✿ الفصل 141 ✿
* * *
كان غراي يقطع كلّ ما يقترب منه من الوحوش واحدًا تلو الآخر، لكنه لم يستطع كبح قلقه؛ فكان يلتفت مرارًا نحو الاتجاه الذي رحلت فيه داليا.
رآه إيثان على تلك الحال، فاندفع نحوه وهو يطلق هالةً قتالية على الوحوش القريبة.
وقال:
“يا صاحب الجلالة، أستطيع أن أُمهلهم قليلاً. إن كنت قلق على الأميرة، فاذهبوا إليها.”
تردّد غراي وهو يحدّق في الجهة التي اختفت فيها.
لو كان الأمر في أي وقت آخر، لكان رفض كلمات إيثان دون أن يرى لها قيمة.
بل لبقي في مكانه حتى لو لقي حتفه، ولن يتحرك قيد أنملة قبل أن يُفني كلّ الوحوش.
غير أن شعورًا سيئًا كان يلازمه بلا توقف.
لم يكن يخشى موته؛ فقد وُلد وهو يعرف أن نهايته ستكون كذلك على أي حال.
لكن إصابة داليا… فذلك أمر مختلف تمامًا.
ما دام حيًا، فلن يسمح لأحدٍ أن يمسّها ولو من طرف إصبع.
قال وهو يعزم أمره:
“سأعود بعد لحظات.”
“نعم.”
جمع غراي كلّ ما في جسده من قوة، فتدفّقت هالته الزرقاء بعنف.
وكان يعلم أن هذه الضربة ستمنحهم بعض الوقت ريثما يغيب عن الساحة.
وحين شقّ الهالة بقوسٍ واسع، تهاوت الوحوش المتجمّعة أمامه دفعةً واحدة، وتراجع بعضها الآخر مذعورًا.
“واااه!”
هتف فرسان القصر الإمبراطوري مبهورين بقوته الهائلة.
“الوحوش خافت! شدّوا عزيمتكم!”
واندفعوا بحماس أكبر لمواجهتها.
وما إن استدار غراي وركض نحو جهة داليا، حتى لمح ظلًّا مألوفًا يندفع نحوه بسرعة.
إنها هارت.
كانت هارت تركض وملامحها يكسوها الاضطراب.
“يا صاحب الجلالة!”
“ما الذي تفعلينه هنا؟“
“هناك من يحاولون اختطاف الأميرة.”
قالتها وهي لا تكاد تتوقف، ثم استدارت عائدة للركض كما لو أن الوقت لا يسمح بأي شرح.
اشتدّ فكّ غراي حتى برزت عضلاته من الغيظ.
إذًا هذا ما كان يُنذر به قلبه؟ يا ليت ذلك الإحساس المشؤوم قد خاب هذه المرة…
“سنزيد السرعة.”
“أمرك!”
* * *
قال غراي وهو يكبح غضبه يخاطب القائد لواند:
“هل يعني هذا أن هالين تكشف الآن عداءها لنا بشكلٍ علني، أيها القائد؟“
لكن لم يُظهر لواند أي رد فعل.
كان شاردًا وكأن كلمات غراي لا تصل إليه أصلًا.
عندها اشتعلت الهالة الزرقاء على سيف غراي، وفورًا لمع على سيف لواند بريق هالة ذهبية.
ودون أي انتظار، اندفع الاثنان نحو بعضهما البعض بضربةٍ عنيفة.
ومع كون كلاهما “سيد سيف“، تراجع من حولهما ابتعادًا عن خطر الصدام.
طنين! طنين!
مع كلّ ضربة سيف، تعصف ريح قوية وتتطاير شرارات.
كان المشهد مبهرًا… وخطيرًا للغاية.
استغل الرجال ذوو الملابس الليلية ذلك، فابتعدوا عن ساحة المبارزة واندفعوا نحو داليا.
نجح غراي بدفع سيف لواند بعيدًا، وأمر دون أن يلتفت:
“هارت، كول! احميا داليا!”
