تسعت عينا آني إلى أقصاهما وهي تحدّق في الخاتم الذي كان يقدّمه لها.
كانت يد كول الكبيرة ترتجف بقوة، وكأن هذا الرجل البسيط قد جمع كل ما يملك من شجاعة ليصل إلى هذه اللحظة.
امتلأت عيناها بالدموع.
لم يكن ليدرك أبداً كم تشعر بالامتنان لمجرد أنه لم يرفض اعترافها فوراً.
والآن… اللحظة التي لطالما حلمت بها تتجسّد أمامها كالسحر.
السحر.
انجذبت نظرات آني من تلقاء نفسها نحو تيارا التي كانت تراقبهما بعينين يلمع فيهما الفضول.
شعرت آني أنها مدينةٌ لهذا “المشاهد الكريم” بلحظة بطولية، فقررت أن تؤدي دور البطلة بأفضل ما تستطيع.
وعندما مدت يدها لتأخذ الخاتم… وضعه هو بنفسه في إصبعها.
“…مـاذا؟“
رفعت رأسها بسرعة، فرأت في عينيه الكهرمانيتين، الدافئتين دائماً وهجاً مختلفاً هذه المرة.
‘هذا… هذا يشبه عرض زواج حقيقي…!’
عضّت آني شفتها محاولة السيطرة على مشاعرها المتفجّرة.
كانت تخشى أن يتراجع، فأسرعت تخفض يدها وتغلق أصابعها حول الخاتم.
“عليك أن تذهب سريعاً. سموّ الأميرة بانتظارك.”
“رجاءً… الحذر، ثم الحذر. ولا تفارقي سموّ الأميرة تيارا.”
“حسناً… فهمت.”
انحنى كول عميقاً لتيارا، ثم غادر المكان مسرعاً.
أما آني فبقيت تحدّق في الخاتم بدهشة وكأن عقلها لم يلحق بما حدث.
“يستخدم خاتمي ليطلب الزواج، هاه؟“
تمتمت تيارا خلفها بضجر ظاهري، لكن ابتسامتها كانت مليئة بالرضا.
* * *
مهما قطع الفرسان من أجساد الوحوش، كانت تعود لتنقضّ عليهم بلا هوادة.
ولحسن الحظ، كانت أغلبها ما تزال صغاراً، أجنحتها غير مكتملة، لا تقوى على الطيران.
فلو ارتفعت المئات منها في الجو دفعة واحدة لكانت المعركة خاسرة منذ البداية.
“جلالتك!!!”
وفي اللحظة التي شطر فيها غرين اثنتين بضربة واحدة من هالة سيفه الزرقاء، سمع صوتاً يعرفه جيداً.
رفع رأسه مصعوقاً، فرأى داليا تركض عبر البوابة المفتوحة.
“لا تقتربي يا داليا! هذا مكان خطير!”
اشتدّ الألم في صدره كأن ريحاً باردة اخترقته.
كيف لها أن تأتي إلى هنا؟ ماذا لو حدث لها شيء؟ كيف سيواصل العيش بعدها؟
“هل نسيت من أنا؟ أنا المرأة التي تملك قوةً مقدّسة أكبر من قوة القديسة نفسها!”
ثم توقفت فجأة ورفعت كلتا يديها.
في ظلمة الليل، بدأت أجواء حولها تمتلئ بذرات ذهبية مضيئة اتسعت شيئاً فشيئاً حتى أضاءت مساحة واسعة.
كانت سحابة ذهبية من الهالة المقدسة.
حبس غراي أنفاسه أمام هذا المشهد المهيب.
فهو لم يرَ قوتها بعينيه من قبل، بل سمع فقط ما جرى في دار الأيتام.
كيييَيَيَاك!
تراجعت الوحوش الصغيرة مذعورة حين لامست الهالة المقدسة.
من بعيد، رفعت داليا طرف أنفها بفخر وكأنها تقول: ‘أرأيت؟‘.
قال غراي:
“مذهلة…”
“ماذا؟ صوتك بعيد، لم أسمع!”
