“ما حدث في ذلك اليوم… لم يكن حادثًا عرضيًا أليس كذلك؟ لماذا دخلتِ البحيرة؟“
اتسعت عينا موني وآني اللتين كانتا تستمعان إلى الحديث من الجانب.
“ك…كيف عرفتِ؟” تلعثمت الأميرة بدهشة.
“قبل أن أدخل لإنقاذ سموّك، رأيتُ فستانكِ مطويًّا بعناية على الأرض. هل كنتِ تسبحين؟“
أنزلت الأميرة نظرها إلى الأرض بوجهٍ خافت.
“لا. كنتُ أبحث عن شيءٍ سقط في الماء.”
“كان بإمكانكِ أن تأمري الخدم بذلك.”
تفحّصت داليا ملامح الأميرة باستغراب.
“كان من متعلّقات والدتي، فأردتُ أن أستخرجه بنفسي.”
“آه… ياللأسف…”
هزّت الأميرة رأسها بوجهٍ حزين، بينما خفَضت موني التي كانت تقف خلفها رأسها وكأنها تعلم شيئًا.
وأمام هذا الجو الكئيب، بدّلت داليا الحديث بسلاسة.
“بالمناسبة، هل هناك سبب لعدم استدعائنا إلى القصر وطلبكِ اللقاء هنا؟“
“آه، سمعتُ أن جلالة الإمبراطور أصدر أمرًا بالكتمان بشأن ما حدث ذلك اليوم. أردتُ أن أشكركِ بنفسي، لكن لو ذهبتُ إلى مقرّ الآنسة النبيلة، لانتشرت شائعات غريبة. شكرًا لكِ حقًا مرةً أخرى.”
جمعت الأميرة يديها أمامها، وانحنت بعمق.
“سأتقبّل الشكر، لكن في الحقيقة فقدتُ وعيي في منتصف الحادث، أليس الأجدر بالشكر مرافقي جلالته؟“
قالت داليا ذلك مازحة، فابتسمت الأميرة ابتسامة خفيفة.
“لكنني رأيتُكِ تدخلين الماء من أجلي أولًا. أنتِ حقًا مذهلة. هل… هل يمكنكِ أحيانًا أن تجلسي معي وتحادثيني هكذا؟“
“إنه لشرفٌ لي يا صاحبة السمو.”
ما إن أجابت داليا بلا تردّد، حتى تلون وجه الأميرة الشاحب بحمرة خفيفة.
“أنتِ أجمل شخصٍ رأيته في حياتي.”
قالت الأميرة ذلك بخجل وهي تحدّق في داليا.
“وأنتِ لطيفة جدًا أيضًا.”
“لا، لستُ كذلك…” هزّت الأميرة رأسها بضعف وهي تعدّل نظارتها.
لماذا تفتقر هذه الطفلة اللطيفة إلى الثقة بمظهرها؟ شعرت داليا بالاستغراب، لكنها غيّرت الموضوع من أجلها.
“إذن، هل نلتقي مرةً أخرى هنا عند البحيرة؟“
“هل سوف تفعلين ذلك؟ كنتُ أعلم أنكِ شخصٌ طيب.”
لمعت عينا الأميرة السوداوان خلف النظارة بنظرة ودّ واضحة.
“سموكِ لا تقولين لي سوى كلماتٍ جميلة.”
“سمعتُ من موني. قالت إنكِ اهتممتِ بوجبتها الخفيفة.”
ضحكت موني بخجل من الخلف.
“لم تكن سوى بعض الحلوى.”
“لم أكن أعلم أن موني تحب الحلوى إلى هذا الحد.”
نظرت الأميرة إلى موني بملامح اعتذار لأنها لم تنتبه لذلك من قبل.
“لا يا صاحبة السمو! لستُ أحبها إلى هذا الحد!”
أمسكت الأميرة بيد موني المرتبكة بإحكام.
“موني، لنتحدث معًا أكثر من الآن فصاعدًا.”
“…نعم يا صاحبة السمو!”
تبادلت الفتاتان النظرات وابتسمتا ابتسامة مشرقة،
بينما راقبتهما داليا وآني بنظراتٍ راضية.
* * *
“يا صاحبة السمو! إلى أين ذهبتِ بحق خالق السماء؟!”
ارتجفت فيفيانا التي كانت تدخل القصر وهي تضحك مع موني عند سماع الصوت الحاد من الخلف فالتفتت.
كانت المرضعة سيلفيا والوصيفات مصطفّات هناك.
“كنتُ في نزهة—”
همّت فيفيانا بتبرير نفسها، لكن المرضعة قاطعتها ببرود.
“ألم آمركِ بإبلاغي إلى أين تذهبين؟! لقد خرجتِ وحدكِ في المرة السابقة وتعرّضتِ لمصيبة ومع ذلك ما زلتِ لا تعينين الأمر؟ قلتُ لكِ إن تكرار ذلك سيضعني في موقفٍ حرج!”
