✿ الفصل 136 ✿
“ من فضلك… اخلع قميصك العلوي قليلاً.”
“……ماذا؟ “
كان مستعدًّا لسماع أي شيء، لكن هذا الطلب لم يخطر بباله قط، فارتبك لحظةً من شدّة المفاجأة.
سارعت داليا بالتماس التوضيح ولوّحت بيديها في عجلة.
“ أرجوك لا تفهمني خطأ.”
تدرّجت الحمرة على وجهها شيئاً فشيئاً، ولمع في عيني غراي بريقٌ مازح.
“ تُجلِسينني على السرير، ثم تطلبين مني أن أخلع ثيابي… يبدو أنك جريئة أكثر مما ظننت.”
“ هذا ليس ما أعنيه إطلاقاً!”
لم يستطع غراي صرف نظره عنها وهي تلوّح بيديها تحاول تبريد حرارتها.
كان كلُّ ما فيها… يبعث على المحبة.
وبعد أن هدأ احمرار وجهها قليلاً، قالت وهي تلمح ردّ فعله بحذر:
“ ظهرك يا جلالتك… أريد أن أراه.”
تجمّد تعبيره للحظة.
“ ظهري؟“
“ نعم. هناك أمر أريد التأكّد منه.”
“ هل ورد في ذلك الكتاب المقدّس شيءٌ عن ظهري؟“
“ ليس تماماً… لكنني رأيت حلماً.”
تلاقت نظراتهما، وعينا داليا ترتجفان.
وما إن رأت سواد عينيه حتى قفزت إلى ذهنها صورة الأجنحة السوداء العظيمة التي رأتها.
“ هل رأيتِ المستقبل مجدداً؟“
“……نعم .”
أومأت داليا وابتسامة متكلّفة على شفتيها.
رجت في سرّها ألا يلحظ كذبها.
فهي لا تنوي إخبار الإمبراطور بأنها قد عادت بالزمن.
هي تستطيع تقبّل الأمر لامتلاكها ذكريات الماضي، لكنّه… لن يزيده ذلك إلا اضطراباً.
راقب ملامحها مليّاً ثم أومأ بخفوت، كأنه يفهم.
“ لم أرِه لأحد من قبل.”
“ هذا شرف كبير.”
أجابت داليا بنبرة مازحة عمداً لتخفيف التوتر، ويبدو أن محاولتها نجحت.
ابتسم غراي بخفّة، ثم نزع قميصه ببطء وأدار ظهره لها.
ظهره مغطّى تقريباً بنقشٍ أسود هائل.
“آه …”
اهتزّ بصرها المثبّت على ظهره.
قبل عودتها بالزمن، لم ترَ هذا النقش بوضوح، وحتى بعد العودة لم تره إلا لمحة عابرة.
لكن الآن وقد رأته عن قرب، تأكّدت تماماً.
النقش الأسود… كان على هيئة جناحين أسودين.
وهذه الهيئة بالضبط هي ما سينبثق يوماً من ظهره.
ولكن… لِمَ يوجد هذا الشيء في جسده؟
ماذا اقترفت أسرة لووسفُون الإمبراطورية ليصيبها مثل هذه اللعنة؟
لمست داليا ظهره بلمسة خفيفة يكسوها الأسى، وتسرّبت حرارة جلده عبر راحتها.
وشعرت بانقباضٍ في عضلات ظهره من المفاجأة.
“ هل يؤلمك؟“
“لا ……”
كان صوته هادئاً، فامتلأت عيناها بالدموع كادت تنفلت.
حتى وإن لم يكن يشعر بالألم الآن، فكيف كان الأمر عليه لو أن شيئاً كهذا نما على ظهره منذ طفولته؟
مرّرت يدها برفق على ظهره كأنما تواسيه.
“ من المطمئن أنه لا يؤلمك.”
وحين سحبت يدها، ارتدى قميصه من جديد واستدار إليها.
“ والآن بعدما رأيتِ ظهري… هل ستخبرينني بما لديك؟“
أطبقت داليا شفتيها وهي تجاهد لإيجاد الكلمات.
‘ من ظهرك ستنبت أجنحة… وستشقّ السماء، ويعمّ الدمار العالم.’
كيف يمكن قول ذلك؟
ربما كان بالإمكان إخفاء لعنة موت أفراد العائلة الإمبراطورية، لكن ظهور الأجنحة… لا يمكن ستره.
وهذا يعني أنّ الوحيد القادر على شقّ السماء… هو هذا الرجل وحده.
‘ حين فقدتَ صوابك بعد موتي… نبتت الأجنحة من ظهرك.’
“ يا جلالة الإمبراطور… مهما حدث، لا يجوز أن تفقد صوابك.”
حدّقت في عينيه مباشرة تطلب منه العهد.
نظر إليها مستفهماً.
“……حتى لو … حتى لو متُّ أنا .”
“ ماذا تعنين؟ هل رأيتِ موتك في المستقبل؟“
حدّق فيها بإصرارٍ يكاد يقرأ أفكارها.
“ هذا مجرد افتراض… افتراض لا أكثر.”
تهرّبت داليا وهي تصرف بصرها.
“ داليا، قولي الحقيقة. هل رأيتِ في حلمك موتك؟“
واستخدم غراي فوراً قدرته على كشف الحقيقة حين رأى تردّدها.
ابتسمت داليا مطمئنة وهزّت رأسها.
“لا .”
‘كذب .’
تجمّد غراي في مكانه.
لم يسبق له أن خشي الحقيقة التي تتردّد في رأسه إلى هذا الحد.
