وبما أن داليا ظلّت تومض بعينيها من شدّة الدهشة دون أن تنطق بكلمة، بادرت آني بالسؤال بدلًا عنها:
“كيف يمكن لصاحبة السمو الأميرة أن تكون هناك وحدها؟“
أميرة واحدة لا غير في هذه الإمبراطورية العظيمة، وتكاد تغرق وحدها في الماء؟ بدا الأمر غير معقول.
“إنه تقصير منّا جميعًا في حُسن رعاية صاحبة السمو. ولأن الأمر قد يثير شائعات سيئة، فقد اقتصر العلم به على عددٍ محدود من الأشخاص.”
قال أوريون ذلك بابتسامةٍ مريرة، ثم عاد إلى نبرته الرسمية بصفته سكرتيرًا وأكمل شرحه بهدوء.
“فهمت.”
أومأت داليا برأسها وكأنها استوعبت الأمر.
فمهما كان سبب سقوط الأميرة في البحيرة، لو وصل الخبر إلى النبلاء، لنسجوا منه شائعاتٍ لا نهاية لها.
“هل صاحبة السمو بخير الآن؟“
سألت داليا بحذر عن حال الأميرة.
هذه المرة، أجاب كبير الخدم قبل غيره:
“نعم، والفضل كلّه يعود إليكِ يا آنسة.”
“لا، ليس كذلك. في ذلك الموقف كان أي شخص سيفعل الشيء نفسه.”
وعند سماعه ردّها الهادئ، تعمّقت التجاعيد حول فم كبير الخدم إذ لم يستطع إخفاء رضاه.
أن تُخاطر بنفسها لإنقاذ من هو في محنة ثم تتحلّى بالتواضع أيضًا… يا لها من إمبراطورة مثالية بحق!
وكان قد سمع من أوريون أنها تخاف الماء، فكيف لها أن تقدم على أمرٍ كهذا بسهولة؟
“يا آنسة، إن حدث لكِ أي أمر داخل القصر الإمبراطوري مستقبلًا، فأرجو أن تخبريني شخصيًا. سأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.”
“لا داعي— أعني… حسنًا، فهمت. سأعتمد عليك.”
غيّرت داليا صياغة كلامها في منتصف الجملة، وقد شعرت بالحاجة إلى التقرب من كبير الخدم بغية التعرّف أكثر إلى الإمبراطور.
“أي شأنٍ يخصّ الآنسة هيردلان سأجعله في مقدّمة أولوياتي.”
تدخّل أوريون من جانبها.
“وأنا كذلك! لا تترددي في طلبي متى شئتِ.”
“سأفعل.”
ابتسمت داليا ابتسامةً مشرقة.
فالتقرّب من المقرّبين من الإمبراطور يعني الاطلاع على مزيدٍ من أخباره.
تمتم كبير الخدم لنفسه وهو يتأمل وجهها الصافي:
“هوهوهو… يبدو أن نظر جلالته كان عاليًا حقًا.”
“ماذا؟“
سألته داليا كأنها لم تسمع جيدًا، فلوّح كبير الخدم بيده على عجل.
“لا شيء. على أي حال، سأستأذن الآن.”
“سأعود لزيارتك بعد قليل يا آنسة.”
غمز أوريون بعينه، ثم غادر الغرفة مع كبير الخدم.
“…لماذا سيعود؟“
نظرت داليا إلى آني الواقفة بجانبها، لكن آني هزّت رأسها هي الأخرى وقد بدت غير قادرة على الفهم.
* * *
عاد أوريون للظهور مجددًا بعد أن أنهت داليا طعامها واستعدّت لمغادرة الغرفة.
“هل تتفضلان باتباعي؟“
“هل يمكنني الذهاب معكما؟“
سأل كول بوجهٍ متوتر وكان يقف خلفهما بخطوة.
“بالطبع.”
أجاب أوريون بسهولة، ثم تقدّم أولًا.
