهدوء… أليس ذلك غريبًا؟“
“لا. أظن أن الأمر بدأ للتو.”
وحين أدارت بصرها نحو النافذة، اشتدّ سواد عينيها البنفسجيتين غضبًا.
ومن خلف الزجاج، ظهرت أضواء تتمايل، وجماعة تقترب شيئًا فشيئًا.
* * *
وقفت الوصيفات وقد اصطحبن معهنّ الفرسان بشموخ أمام قصر الكريستال.
تقدّم فارس في منتصف العمر وراح يطرق باب القصر بعنف.
دقّ… دقّ… دقّ!
أفزَع الصوتُ العالي الخادمات النائمات فهرعن إلى الخارج بوجوه مذعورة وفتحْن الباب على عجل.
“ما الأمر؟“
“هل صاحبة السموّ الأميرة فيفيانا موجودة هنا؟“
سأل الفارس الخادمة بنبرة حادّة وهو ينظر إليها من علٍ.
“ماذا؟ الأميرة فيفيانا؟ لا، لا يوجد هنا سوى آنستين نبيلتين من مملكة فويفرن.”
أجابت الخادمة بوجه متصلّب مسرعة في نقل الحقيقة.
“أحضروهما.”
“لكن… لا بدّ أنهما نائمتان الآن.”
“هيا!”
صرخ الفارس بغلظة، فأشارت الخادمة المحرجة بعينيها إلى خادمة أخرى تقف إلى جانبها.
وبينما كانت الأخرى تهمّ بالصعود للبحث عن الآنسَتَين، ظهرَتا في تلك اللحظة وهما تنزلان الدرج.
“ها هما قادمتان.”
تنفّست الخادمة التي فتحت الباب الصعداء.
نزلت داليا وآني ببطء إلى الردهة، وقد بدّلتا ثيابهما إلى فساتين فيما وقف كول خلفهما بثبات.
خادمات القصر، ووصيفات الأميرة، والفرسان الذين رافقوهنّ… امتلأت ردهة قصر الكريستال بالناس.
التفتت داليا إلى الخادمات وأمرت بلطف:
“سأتولى الأمر هنا، عُدنَ وأكمِلنَ نومكنّ.”
“نعم يا آنستي.”
كانت علامات النعاس قد زالت تمامًا عن وجوههنّ، لكن أوامر من يخدمنها كانت أولى بالطاعة.
وما إن انسحبن، حتى تنفّس المكان الصعداء بعد أن خلا بعض الشيء.
“هذا قصرٌ يقيم فيه دبلوماسيّو مملكة فويفرن. أهذه هي طريقة إمبراطورية لوسيفون، اقتحام المكان بهذه الفظاظة في هذا الوقت المتأخر من الليل؟“
قالت آني ذلك بلهجة صارمة وهي تمسح الوصيفات والفرسان بنظرة باردة.
تبادل الفرسان الذين جاؤوا إلى هنا بإغراءات سيلفيا نظراتٍ محرجة.
عندها شقّت سيلفيا الصفوف وتقدّمت إلى الأمام.
“تختطفون صاحبة السموّ الأميرة ولا تزالون تملكون الجرأة على التفوّه بمثل هذا الكلام؟“
“فكّري في كلامكِ قبل أن تتحدثي.”
ردّت آني ببرود وكأن الطرف الآخر لا يستحق حتى الرد.
“إذًا، ما الذي قد يدفع صاحبة السموّ إلى الخروج بنفسها في هذا الوقت من الليل؟ لا تفسير لذلك سوى الاختطاف.”
“يا للعجب. يبدو أن حراسة القصر الإمبراطوري عديمة الفائدة إلى حدّ أن امرأة صغيرة وضعيفة مثلي تستطيع تسلّق أسواره وتجاوز فرسانه ثم اختطاف الأميرة.”
تمتمت داليا بصوتٍ عالٍ وكأنها تحدّث نفسها وهي تهزّ رأسها موافقة.
فتغيّرت ملامح الفرسان على الفور.
“يبدو أنكِ عديمة الذوق. لذا تجرّأتِ على فعل كهذا.”
حاولت سيلفيا وقد تلقّت نظرات لاذعة من الفرسان أن تخفي ارتباكها وتوجّه السهام نحو داليا.
“ومن الذي يفتقر إلى الذوق حقًا؟ من يقتحم المكان في ساعةٍ ينام فيها الجميع، ثم يبحث عن الأدب؟“
سألت داليا برأسٍ مائل وتعبيرٍ بريء.
“هاي!”
رفعت سيلفيا صوتها غاضبة.
“أنا ليا هيردلان. ومن تكونين أنتِ؟“
تقدّمت داليا خطوة وحدّقت مباشرة في الوصيفة الواقفة أمامها.
“سيلفيا يوسي. هل صاحبة السموّ الأميرة هنا أم لا؟“
“ولِمَ تسألينني أنا؟ أليس هذا أمرًا يُسأل عنه في قصر الأميرة؟“
“إن كنتم أبرياء فعلًا، فلا مانع من أن نفتّش المكان، أليس كذلك؟“
قالت سيلفيا بثقة.
“لا، لا يمكن.”
أجابت داليا بابتسامة مشرقة.
“هذا الإصرار على الإخفاء دليلٌ على أنكم خطفتم صاحبة السموّ فعلًا.”
