✿ الفصل 27 ✿
رفرفت رموش داليا الطويلة وهي تفتح عينيها ببطء.
لماذا يبدو جسدها ثقيلًا إلى هذا الحد اليوم؟
“ليا !”
“ آنسة ليا!”
عند سماع صوتي آني وكول المرتجفين بالبكاء، أدارت داليا رأسها نحو مصدر الصوت.
كانت عينا آني ممتلئتين بالدموع بينما كان كول مطأطئ الرأس بشدة.
وخلفهما، كانت هارت تطلّ بعنقها بفضول تحدّق فيها بوجهٍ متشوّق.
“ آني، كول… ما بال وجهيكما؟“
خرج صوتها أجشًّا كأنها لم تتكلم منذ زمن.
“ اشربي بعض الماء أولًا.”
رفعت آني الجزء العلوي من جسدها بلطف وأسقتْها الماء.
وما إن شربت ببطء حتى بدأ الضباب الذي يغلّف عقلها ينقشع تدريجيًا.
سطح ماء أزرق.
طفلة تسقط في الماء.
غصن شجرة.
هوى قلبها فجأةً إلى القاع.
نظرت داليا إلى آني بعينين قَلِقتين.
“… والطفلة؟“
خرج السؤال بصوتٍ مرتجف من تلقاء نفسه.
أومأت آني برأسها وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال تحديدًا.
“ تم إنقاذها.”
اتسعت عينا داليا البنفسجيتان بعدم تصديق.
“ حقًا؟ حقًا الطفلة بخير؟ حيّة؟“
“نعم .”
“ آه… هذا مطمئن. هذا مطمئن حقًا…”
امتلأت عينا داليا الواسعتان بالدموع.
حتى بعد قدومها إلى الإمبراطورية، كانت لا تزال غير متأكدة إن كانت قادرة فعلًا على تغيير المستقبل.
لكن المستقبل تغيّر.
الطفلة حيّة.
ومجرد رؤية هذا الأمل الصغير جعل قلبها يفيض فرحًا.
“ كيف تندفعين إلى مكان كهذا وأنتِ لا تجيدين السباحة يا ليا؟“
ورغم أن يد آني كانت تمسح دموعها بلطف بمنديل، فإن صوتها كان صارمًا.
“ أنا أجيد السباحة! لقد سبحت كثيرًا وأنا صغيرة مع كول، أليس كذلك؟“
ولتتفادى توبيخ آني، التفتت داليا بسرعة نحو كول.
أومأ كول برأسه بوجهٍ عابس، ثم قال بصوتٍ حزين:
“ كان يجب أن أكون إلى جانبك. أنتِ تخافين من الماء، أليس كذلك؟“
ارتجفت عينا داليا قليلًا.
يا لهما من خصمين عنيدين…
آني بهجومها من التوبيخ، وكول بنظراته المليئة بالذنب التي توقظ في النفس شعور الاعتذار.
“ لا، ليس كذلك. ظننت أنني أخاف، لكن حين رأيت الطفلة في خطر… استطعت السباحة. أظنني لم أعد أخاف من الماء بعد الآن!”
قالت ذلك بنبرةٍ مشرقة وهي تنظر إليهما بالتناوب محاولة طمأنتهما.
كانت ترتجف من رأسها حتى قدميها لمجرد التفكير في الأنهار أو البحيرات… ومع ذلك، فقد أنقذت طفلًا!
أنقذت طفلًا، وتغلبت على صدمتها أيضًا.
نعم، هي تستطيع!
ارتسمت على وجهها ابتسامة فخر لكنها سرعان ما تلاشت تحت نظرةٍ حادة فانحنت زاوية فمها بتوتر.
كانت آني ترمقها بنظرةٍ قاسية.
“ لا تفعلي هذا مرة أخرى.”
“ همم… أشعر بالعطش مجددًا.”
“ أعرف أنك تغيّرين الموضوع.”
ورغم تذمرها، رفعت آني الكأس وأسقتها الماء.
“ لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لا أتذكر شيئًا من منتصف الأمر فصاعدًا.”
سألت داليا بملامح مستغربة بعد أن شربت الماء كفرخٍ صغير.
كانت تتذكر فقط أن الطفلة أمسكت بالغصن… وما بعد ذلك، لا شيء.
“ يقولون إن حاشية الإمبراطور هي من أنقذتكِ.”
“ هاه؟“
اتسعت عينا داليا بدهشة، ثم ما لبثت أن ابتسمت ابتسامة مشرقة.
‘ يبدو أن ليمون نجح في جلبهم. ليمون الذكي!’
“ ومن الذي أنقذني منهم؟ قائد الحرس؟ السكرتير؟ لا يمكن أن يكون… جلالة الإمبراطور نفسه، أليس كذلك؟“
“ لا نعلم من الذي أنقذكِ تحديدًا. لكن جلالته خصّص لكِ هذه الغرفة مؤقتًا.”
عندها فقط ألقت داليا نظرةً حولها.
كانت الغرفة أكبر بخمس مرات من مقر إقامتها السابق، ومفروشة بأثاثٍ مزخرف بورق الذهب الفاخر. حتى السرير كان واسعًا بما يكفي ليستلقي عليه عدة أشخاص.
“ همم… يجب أن أعرف من أنقذني لأقدّم له الشكر. لكن لماذا خصّص لي هذه الغرفة أصلًا؟“
“ لا أدري.”
هزّت آني كتفيها، وقد بدا عليها عدم الفهم أيضًا.
في تلك اللحظة، سُمع طرقٌ على الباب.
دخلت هارت التي كانت قد خرجت دون أن يشعر بها أحد، ثم فتحت الباب على مصراعيه لتفسح المجال لمن خلفها.
