جمع غراي أفكاره، ثم أنزل بصره إلى المرأة الصغيرة الواقفة أمامه.
أي جرأةٍ امتلكتها هذه المرأة حتى تسدّ فم سيّد سيف؟
ومن الواضح أنهما لا يعرفان حتى اسميهما، ما يعني أنهما التقيا للمرة الأولى.
وفي تلك اللحظة، كانت داليا قد توصّلت أخيرًا إلى عذر، ففتحت فمها قائلة:
“شعرتُ بالأسف لأنني غطّيتُ فمه دون قصد، فمنحته اسمي على سبيل الاعتذار.”
“لكن شرحَ جزء ‘دون قصد‘ مفقود، أليس كذلك؟“
“هذا من شؤوني الخاصة.”
وحين جعلت من الخصوصية ذريعة، لم يعد ممكنًا الاستفسار أكثر.
“بارعة في الإفلات.”
ابتسمت آنسة حقل الزهور الوردية ابتسامة خفيفة من جديد.
“لعلّ ذاك الرجل هو من نوعك المفضّ—”
‘هل كنتُ على وشك أن أسأل إن كان ذلك الرجل من ذوقها؟‘
تفاجأ غراي بنفسه، فسارع إلى تغطية فمه.
‘ما الذي كنتُ أنوي قوله للتو؟‘
“نعم؟“
مالت آنسة حقل الزهور الوردية برأسها تسأل، وفي تلك اللحظة—
“مولاي، لو هممت بالمغادرة على هذا النحو— آه؟ آنسة؟“
كان ذلك أورِيُون، سكرتير الإمبراطور.
“يبدو أنكما معًا مجددًا.”
قالها أورِيُون بابتسامةٍ ودودة وهو يحيّيهما.
“لنذهب.”
استدار غراي على عجل شاعِرًا بالارتياح لأنه سيتمكّن من مغادرة المكان.
“أظن أنّ بالإمكان اقتطاع خمس دقائق إضافية.”
لكن غراي ردّ عليه بحزم:
“لا حاجة.”
“إلى اللقاء، مولاي!”
جاءه صوتها المشرق من الخلف، لكنه تظاهر بعدم السمع وأسرع بخطاه.
* * *
مكتب الإمبراطور
ناول أورِيُون التقرير وهو يراقب تعابير الإمبراطور بحذر.
رغم أن الأيام التي يكون فيها جلالة الإمبراطور في مزاجٍ جيّد نادرة أصلًا، إلا أن حالته منذ الأمس كانت أشدّ انخفاضًا على نحوٍ غريب.
وبما أنه لا يعرف السبب، لم يكن أمامه سوى التزام أقصى درجات الحذر.
“لا شيء جديد بعد. أهذا ما تسميه تقريرًا؟“
عند سماعه النبرة الحادّة في صوت الإمبراطور، انتفض أورِيُون وتراجع خطوة عن المكتب.
‘مخيف.’
“ورد أيضًا في الأسفل رأيٌ يقول إن العلاقة بين الفرع الجانبي والفرع المباشر جيّدة، بل إن الفرع المباشر يولي الآنسة هيردلان وهي من الفرع الجانبي اهتمامًا أكبر على غير المعتاد.”
“وهل هذا أمرٌ استثنائي؟“
كان صوت الإمبراطور باردًا وهو يضع التقرير على المكتب.
“في العادة، يكون الفرع الجانبي هو من يسعى لاسترضاء الفرع المباشر. كما ورد أن فارسًا يُدعى كول يتولّى حراسة الآنستين بحراسةٍ مشدّدة.”
“فارس؟“
عاد نظر الإمبراطور المتبرّم إلى التقرير.
“نعم. فارس رافق الوفد بصفته حارسًا. ومنذ أن دخلت منظمة الديك احدى اعضائها القصر كخادمة، بدأ فجأة بالوقوف أمام باب جناح الآنستين، مما صعّب الحصول على معلومات.”
“فارس يقف ملاصقًا للباب؟“
انخفض صوت الإمبراطور حتى بدا كأنه يرنّ في كهف.
“لم أذكر كلمة ‘ملاصق‘ تحديدًا.”
ألقى أورِيُون نظرة سريعة على تقريره.
‘هل كُتب ذلك فعلًا؟‘
“الفارس،إذن…….”
ما بال الفارس؟
هل ارتكب الفارس خطأً ما؟
حوّل أورِيُون بصره قليلًا نحو قائد الحرس الإمبراطوري إيثان النموذج المثالي للفارس.
كان إيثان يقف خلف الإمبراطور كعادته، مستقيمًا بوجهٍ خالٍ من التعابير.
“تسك… فارس.”
ومع انزعاج الإمبراطور، بدا كتف إيثان وكأنه اهتزّ اهتزازًا طفيفًا.
لا يعرف السبب، لكن الفارس مخطئ.
‘نعم، كلّ الخطأ على الفارس.’
أومأ أورِيُون برأسه لنفسه بصمت، ثم تذكّر السطر الأخير من التقرير.
“وهناك أيضًا معلومة تفيد بأن الآنسة من الفرع الجانبي تُكثر من التحديق في رسالة.”
“رسالة؟“
“نعم. تحتفظ بها كما لو كانت رسالة غرام، وتحملها دائمًا بعنايةٍ شديدة، فلم نتمكّن من انتزاعها.”
“رسالة غرام؟“
ازداد صوت الإمبراطور انخفاضًا.
“إيثان.”