تلألأت عينا سيلفيا بمكر كعيني أفعى تهمّ بالانقضاض على فريستها.
“أيها الفرسان، هذه الآنسة تواصل الادّعاء بأنكم عديمو الكفاءة. ألن يوبّخكم جلالة الإمبراطور إن بقيتم صامتين؟“
قالت داليا ذلك بنبرةٍ مشفقة مستفزّةً إيّاهم.
تبادل الفرسان نظراتٍ متردّدة.
صحيح أنهم تبعوا سيلفيا بسبب المال الذي تلقّوه منها، لكن الأمور بدأت تنحرف عن مسارها.
فبدلًا من أن ترتعد الآنسات النبيلات خوفًا، ها هنّ يهدّدنهم صراحة.
“ماذا تفعلون وأنتم تقفون أمام هاتين المرأتين الصغيرتين؟“
صرخت سيلفيا في وجوه الفرسان.
“ألا يكفي أنكم رجالٌ أشدّاء؟“
في تلك اللحظة، تقدّم كول الذي كان يراقب بصمت من الخلف، ووقف أمام داليا وآني كدرعٍ يحميهما.
تراجعت سيلفيا خطوة تحت نظرة التحذير في عينيه، ثم صرخت بانفعال:
“حين تقولين لن تسكتي عني… هل تقصدين أنكِ ستضربينني؟“
قاطعتها داليا وقد اقتربت منها حتى كادت تلتصق بها، وهمست بصوت منخفض.
“م… ماذا؟“
كانت عيناها البنفسجيتان تحدّقان فيها بوهجٍ مخيف.
ابتلعت سيلفيا ريقها لا إراديًا، وتراجعت خطوة أخرى.
قيل لها إنها من فرعٍ جانبي للعائلة، لكن… لماذا تشعر بهذه الهيبة التي لا تُرى إلا في الإمبراطور؟
“سألتكِ إن كنتِ ستضربينني.”
كانت آني تراقب المشهد من الخلف وتلُكّ لسانها في سرّها.
يبدو أن صبر الأميرة بلغ حدّه الأقصى، ولم يكن ذلك مستغربًا.
فالأميرة التي تعطف على الأطفال الضعفاء كانت تبغض أشدّ البغض من يؤذيهم، وها هو الجاني يقف أمامها مباشرة.
كلما تراجعت سيلفيا خطوة، تقدّمت داليا خطوة.
ومنذ اللحظة التي رأت فيها الوصيفة تتصدّر الحديث، أدركت من يكون الشخص الذي آذى الأطفال.
وكما توقّعت، كانت هي نفسها مرضعة الأميرة سابقًا.
ومن يضرب طفلًا لا يُغتفر له ذنبه، مهما كان مقامه.
“ما الذي تهذين به الآن؟“
زمجرت سيلفيا بغلّ حين لم يعد لديها مجال للتراجع.
“ألم يُقال لي إنكِ ضربتِ موني؟ حسنًا، ووفق منطقكِ هذا، هل يحقّ لمن هو أعلى مقامًا أن يضرب من هو أدنى كيفما شاء؟ هكذا مثلًا.”
صفعة!
صفعت داليا خدّ سيلفيا بكل ما أوتيت من قوة.
وضعت سيلفيا يدها على خدّها المصفوع بذهول، ولم يلبث أن انتفخ الخدّ بسرعة.
“حين تتعرّضين للعنف بنفسك، هل تشعرين بالألم؟ تذكّري جيدًا أن المواقع يمكن أن تنقلب في أي لحظة كما هو الحال الآن.”
قالت داليا ذلك ببرود وهي تقبض على يدها التي ضربتها.
استدارت سيلفيا بوجهها نحوها وصرخت بصوتٍ حاد:
“تبا لكِ! أمسكوا بهذه المجنونة فورًا!”
وفي اللحظة التي بادرت فيها جهة مملكة فويفرن بالهجوم، انقلبت الموازين.
وبينما همّ الفرسان الذين كانوا يراقبون الوضع بالتقدّم بحماسة، مدت داليا يدها نحو كول.
فهم كول نيتها دون حاجة إلى كلام، فسحب سيفه من غمده وقدّمه لها.
أمسكت داليا بالسيف، ثم لامست به أرضية الرخام في الردهة ورسمت خطًا طويلًا.
صَرِيرٌ حادّ وخشن دوّى في المكان.
تنوّعت النظرات الموجّهة إليها بين الذهول والارتباك والاشمئزاز.
وفي قلب تلك النظرات، وقفت داليا شامخة بعينين لامعتين.
“سأستخدم حصانتي الدبلوماسية. أتحدّث بصفتي ليا هيردلان. من هذه اللحظة، كلّ من يتجاوز هذا الخط سيُعدّ تهديدًا لمملكة فويفرن، وسأرفع الأمر مباشرة إلى جلالة إمبراطور إمبراطورية لوسيفون.”
ثم أعادت السيف إلى كول، وحدّقت مباشرة في سيلفيا التي كانت تضغط على خدّها غيظًا.
“سأستثنيكِ وحدكِ من ذلك. هل تستطيعين العبور وحدكِ؟“
صرّت سيلفيا على أسنانها، وهي ترمق داليا بنظرةٍ قاتلة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 37"