قبض على يدها بقوة، كأنّه يخشى أن تختفي أمام عينيه في أي لحظة.
أحسّت بنظرها المرتبك نحوه.
“ داليا… لماذا؟ لماذا تموتين؟ لماذا؟“
“ قلت لك إنه ليس صحيحاً.”
“ أسرة لووسفون نالت لعنةً وبركة في آنٍ واحد. اللعنة على ظهري… والبركة هي قدرتي على معرفة الحقيقة مرة واحدة يوميّاً.”
اتّسعت عيناها البنفسجيتان من الصدمة.
“ لا، لا يمكن أن—”
“ أعرف أنك كذبتِ قبل قليل. رأيتِ في حلمك موتكِ، أليس كذلك؟“
كان مجرّد ذكر موتها يمزّق صدره ألماً، ولكنه لم يشيح بنظره عنها.
والآن بعد أن استُهلكت قدرته، لم يعد بإمكانه استخدام كشف الحقيقة، لذلك كان عليه أن يتحقّق منها بعينيه وحدهما.
تردّدت، حرّكت شفتيها مراراً ثم أطلقت زفيراً خافتاً وأومأت.
“ لماذا؟ ما السبب؟ من الذي يجرؤ على إيذائك؟“
اشتعلت عيناه سواداً بالغضب.
“ يا جلالة الإمبراطور… أنت تعلم أن رؤية المستقبل لا تعني بالضرورة حدوثه كما هو. نستطيع تغيير المستقبل.”
قالت ذلك بثقة محاولة تهدئته وقد بدا على شفا الانهيار.
نظر إليها مليّاً كأنه يبحث في عينيها عن يقينٍ آخر، فلم تتهرّب.
قابلت نظره بثباتٍ لا يتزعزع.
‘ لن أسمح بأن أرى موته بسبب اللعنة. ولن أسمح أن يرى موتي… ويفقد صوابه… ويجرّ العالم إلى الهلاك.’
“هاه … حسنٌ .”
أجاب بعد زفرة طويلة.
ذكّره كلامها بما قاله ليمون عن أهمية زواجهما.
لا يعلم هل هي مصادفة أم لا، لكن يوم الزواج في الماضي كان اليوم نفسه الذي تكرر بعد عودتهما بالزمن.
إذن… كما قالت هايدي، ربّما تقديم موعد الزواج قبل وصول البابا إلى الإمبراطورية هو الحل.
“ أظن… أنه علينا الإسراع في إقامة زواجنا.”
“…… ستموتين يوم الزواج، صحيح؟“
اتّسعت عينا داليا دهشة.
“ لم أقل ذلك! كيف… كيف عرفت؟!”
“ أنا الإمبراطور. فهم نوايا من أمامي… أستطيع فعله مغمض العينين.”
“ لكنّك لم تغمضهما الآن…”
أمالت رأسها باستغراب، فارتخت شفاهه المتصلبة كأنه يعترف بعجزه أمامها.
“ سأرتّب لجعل موعد الزواج أقرب.”
“نعم !”
ابتسمت داليا ابتسامة مشرقة وهزّت رأسها بحماس.
* * *
خرج لواند من القصر الإمبراطوري وتوجّه إلى بيت صغير يقع عند أطراف العاصمة.
كان ذلك المكان مخبأً سرّيًا تابعًا لـهالين داخل حدود إمبراطورية لووسفون.
انحنى الفارس المقدّس الذي في الداخل وقال:
“ أهلاً بقدومك.”
“ أين قداسته البابا؟“
“ لقد وصل.”
كان باب خلفي في المخبأ يؤدي إلى تلّة صغيرة.
تبِع لواند الفارس حتى وصلا إلى كهف صغير.
وقف الفارس عند المدخل للحراسة، فخفّف لواند وقع خطواته ودخل.
في الداخل المضاءة بالشموع، رأى البابا جالساً غارقاً في التفكير.
“ أحيّي قداستك.”
رفع البابا بصره وابتسم ابتسامة ودودة.
“ لقد مرّ وقت يا لواند. سمعت أن القديسة اختفت.”
“ نعم. بحثنا عنها بكل وسيلة… ولم نعثر عليها.”
“ لا بد أنّ هذا من فعل الإمبراطور. ولكن… هناك ما يثير الريبة. إذا كان قد احتجز القديسة… فلماذا لم يحتجزك أنت أيضاً؟“
رمقه البابا بنظرة شكّ.
تلقّى لواند النظرة ببرود دون تعليق.
ويبدو أنّ البابا لم يكن ينتظر إجابة، فأكمل قائلاً:
“ على كل حال… تلك الفتاة ليست بالغاية الكبرى. المهم هو الأميرة.”
“ الأميرة عاجزة عن النهوض حالياً.”
وفقاً لما وصله عبر الاتصال، فقد سقطت فجأة في نومٍ عميق ولم تستيقظ.
حتى إرسال كبار الكهنة لم يجدِ نفعاً.
“ تسك. هذا ما يحدث حين تبقى في مكان كهذا. لو كانت في هالين لما أصابها هذا الأمر. أغلب الظن أنّ قوة قدسية هائلة استيقظت فجأة، فلم يقدر جسدها على تحمّلها.”
ارتجّ قلب لواند الذي كان قلقاً عليها طوال الأيام الماضية…
‘ هل هذا صحيح حقاً؟‘
“ وماذا علينا أن نفعل إذن؟“
ظهر التوتر جليًّا في صوته.
“ ما الذي يمكن فعله؟ يجب أن نأخذها إلى هالين.”
لمع في عيني البابا بريق طمعٍ صريح موجَّه نحوها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 136"