ساروا خلفه عبر طريقٍ لا يبعد كثيرًا عن القصر الرئيسي، فظهر في عمقه قصرٌ صغير.
حديقة واسعة أمام البوابة، وطاولة شاي، وجدران خارجية مشيّدة من الكريستال تتلألأ بألوانٍ متعددة، وأعمدة من الرخام الأبيض مصقولة بعنايةٍ فائقة.
كان قصرًا جميلًا يأسر النظر من الوهلة الأولى.
“هل ندخل؟“
ما إن فتحوا البوابة حتى ظهرت الخادمات مصطفّاتٍ على أحد الجانبين. وعندما التقت عينا داليا بهارت التي كانت تقف في آخر الصف، ابتسمت لها ابتسامةً مشرقة.
“مرحبًا بكِ يا آنسة.”
تبادلت داليا وآني نظراتٍ متحيّرة.
“سيد أوريون، لماذا جئنا إلى هنا؟“
“دعينا من الرسمية بيننا. ناديني باسمي. ومن الآن فصاعدًا ستقيمان هنا.”
قال أوريون ذلك مبتسمًا بمكرٍ طفولي.
‘وما علاقتنا لنصل إلى هذه الدرجة؟‘
كادت داليا تنطق بما في خاطرها، لكنها ابتلعت الكلمات وطرحت سؤالًا آخر:
“حسنًا، يا أوريون. لكن لماذا نحن فقط؟“
“يبدو أن مقرّ إقامتكما السابق كان يضم عددًا كبيرًا من الرجال، فظنّ جلالته أن ذلك قد يكون غير مريح لكما.”
“لم يكن كذلك.”
أجابت داليا بهدوء، فتنحنح أوريون وتابع:
“أهمّ شيء أن جلالة الإمبراطور خصّص لكما هذا المكان. وذلك تكريمًا لشجاعتكِ يا آنسة هيردلان. على ما قمتِ به. هل أعجبكِ؟ إنه من أجمل القصور في القصر الإمبراطوري.”
“آه… نعم.”
كانت داليا تتفحّص المكان بلا مبالاة ظاهرة فارتسمت ابتسامة عريضة على وجه أوريون وكأنه فهم شيئًا ما.
أما الخادمات، فقد بدأن يتهامسن بخفوت دهشةً من ردّ فعلها.
فهذا القصر المشيّد بالكامل من كريستال باهظ الثمن كان حلم نساء النبلاء يتسابقن لرؤيته ولو لمرة واحدة.
ومع ذلك… هذا كل ما كان ردّها؟
هل تجهل كم أن الكريستال ثمين؟
“من السهل رؤية الكريستال في مملكة فويفرن أليس كذلك؟“
“نعم، إلى حدٍّ ما.”
أومأت داليا برأسها ببراءة.
فجدران الكريستال كانت مألوفة جدًا في القصر الملكي، حتى إنها لم تعد تثير في نفسها أي إحساس خاص.
بل إن إسطبل حصانها المفضل، جنتل مارا فاين كاريزما، كان مشيّدًا من الكريستال أيضًا.
عند تلك الاستجابة، تعالت همسات الوصيفات أكثر.
إذ يبدو أن ما يُقال عن أن الكريستال منتشر في مملكة فويفرن ليس مبالغة كما ظنن.
نادت داليا في هذه الأثناء على أوريون بصوت خافت.
“سيد أوريون، هل يمكنني التحدث إليك لحظة؟“
اقترب منها دون تردد، فمالت نحوه وهمست بحيث لا يسمعها سواهما:
“هناك أمر يثير فضولي… من الشخص الذي أنقذني؟ أشعر أنه يجب عليّ تقديم الشكر له.”
“آه… في الحقيقة، يصعب عليّ إخبارك بذلك…”
قالها أوريون وهو يفرك مؤخرة عنقه بتردد.