“…آسفة يا مرضعتي.”
“وهل أغرتكِ تلك الخادمة الوضيعة بالخروج مرةً أخرى؟“
رمقت سيلفيا موني بنظرةٍ جليدية.
“لا! أبدًا!”
اسرعت فيفيانا وقد شحب وجهها لتقف أمام موني وتحجبها.
كانت هي من اقترحت الخروج، وإن استمر الأمر هكذا، فقد تُضرَب موني مرةً أخرى بسببها.
عاد إلى ذهنها مشهد موني وهي تتلقى الضرب.
* * *
كان الدم يتفجّر من ساقيها النحيلتين مع كل ضربة سوط.
انهارت فيفيانا على الأرض وانفجرت بالبكاء.
“توقفي… توقفي عن ضربها يا مرضعتي. أنا المخطئة.”
“سموكِ، هل تريدين حقًا أن أتوقف ضرب هذه الطفلة؟“
توقفت سيلفيا عن الجلد، والتفتت إلى الأميرة بنظرةٍ لا مبالية.
“نعم! توقفي.”
“إنها مجرد خادمة وضيعة، ليست طفلةً تستحق عطفكِ.”
عبست سيلفيا.
“أنا… أكره أن يُضرَب أحد بسببي.”
كانت فيفيانا تلهث من شدة الألم.
“حسنًا يا صاحبة السمو. فلنعقد صفقة إذن. هل تستطيعين رمي قلادة جلالة الإمبراطورة الراحلة التي كنتِ تحملينها دائمًا في البحيرة؟ عندها ستعيش هذه الطفلة كخادمةٍ عادية ولن تعود فتاةً تُضرَب.”
“القلادة؟“
قبضت فيفيانا على القلادة في يدها بقوة وعيناها ترتجفان.
“لا تفعلِي ذلك. أنا سأتحمّل الضرب يا صاحبة السمو. رجاءً، لا تفعلي……”
هزّت موني رأسها ووجهها غارق بالدموع.
كانت القلادة غاليةً للغاية، لكن مشاهدة موني تُضرَب بسببها كانت أشدّ قسوة.
ابتلعت فيفيانا دموعها وفكّت أثر أمّها الذي كانت تحمله دائمًا في عنقها.
“سأفعل. سأذهب وأرميها.”
“تذكّري يا صاحبة السمو، هذا اختياركِ أنتِ.”
“نعم، صحيح. هذا خياري أنا.”
وكأنها تريد التأكّد من أنها ستفعل ذلك حقًا، لحقت بها الوصيفة داين تراقبها.
وفي ذلك اليوم، رمت فيفيانا بيديها تذكار أمّها عند ضفة البحيرة.
* * *
“تدخل صاحبة السمو في طرقٍ سيئة مرارًا بسبب هذه الخادمة الحقيرة.”
“لا. موني فتاة طيبة.”
ارتجف قلب موني ألمًا عند سماع ذلك وهي تقف خلف الأميرة.
مرةً أخرى تحميها صاحبة السمو وتقف في وجههم من أجلها. هذا لا يجوز… بل كان يجب أن تكون هي من تحمي الأميرة.
كانت قد سمعت من مديرة دار الأيتام قبل مجيئها إلى القصر: في القصر الإمبراطوري، أعلى مقام هو جلالة الإمبراطور، ثم بعده صاحبة السمو الأميرة.
ومع ذلك، كانت سيلفيا المرضعة ورئيسة الوصيفات توبّخ صاحبة السمو لمجرد أنها “أكبر سنًّا“، ولم يمنعها أحد من الوصيفات الواقفات معها.
شعرت بالغيظ.
لو كانت أكبر قليلًا لكانت استطاعت حماية صاحبة السمو.
“سيُمنع الخروج لفترة من الزمن.”
قالت سيلفيا ذلك ببرود، فانحنت كتفا الأميرة بيأس.
قبضت موني يدها بقوة وهي تنظر إلى ظهر الأميرة الحزين.
كانت صاحبة السمو سعيدة بلقاء الآنسة ليا وقد بدت مبتهجة لأول مرة منذ زمن وكأنها وجدت أخيرًا صديقة. ثم يُفرض عليها منع الخروج؟
اشتدّ قبض موني على يدها.
صحيح أنها صغيرة السن ووضيعة المقام، لكن رغبتها في حماية صاحبة السمو كانت أعظم من أي شيء.
‘صحيح… الرغبة في حماية شخصٍ ما ليست مسألة مقامٍ أو نسب. الأهم هو القلب الذي يريد حمايته.’
بعد أن عقدت موني عزمها، خرجت من خلف الأميرة.
“أنا من ألححت! أنا من ألححت على صاحبة السمو أن نخرج للّعب يا رئيسة الوصيفات، إذن فصاحبة السمو لا ذنب لها.”
التعليقات لهذا الفصل " 32"