تقدّم إيثان سريعًا أمام الإمبراطور.
“استدعِ الآنسة إلى حديقة الإمبراطور.”
“أمرك.”
وبينما غادر إيثان المكتب، حدّق أورِيُون في الإمبراطور بعينين متّسعتين.
صحيح أنه رآهما يتبادلان الحديث، لكن الحديقة الإمبراطورية؟
هل العلاقة بينهما أعمق مما كان يتصوّر؟
“هل ستُدخل الآنسة إلى حديقة الإمبراطور؟“
“لستُ من يُدخلها. هي من ستأتي من تلقاء نفسها.”
“…نعم؟“
وما معنى ذلك؟ فحديقة الإمبراطور مكان لا يدخله أحد قط إلا بإذنه.
حتى هو نفسه لم يُتح له دخولها بعد.
تصاعد الفضول في صدره، لكن الإمبراطور وكأنه ضاق ذرعًا بالإجابة، أنزل الساعة الرملية على الطاولة بصوت مكتوم.
ففهم أوريون الإشارة، وأطبق فمه ثم انسحب بهدوء من مكتب العمل.
* * *
تلقّت هارت اتصالًا من إيثان، فاتجهت إلى غرف الآنسات.
حديقة الإمبراطور… حتى هي نفسها لم تدخلها من قبل. فهل يُعقل أن تُدعى الآنسة ليا إلى هناك؟
كانت قد عادت للتو من مهمة عمل طويلة في إقليم بعيد، وتستمتع بإجازتها، فإذا بمهمة خادمة تُلقى على عاتقها فجأة.
ظنّت أن الأمر لن يطول، فكل ما عليها هو استمالة آنستين قادمتين من مملكة صغيرة.
لكن الآنسات التصقن ببعضهن وتصرّفن بدهاء، مما عقّد الأمر.
حتى التنصّت لم يكن سهلًا، إذ كان الفارس كول يحرس باب الغرفة.
‘لو حصلتُ على معلومات واضحة بسرعة، لانتهت هذه المهمة المزعجة…’
التقت عينا هارت بعيني كول الواقف أمام الباب، فابتسمت ابتسامة لطيفة، وطرقت الباب ثم دخلت.
“الآنسة ليا.”
رفعت داليا رأسها قليلًا من فوق رقعة الشطرنج التي كانت تلعبها مع آني.
“ماذا؟“
“طُلب حضورك إلى الحديقة.”
مالت داليا رأسها باستغراب، فاقتربت هارت وهمست في أذنها بحيث لا يسمع أحد سواها:
“حديقة الإمبراطور.”
فإذا بوجه داليا يشرق فجأة، كأن أشعة الشمس أضاءت لها وحدها.
في تلك اللحظة، بدا لهارت أنها فهمت سبب اهتمام جلالة الإمبراطور بهذه الآنسة.
ألم يكن يُقال إن جلالته لا يحب النساء؟ أم أنه فقط يحب النساء الجميلات؟
“من الذي استدعى ليا؟“
سألت آني التي كانت تراقب الحديث بصمت، ونظرت إلى هارت.
وعلى خلاف ما يدور في داخلها، أدّت هارت دور الخادمة المبالغة بحماسة.
“أوه! في الحقيقة، قائد الحرس الإمبراطوري هو من استدعاها. لكن… كيف تعرفين أنتِ القائد يا آنسة داليا؟“
“قائد الحرس الإمبراطوري؟“
حدّقت آني في داليا بوجه مذهول.
وكانت عيناها البرتقاليتان تسألان بوضوح “ما الذي تورّطتِ فيه هذه المرة؟“
وقبل أن تنهال عليها مواعظ آني، نهضت داليا بسرعة.
“تعرفتُ عليه مصادفة. سأخرج قليلًا وأعود.”
“سآتي معك.”
نهضت آني بدورها.
“وأنا أيضًا سأرافقكم.”
قال كول الذي كان واقفًا عند الباب المفتوح ذلك.
راقبت هارت الاثنين بعناية.
كانا يُظهران ميلًا واضحًا لحماية هذه الآنسة على وجه الخصوص.
“هل أذهب معكم أنا أيضًا؟“
تدخّلت هارت، رافعة يدها قليلًا.
“لا، لا داعي. كل شيء على ما يرام. أستطيع الذهاب وحدي.”
قالت داليا ذلك محاولة إيقاف الجميع.
‘لو عرفوا أنني ذاهبة لمقابلة الإمبراطور، فلن يمرّ الأمر بسلام.’
“هذا غير معقول…”
فتحت آني عينيها بشك، لكن داليا ابتسمت بثقة.
تراءى أمام عينيها ليمون وهو يرفرف ويضحك.
“لديّ ليمون.”
“آه، صحيح.”
آني وحدها فهمت المقصود، فتراجعت أولًا.
أما كول وهارت، فاكتفيا بتبادل نظرات حائرة.
“إذًا، سأذهب وأعود!”
* * *
وصلت داليا إلى حديقة الإمبراطور وهي تتبع ليمون، ثم أخذت تنظر حولها.
في وسط الحديقة، كانت هناك طاولة خارجية أُعدّت عليها تشكيلة من الحلويات.
بدا أن الإمبراطور لم يصل بعد.
وضعت داليا الدفتر وريشة الكتابة التي أحضرتها على الطاولة، وسحبت كرسيًا وجلست.
ثم تناولت حبّة عنب من سلة الفاكهة وأدارتها في فمها، وما لبثت أن أغمضت عينيها ببطء.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 16"