فصاح من قلبه دون تفكير:
“قلتُ إني أحبك!!!”
توقفت المعركة للحظة.
حتى الفرسان الذين كانوا في خضم قتالٍ مرير تجمّدوا في أماكنهم.
“جلالته يحبها! هيا نُنهي المعركة بسرعة!”
“إذا كان جلالته يحب، فأنا امتلأت قوة الآن!”
“جلالته يحبّهااااا!”
انفجر الفرسان بالضحك والتهليل وهم يواصلون القتال.
فهم لا يُفوّتون فرصة نادرة للسخرية من إمبراطورهم حتى في خضم الموت.
أما غراي فبوجه هادئ كان يضرب الوحوش متقدماً خطوة بعد خطوة نحو داليا.
وداليا أيضاً ظلت تنثر هالتها الذهبية وهي تقترب منه.
وحين كادا يلتقيان—
ظهر رجل فجأة بينهما بلباس ليلي أسود وجسده مثخن بالجراح والدم يتساقط منه.
“جاك؟“
توقف غراي فوراً وقد تعرّف عليه من الوهلة الأولى.
“…جلالتك…”
“من الذي تجرّأ— لا، يبدو أنه واحد فقط.”
فقد كان جاك أحد الجواسيس الموضوعين لـ لواند.
“جاك؟!”
ركضت هارت مندهشة من جانب داليا التي بدورها أسرعت خلفها.
“جلالتكم… هو… الكهف… تغيّر…!”
حاول جاك الكلام بينما يتلوّى من الألم، ثم سقط فاقد الوعي على الأرض.
“جاك!!”
هرعت هارت التي وصلت في تلك اللحظة وصرخت باكية عندما رأت جروح أخيها التوأم الذي لا يشبهها وقد غطّت جسده.
ولكي تُسهِّل عليه التنفّس، نزعت قناع وجهه، فوجدت أن وجهه كذلك مليئاً بالجروح.
كان جاك أكثر أفراد الفرسان براعةً في التخفّي… فكيف انتهى به الحال هكذا؟
وفي تلك الأثناء، فوجئت داليا عندما أبصرت وجهه.
إنه الرجل الذي كلمته آخر مرة قبل موتها… وها هو الآن ممدّد أمامها فاقدًا الوعي.
“يا أميرة! أرجوكِ… أنقذي أخي!”
تعلّقت هارت بداليا بيأس.
“…سأبذل قصارى جهدي.”
ثم تذكّرت داليا أن القوى المقدسة تُعرف أساسًا بقدرتها العلاجية أكثر من كونها وسيلة لقتل المخلوقات الشيطانية.
لكن علاج البشر بها كان جديدًا عليها، لذا كانت بحاجة لبيئة تساعدها على التركيز.
“يا صاحب الجلالة، سأتولى علاج هذا الرجل وأعود فوراً. يمكنك الصمود من دوني، أليس كذلك؟“
فقال مبتسمًا:
“داليا… من تظنينه قضى على كل تلك الوحوش قبل وصولك؟“
وأشار بعينيه نحو كومة الجثث خلف أسوار القلعة.
“كما توقعت! جلالتك الأفضل دائمًا! سأعود سريعاً!”
“اذهبي. أستودعكِ الأمر.”
حمل كول جاك بحرص شديد.
وكان نزيفه غزيرًا لدرجة أن قميص كول تلطّخ بالدماء في لحظات.
“هارت، هل هناك مكان مناسب للعلاج؟“
“سأرشدك إليه.”
تقدّمت هارت بسرعة، وجهها متوتر ومشدود.
كان داخل الحصن الخارجي مكانٌ مخصّص لراحة الفرسان، فاتجهوا نحوه.
راقب غراي ابتعادهم، ثم أعاد بصره إلى الوحوش بنظرة باردة.
إن مواجهة لواند الذي ألحق هذا الضرر بأحد جنوده لن تكون ممكنة… ما لم يتخلص من هؤلاء أولاً.
* * *
‘رجاءً… اشفِ هذا الرجل.’
