هرعت داليا بلا وعي وأمسكت به وقد فقد إدراكه تمامًا.
“جلالتك! أفق! أنا بخير! أرجوك! أفق، أرجوك! يا غراي!!!”
لكن حدقتيه السوداوين الجافتين كالميتين كانتا لا تنظران إلا إلى السماء وكأنهما تحملانها كل اللوم.
وفي النهاية، نبتت من ظهره جناحان أسودان ضخمان وجميلان.
اتسعت العينان البنفسجيتان لداليا من الصدمة.
“غراي! أرجوك! حاول أن تستعيد وعيك!”
وما إن بدأت الجناحان بالسكون ثم خفقا ببطء حتى أمسكت داليا بعنقه وجذبته نحوها وطبعَت شفتيها على شفتيه.
انسابت دموعها الحارّة على وجهها وقطرات الندى الصافية سقطت بين شفتيهما.
توسّلت بقلبها كله:
“أفق… لا أستطيع العيش من دونك. لا تتركني وحيدة… أرجوك…!”
وفي تلك اللحظة، انفجرت من جسدها قوّة مقدسة ذهبية متألّقة.
نور باهر يكاد يخطف الأبصار غمر العالم كلّه بقوة وحنان في آنٍ واحد.
وبمجرد أن لامس ذلك النور جناحيه الأسودين، بدآ يتحولان تدريجيًا إلى الأبيض.
فتحت داليا عينيها المرتعشتين عندما أحست بذراعين تطوقان خصرها بقوة.
ورأت الحياة تعود شيئًا فشيئًا إلى سواد عينيه.
“جلالتك! هل عدت إلى وعيك؟“
أغلق الإمبراطور عينيه ببطء ثم فتحهما ونظر إليها بنظرة حزينة.
“…داليا؟ ما الذي حدث؟ لقد… رأيتك تموتين أمام عيني. آه… هل هذا حلم؟… حتى لو كان حلمًا فلا بأس… طالما أنكِ قربي…”
عانقها بشدة يخفي وجهه على كتفها وصوته يقطر يأسًا.
فعانقته بدورها وهزت رأسها.
“ليس حلمًا. أنا حيّة. وسأبقى إلى جانبك طيلة حياتي.”
“…ليس حلمًا؟“
أخيرًا بدأ يستشعر دفئها الحقيقي.
لقد رأى موتها بعينيه.
إذًا ما الذي رآه بالضبط؟
قالت داليا بهدوء:
“لا أعرف ما الذي شاهدته، لكنه مجرد ماضٍ مضى وانتهى. أنا هنا الآن… معك.”
“آه…”
ما إن قالت ذلك حتى تدفقت إليه ذكريات الماضي دفعة واحدة.
كانت ذكرياته، لكنها تنتمي إلى زمن لم يعد موجودًا.
ومع ذلك… في ذلك الماضي الذي اختفى، التقى داليا وأحبها وكأن القدر نفسه أعاد جمعهما.
“جلالتك، هل أنت بخير؟“
حدّقت فيه داليا بعيونها البنفسجية المليئة بالقلق.
وفجأة أدرك لماذا كان كلما رأى الفجر شعر بشوق لا يعرف مصدره… وعندما رأى تلك المرأة ذات الوجه الشاحب التي أنقذت فيفيانا… أدرك الآن من كانت.
كانت داليا… دائمًا داليا.
لا يعرف كيف عاد إلى الحياة مجددًا… لكن لا شك أنها هي السبب.
“داليا… هل أنتِ من غيّر الماضي؟“
رفعت إليه عينيها المرتجفتين.
“…كيف… كيف تذكرت؟ كنت أظن أنني وحدي من سيتذكر…”
“لابد أن السماء لم تشأ أن تُتركي وحيدة.”
ابتسم غراي برفق.