“أمرك!”
فأجاب الاثنان في الوقت نفسه، وتمركزا قربها.
أما داليا فلم تتحرك عيناها عن آني التي كانت منذ بداية القتال قد وقعت في قبضة أحد الرجال.
قالت داليا:
“كول، أنقِذ آني.”
لكن ما إن التقت نظرات آني بكول حتى هزّت رأسها بعنف.
كانت تلك إشارةً يفهمانها وحدهما: “الأميرة أولًا“.
قال كول بصوت اعتاد عليه دون أن يحيد بعينيه عن نظراتها القرمزية:
“…واجبي حماية الأميرة.”
ابتسمت آني بخفوت وهي تهز رأسها موافقة وكأن ذلك هو الجواب الصحيح.
اشتدّت قبضة كول على سيفه حتى ابيضّت مفاصله وهو يجاهد الرغبة في الاندفاع نحوها.
المرأة التي يحبها هي من طلبت منه ذلك… وهو نفسه يريده الآن.
وفي تلك الأثناء كان الرجال بملابس الليل يطوّقونهم بهالة دائرية.
وتقدّم الرجل الذي يمسك بذراع آني خطوة إلى الأمام.
وقال مخاطبًا داليا:
“يا صاحبة السمو. يجب أن ترافقينا إلى هالين وتصبحي القديسة. هذا هو الطريق الذي يعود بالنفع على الجميع.”
رفضت داليا ببرود لا يلين:
“اسمع جيدًا. لن أذهب إلى هالين تلك التي لا تجيد سوى التهديد القذر.”
قال كبير المُحققين وهو يرمقها بنظرة باردة:
“إن القوة الإلهية التي تحملينها تخص هالين. ومن حقّ هالين أن تعودي إليها.”
كان يختلج غضبًا؛ كيف تجرؤ هذه الأميرة على انتقاد هالين وهي تحمل القوة المقدسة؟
فردّت داليا بثبات:
“لا. القوة الإلهية منحَتْها الإلهة، وليس من أجل هالين وحدها.”
“هاه! وما الذي تعرفينه أنتِ عن الإلهة حتى تتفوّهي بهذه السخافات؟“
حدّقت داليا إليه بعينين هادئتين.
“صحيح أنني لا أعرف الكثير عن الإلهة. لكنني أعلم أمرًا واحدًا… لست ملكًا لأحد.”
“يا صاحبة السمو، ألم يهمّك أمر حياة خادمتك؟“
أمسك الرجل ذراع آني بعنف وهزّها بقسوة.
لكن آني عضّت شفتها وتحمّلت الألم بصمت.
“أنا بخير يا أميرة…”
عندها لمعت نظرة كبير المُحققين ببرود قاسٍ.
“إن استمرّت الأميرة في العناد… فاقتلوها. فبموتها ستولد القديسة التالية.”
كانت كلمات البابا حقيقة لا شكّ فيها.
فإذا ماتت تلك الأميرة، ستظهر قديسة حقيقية تُذعن لأوامر هالين دون اعتراض.
وحسم كبير المُحقّقين أمره، فدفع الوصيفة التي كان يمسك بها بقسوة إلى الأمام.
وبدا ذلك وكأنه إشارة بدء؛ إذ مدّ الرجال المرتدون ملابس الليل سيوفهم جميعًا نحو الأميرة.
وقفت هارت وكول إلى جانب داليا يصدّان بسرعة البرق عشرات السيوف المتقدمة.
وفي تلك اللحظة، تقدّم كبير المُحقّقين بنظرة خبيثة وغرس سيفًا رفيعًا نحو الأميرة.
كان السيف بالغ الرقة حتى إن أحدًا لم يلاحظه بين زحام السيوف الأخرى.
اتسعت عينا داليا حين رأت النصل الرفيع يتجه مباشرة إلى صدرها.
“داليا!!”