أفرغت داليا قواها المقدسة كلّها داخل جسد جاك بينما تتمتم برجاء شديد.
فبدأت أنسجته الممزقة تلتحم ببطء، وظهرت خطوط ملتئمة، ثم اختفت تمامًا.
هارت وكول شهقا من شدة الدهشة أمام هذا المشهد العجيب.
كان كول قد تلقّى علاجًا مقدس من قبل، لكن ندوبه لم تختفِ بالكامل.
أما قوى الأميرة فكانت مختلفة تمامًا؛ فقد عاد جلده ناعمًا كأن جرحًا لم يكن.
“هاه… أعتقد أني فعلتُ كل ما بوسعي. لكنه فقد الكثير من الدم، لذا لن يستعيد وعيه فورًا.”
تنهدت داليا بتعب وجلست على كرسي بلا طاقة.
فسارعت هارت لتقديم الماء لها.
أخذت داليا الكأس وشربته بنهم.
“شكرًا لكِ يا أميرة! أنتِ الأفضل! أحبكِ يا أميرة!”
وما إن وضعت الكأس حتى انهالت عليها هارت بامتنان يغمره البكاء.
“هذا أخوكِ؟“
عندها لاحظت داليا أن كليهما يملك نمشًا متناثرًا على وجهيهما.
“نعم. لقد انتشلنا جلالته من حي الفقراء وأطعمنا ومنحنا عملاً. هيهي…”
كانت هارت تبكي وتضحك في آن واحد.
مدّت داليا يدها وربّتت بلطف على رأسها.
“لقد مررتِ بالكثير.”
ارتجفت عينا هارت البنيّتان برقة غير متوقعة؛
هذه المرأة أنقذت حياة أخيها الوحيد… ونظرت إليها بحنان…
كيف لا تريد اتباعها مدى الحياة؟
“أميرتي! بما أنكِ ستصبحين قريبًا صاحبة الجلالة الإمبراطورة، أريد أن أُقسم لكِ الولاء منذ الآن! أرجوكِ، اقبلي بي!”
جثت هارت على ركبتيها أمام داليا وأطرقت برأسها.
حدّقت داليا بها مصدومة.
“ماذا؟ ألم تقولي إنكِ لا تتلقّين الأوامر إلا من جلالته؟“
“سيوافق جلالته إن علم أنني في خدمتكِ. فأنا نافعة جدًّا! أجيد التجسس، وأُحسن الطهي، وأتقن السيف! آه، هل تعلمين؟ قبل قدوم كلوي… كنت في مكانها! أنا ماهرة جدًا!”
“آه… لذلك بدا سلوك الفارسة كلوي مختلفًا في ذلك الوقت.” [ هارت كانت فارسه فيفي باسم كلوي قبل لا تجي كلوي الاصلية وتاخذ المكان ]
أومأت داليا بعينيْن متسعتين، كأنها تتذكر الأمر الآن فقط.
“هيهي! أميرتي حادّة الذكاء!”
“أجل، أنا… أقصد— هل هناك شيء آخر تخفينه عني؟“
“لا! وأنتِ تعلمين أنني من الوحدة السرية التابعة مباشرة لجلالته، صحيح؟“
“كنت أظن ذلك… ولكن هل تريدين حقًا أن تقومي بقسم ولاء لي؟“
“نعم! أرجوكِ، اقبلي!”
عندما ترددت داليا، ابتسم كول ابتسامة طيبة.
“وجود حارس إضافي أمر جيد برأيي.”
“صحيح!”
“حسنٌ، فهمت. سأناقش الأمر مع جلالته.”
“نعم!”
وفجأة، رفع كول وهارت رأسيهما في اللحظة نفسها، وتبادلا نظرة حادة، ثم اقتربا من داليا بسرعة ليشكّلا حاجزًا حولها.
توتّر داليا بدورها أمام الجو المشحون، فخفضت صوتها وسألت:
“ما الأمر؟“
“شخصٌ ما يقترب—”
لم يُكمل كول جملته حتى انشقّ باب الملجأ الخشبي فجأة بصوتٍ عالٍ.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 139"