* * *
في تلك الأثناء…
ما إن لامس النور المقدس الذهبي أجساد الوحوش، حتى بدأت تذوب من تلقاء نفسها.
صرخات الوحوش تعالت وهي تتفكك.
أحد الفرسان الذي كان قد استسلم للموت إذ فشل في تفادي مخلب وحش قبل لحظات، اتسعت عيناه وهو يرى الوحش أمامه يذوب.
“…ماهذا؟“
لامسه النور الذهبي كذلك وبدأ جلد ذراعه الممزقة يلتئم ويعود سليمًا.
لمسها بذهول وكأنه لا يصدق.
وفرسان آخرون كانوا ينتظرون الموت بأعين مغمضة، فتحوا أعينهم فجأة وقد اختفى الألم عنهم.
السماء المظلمة تحولت إلى ذهبية متوهّجة.
“الأميرة تساعدنا!”
هتف أحدهم فانبسطت وجوه الفرسان بالأمل.
ثم ظهر فوق السماء الذهبية ظلّ ضخم.
طائر عملاق أحمر يحلّق وكأنه يغطي السماء بأكملها يشبه تمامًا رمز إمبراطورية لووسيفّون…
الطائر الأسطوري الذي نزل إلى الأرض كما في السجلات.
ومع كل خفقة من جناحيه، تناثر غبار ذهبي بديع.
فتح الطائر منقاره ووصل صوت جهوري إلى رؤوس الجميع مباشرة:
“النور الذي سيبتلع الظلام وحده القادر على إنقاذ العالم.”
هتف الجميع بفرح، من أصيب ومن كاد يموت ومن رفع رفيقه الساقط.
“واااااه!”
* * *
في مكان آخر…
“كول! افتح عينيك، أرجوك…”
كانت آني تضم جسد كول، الذي أصيب بانفجار انتحاري، وتجهش بالدعاء.
وفي تلك اللحظة، انهمر عليهما الضوء الذهبي ذاته.
بدأ الجلد المحروق في نصف وجهه يستعيد لونَه شيئًا فشيئًا.
فتح كول عينيه بلطف والتقت عيناه الحمراوان بعينيها.
“…لاتبكي.”
“أنالا… أأأه…”
انهارت آني باكية كطفلة بعد أن تخلّت عن هدوئها المعتاد وتمسكت به بقوة.
فربّت كول عليها بلطف حتى هدأت.
* * *
في مكان آخر…
“هذا غير ممكن… لا يمكن أن تحب الإلهة هذا الإمبراطورية إلى هذا الحد…”
تمتم البابا وهو يحدق في الإمبراطورية الغارقة في النور الذهبي.
هذا النور الإلهي يخص هالين. فكيف يُصبّ على لووسيفّون؟
“…يجب أن أحصل على الأميرة…”
لكن في تلك اللحظة—
طعن!
نظر إلى بطنه الممزق مذهولًا، ثم التفت وراءه.
كان لواند ممسكًا بسيفه يحدّق إليه ببرود قاتل.
“انتهى جشعك هنا.”
“غغغ…غغغ…”
تدفق الدم من فم البابا وهو يترنح ويسقط على جانبه.
همس بكلماته الأخيرة وشفرتا جفنيه ترتجفان:
“هذا النور… يجب أن يكون لهالين… هالين…”
ثم مات وعيناه مفتوحتان.
نظر لواند إلى الجسد ببرود، ثم رفع رأسه نحو السماء الذهبية.
“لا. هذا النور يخص الأميرة.”
* * *
حمل غراي داليا وصعد بها إلى أعلى نقطة في القصر الإمبراطوري ونظر من هناك إلى الإمبراطورية المغمورة بالنور الذهبي المتألّق.
فقالت داليا بسؤال مباغت:
“ما الذي ستفعله بشأن جناحيك؟ كيف ستخفيهما؟“
ابتسم غراي بصدق عند سؤالها العجيب.