دوى صوت الإمبراطور من بعيد، يحمل الرعب والذهول.
“يا صاحبة السمو!!”
تبعته صيحة كول التي خرجت كأنها صرخة.
“شييلد!”
قبضت داليا على عقدها بقوة ورددت كلمة تفعيل السحر.
لكن القوة الإلهية التي تشعّ بهدوء من جسدها عرقلت عمل السحر… وتعطّل الدرع.
وفي اللحظة التي كانت تحدق فيها مشدوهة بذلك السيف، انضمتها ذراعان دافئتان إلى صدرٍ حانٍ يصرخ:
“شييلد!”
كانت آني.
احتضنتها آني بقوة كأنها تتلقى الضربة بدلاً عنها.
لم يهمّها أن تموت؛ ما دام بإمكانها حماية الأميرة.
سأحميكِ…صاحبة السمو.
لم تفهم آني ما الذي حدث بالضبط، لكن المشهد الذي تراءى أمامها منذ قليل كان فظيعًا.
كان أقرب إلى رؤيا خاطفة تملكتها.
في تلك الرؤيا، كانت تضم شقيقها المحتضر وتبكي بجنون.
فجأة، في ذلك الوهم نفسه، اندفعت إليها داليا لتعانقها، ثم في لحظة خاطفة شقّ سيفٌ بطن داليا وخرج من ظهرها.
“يا صاحبة السمووو!!”
سقطت داليا وهي تتلقى الضربة نيابة عنها.
انخلعت ركبتا آني فسقطت على الأرض.
كان يجب أن تتأكد من سلامة الأميرة… لكن ساقيها لم تتحملا الوقوف.
وبينما كانت تضرب ساقيها محاولةً الزحف، انقضّ عليها رجل آخر وطعنها.
كان يجب أن تتأكد أن الأميرة بخير…
‘صاحبة السمو…آنستي…’
وبعينين متداعيتين، رأت الإمبراطور يركض نحو الأميرة.
‘مولاي… أرجوك، أنقذ الأميرة…’
* * *
ما إن رأى كول الدرع السحري يتشكل حول الاثنتين ويحميهما، حتى غرس سيفه مباشرة في اتجاه من هاجم الأميرة.
طنين!
ارتدّ سيفه بقوة؛ واضح أن خصمه محارب بارع.
والظاهر أيضًا أنه هو من يصدر الأوامر للآخرين.
أبعد كول السيوف القادمة نحوه بضربات سريعة، مركزًا كلّ هجماته على رجل واحد فقط.
وفجأة، انطلق صوت عجوز قاسٍ من مكان مجهول:
“اقتُلوا الأميرة!”
كان غراي قد تأكد لتوّه من سلامة داليا، فصدّ ضربة لواند بقوة.
ذلك الصوت… لم يخطئه.
إنه صوت البابا.
لا بد أن البابا مختبئ في مكان ما.
‘يجب العثور عليه.’
وبينما كان ينشر حواسه ليتتبع مكانه، اندفع لواند فجأة نحو الاتجاه الذي تقف فيه داليا بعد أن خفض سيفه بسرعة.
“أيها القائد!!!”
كان غراي على وشك اللحاق به، لكن توقف لواند فجأة ثم عاد يركض ثم يتوقف ثانية… يكرر الأمر بشكل مضطرب.
وفي اللحظة التي حاول فيها غراي غرس سيفه في ظهره، صدّ لواند الضربة سريعًا.
حاول غراي متابعة الهجوم، لكن بدا لواند وكأنه يصارع نفسه؛ فقد أمسك سيفه بقبضة يده الأخرى، يحاول أن يخفضه بالقوة، وملامحه تضطرب من الألم.
قال وهو يختنق بين كلمتين وكأنه يُجندَل بصراع داخلي لا يُحتمل:
“اقتلِ… الأميرة… اقتلـ… ـنـي…! اقتلِ الأميرة… أرجوك… اقتلني!!”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 141"