“ هوهوهو… طاب يومكِ يا آنسة هيردلان.”
دخل شيخٌ أبيض الشعر منحنِي الظهر يستند إلى عصا سوداء.
وحين نظر الجميع إليه باستغراب، سارعت هارت التي كانت واقفة عند الباب إلى التعريف به:
“ هذا هو كبير الخدم، السيد روسين كوكدان. وقد أوصى بأن نبلغه فور استيقاظ الآنسة.”
طَق. طَق.
دخل روسين الغرفة وهو يطرق بعصاه، ثم توقف فجأة واستدار إلى الخلف.
“ من الذي يتأخر عن عجوز مثلي؟“
“ نعم نعم، قادم.”
دخل أوريون وهو يدفع عربةً عليها صينية.
“ السيد السكرتير؟“
اتسعت عينا داليا عندما تعرّفت على الوجه المألوف.
“ مرحبًا… يا ا– ا… الجوّ… الجوّ لطيف اليوم يا آنسة. هل أنتِ بخير؟“
تبادلت داليا وآني وكول نظراتٍ سريعة.
ما بال تحيّته غريبة إلى هذا الحد؟
حدّقت داليا في أوريون بنظرةٍ مليئة بالريبة، غير أنه قابلها بابتسامةٍ هادئة وكأن شيئًا لا يثير الشك.
“ أنا بخير.”
“ جلالة الإمبراطور قلقٌ عليكِ كثيرًا.”
“ جلالة الإمبراطور؟“
“ نعم. لقد عقد حاجبيه بشد—”
“ أيها المتهوّر الوقح! كيف تجرؤ على ذكر جلالة الإمبراطور بهذه الخفّة؟!”
هوى عصا كبير الخدم روسين بقوة على مؤخرة أوريون.
قفز أوريون من مكانه وهو يتأوه:
“آخ ! جدي !”
ارتفعت العصا مرةً أخرى.
“ أيها الشقي! ألم أقل لك ألا تناديني هكذا داخل القصر الإمبراطوري؟!”
“ عفوًا سيدي كبير الخدم، ما الذي جاء بك إلى هنا؟“
تدخلت داليا بسرعة قبل أن يلوّح بالعصا مرةً أخرى.
“ هوهوهو… يا آنسة، هل تناولتِ طعامكِ؟“
ابتسم كبير الخدم بوجهٍ ودود كأن نوبة غضبه لم تكن منذ لحظة.
“ لا، ليس بعد.”
“ هذا الطعام أرسله جلالة الإمبراطور بنفسه.”
وبالتزامن مع كلامه، رفع أوريون الغطاء الفضي اللامع.
وُضعت على الصينية أطباق فاخرة على طبقٍ أنيق.
دجاج مطهوّ بنبيذٍ أحمر على طريقة كوكوفان،
ودجاج مشويّ مدهون بسخاء بالأعشاب العطرية وزيت الزيتون،
ودجاج ديابولا مخبوز في الفرن.
“ وهذا… هل هو إعلان حرب؟“
قالت آني ذلك بنبرةٍ حادة وهي تحدّق في الأطباق بعينين لامعتين.
فقد كانت المأكولات الشهية مرتبة على صينية كبيرة، لكنها مقطّعة إلى قطع صغيرة بحجم اللقمة، كطعام يؤكل بالأصابع.
“هاه .”
كتم أوريون ضحكته وهو لا يزال يحمل الغطاء الفضي.
“ بما أنكِ لم تتناولي الطعام منذ فترة، فسيكون من الصعب البدء مباشرةً بأطعمة قوية كهذه. لذلك يُنصح بأن تبدئي بالحساء، فإذا شعرتِ أن معدتكِ بخير، يمكنكِ بعدها تناول هذه الأطباق.”
أخرج كبير الخدم من أسفل الصينية وعاءً من الحساء الدافئ يتصاعد منه البخار.
تقدّمت هارت لتأخذه، لكن آني سبقَتها وأمسكت به.
“ شكرًا لكم. لولا وجود الحساء، لكدتُ أشكّ في نوايا جلالته.”
عند حدّة لهجتها، أمسكت داليا بذراعها برفق.
“ لا يا آني. يبدو أن جلالته تذكّر الأطعمة التي أحبّها.”
ابتسمت داليا ابتسامةً خفيفة وهي تنظر إلى الأطعمة المقطّعة بحجم اللقمة.
لقد كان الإمبراطور يتذكّر بدقة تامة ذوقها في الطعام، ذاك الذوق الذي كانت قد ذكرته سابقًا عرضًا وهي تحاول استكشاف ميوله.
يا للمفاجأة…
هل هو شخص دقيق الملاحظة إلى هذا الحد؟
شعرت وكأنها تعرّفت إلى جانبٍ جديد من شخصية الإمبراطور.
“ صحيح… كلها أطعمة تحبّينها يا ليا.”
أومأت آني برأسها بإعجاب.
“ آنسة هيردلان.”
استقرّت نظرة كبير الخدم الدافئة عليها فرفعت داليا بصرها عن الطعام ونظرت إليه.
“ نعم؟“
“ شكرًا لإنقاذكِ صاحبة السمو الأميرة.”
أزاح كبير الخدم عصاه قليلًا، ثم انحنى بانضباطٍ عميق.
“ جزيل الشكر لكِ.”
وانحنى أوريون بدوره.
“ الأميرة… ؟“
سألت داليا بدهشةٍ ظاهرة على وجهها.
وحتى آني التي كانت تستمع إلى الحديث من جانبها اتسعت عيناها صدمةً.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 27"