لقد أنقذت ليس فقط إمبراطورية لووسيفّون، بل العالم بأسره من الهلاك… ومع ذلك ما تزال هي ذاتها؛ لطيفةٌ ومحبوبة.
“لا أدري… هل أقصّهما؟“
“همم… لكنهما جميلان.”
كان صوتها يحمل أسفًا واضحًا، فضحك غراي بخفة.
“ما رأيكِ بوجود إمبراطور بأجنحة؟“
“إن رغبت بذلك… فليكن.”
كانت نظرته إليها عذبة كالعسل.
“لكن… أليست كبيرة للغاية؟ أوه؟“
وما إن تفوّهت بكلماتها، حتى بدأت الأجنحة البيضاء اللامعة تصغر تدريجيًا من تلقاء نفسها… ثم اختفت تمامًا أمام عينيها.
شعر غراي بحسّ واضح باندماج جناحيه مع جسده.
“هل اختفت؟“
“لا، إنها موجودة. ستظهر متى أردتُ ذلك.”
أدار ظهره لها ليريها، وقد اختفت العلامة السوداء التي لطالما غطّت ظهره، وبدلًا منها ظهرت نقطتان بيضاوان ثابتتان على عظمتي كتفيه.
“العلامة السوداء… اختفت. هل يعني ذلك أن اللعنة زالت؟“
ارتجف صوت داليا بين الخوف والأمل.
ابتسم غراي وهو ينظر إليها.
لم يعرف السبب، لكنه كان يعرف… بحدسه.
اللعنة اختفت.
“نعم. لقد أنقذتِني… وأنقذتِ الإمبراطورية. شكرًا لك.”
“……!”
أشرق وجه داليا وارتمت في أحضانه.
عانقها الإمبراطور بقوة، ثم نظر إلى عينيها البنفسجيتين اللامعتين وهمس:
“أحبكِ… إلى الأبد.”
“وأنا أحبك أيضًا.”
صوت صفير طويل—
صرخ ليمون، الطائر العملاق ذو الجسد المتقد كاللهب من فوق السطح وكأنه يبارك اتحادهما.
* * *
الإمبراطورية المقدسة هالين — مكتبة النور.
وكعادته كل يوم، أنهى الكاهن العجوز تنظيف غرفة الكتب المقدسة ثم خرج.
وفي تلك اللحظة، انبعث نور ذهبي من كتاب كان مخفيًا في أعمق نقطة من الغرفة، فارتفع في الهواء.
إنه آخر كتاب مقدّس… الذي نُسيَ منذ زمن بعيد.
شششش—
انفتح الكتاب من تلقاء نفسه وهو معلق في الهواء.
وظهر فيه ما يلي:
***
أحبّ الملاك الأقرب إلى الإله أحد البشر، فأكسر جناحيه بيده، واختار البقاء في عالم البشر.
فغضب الإله من ملاكه العزيز، ونزل عليه لعنته… وبركته في آنٍ واحد.
“يا ملاكي الأجمل والأطهر،
لأنك كسرت جناحيك، سأقيّدك بقيود القدر.
إن لم تلقَ من جديد سيّدة النور التي أحببتها، فعمرك سيقصر.
وإن ماتت سيّدة النور أمام عينيك، فستنبت جناحاك من جديد…
ويُغطّي الظلام عالمك.
وليس إلا النور الذي سيبتلع الظلام وحده القادر على إنقاذ العالم.
يا ملاكي الأجمل والأطهر،
أحبّ… وتحرّر من قيد القدر.
وحينها سيغمر النور عالمكما بالمجد.”
— النهاية —
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
وصلنا لنهاية افضل رواية لي من بين روايتي وهي ثامن روايه اخلصها، 100% حينزلو فصول جانبية ف انتظروني معها🩷.. كانت معكم إستبرق نلاقيكم بعمل آخر او بالفصول الجانبية.
التعليقات لهذا الفصل " 143"