ويبدو أن الأمر مرتبط بالأميرة، لذا كان يحاول إبقاء كل شيء طيّ الكتمان.
أومأت داليا برأسها وكأنها تتفهم الأمر.
“إذًا، هل يمكنك أن تنقل له شكري نيابةً عني؟“
“نعم، سأفعل.”
ثم أضافت:
“آه، وبالمناسبة… هل صادفتَ رسالةً في ذلك المكان؟“
“رسالة؟ هل كانت هناك رسالة؟ هل هي مهمة؟ يمكنني أن أذهب لأبحث—”
قاطعت داليا كلامه بسرعة، وقد بدت عليها العجلة:
“لا! لا بأس إن لم ترَ شيئًا!”
“حسنًا. هل هناك أي شيء آخر تحتاجينه؟“
ابتسم أوريون بابتسامة ودودة.
“لا، شكرًا.”
“إذًا، أتمنى لكِ إقامة مريحة هنا.”
انحنى أوريون بانحناءة مبالغ فيها، وكأنه ممثل مسرحي، ثم غادر المكان.
* * *
في أعماق الغابة الكثيفة.
دويّ! دويّ! دويّ!
كان قفصٌ حديدي فارغ، يبلغ ارتفاعه مترين، يهتز بعنف وكأنه على وشك أن يتحطم.
كوااااع!
على الرغم من أن القفص بدا خاليًا تمامًا، إلا أن عواء وحشٍ صاخب انبعث من داخله.
اقترب رواند من الفرسان الذين كانوا يحيطون بالمكان بحذر.
“لقد أحسنت العمل يا سيدي القائد.”
انحنى نائب القائد بسرعة.
“أحسنتَ في القبض عليه.”
“لا، الفضل يعود إليك يا سيدي. لولا مطاردتك له لما أمكن الإمساك به. ولو كان الهدف قتله فقط، لما تكبدنا كل هذا العناء.”
رشّ نائب القائد ماءً مقدسًا فاخرًا ذا لون ذهبي من قارورة زجاجية داخل القفص.
كوااااع!
في اللحظة التي لامس فيها الماء المقدس القفص، تجسّد جسد الوحش فجأة، رغم أن القفص كان يبدو فارغًا قبل ذلك.
جناح واحد شبيه بجناح الخفاش مغطى بغشاء جلدي.
جسدٌ يوحي بشبهٍ غريب بالقرد.
وفمٌ مشقوق على نحوٍ مخيف تبرز منه أنياب حادة تحتل نصف الوجه.
ثلاث عيون حمراء كانت تحدّق في لواند بنظرة حقد وعداء.
لكن ما إن جفّ الماء المقدس، حتى عاد جسد الوحش شفافًا من جديد.
“رؤية هذا النوع من الوحوش عن قرب أمر مرعب حقًا.”
قال نائب القائد ذلك وهو يقطب حاجبيه محدقًا في القفص الذي بدا فارغًا.
كانت هذه الوحوش تمتلك أجسادًا شفافة، ولا يمكن الإمساك بها إلا باستخدام الماء المقدس أو الهالة المشبعة بالقوة المُقدسة.
ولولا أن أحدهم صادف أحد هذه الكائنات مصادفةً بعد إصابته بالماء المقدس، لما علم أحد بوجودها أصلًا.
حتى الآن، لم تظهر هذه الوحوش إلا على أطراف عاصمة إمبراطورية لوسيفون، لكن عددها ومصدرها ما زالا مجهولين تمامًا.
وبسبب قدرتها على الطيران بحرية إلى جانب شفافيتها، استغرق الأمر أكثر من شهر كامل للإمساك بهذا الفرد وحده.
كو… كو… كو… كو…
غيّر الوحش صوته فجأة، بعد أن كان يضرب القضبان ويصرخ.
شعر لواند بشيءٍ مريب، فسحب سيفه بسرعة وتفحّص المكان من حوله.
“جميعًا، كونوا على أهبة الاستعداد!”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 28"