وقفت داليا أمام باب مكتب الإمبراطور وملامح التوتر واضحة على وجهها.
فتح الخادم الباب لكنها بقيت واقفة مكانها دون أن تدخل، فبادرتها آني التي كانت تراقبها بنبرة حاثّة:
“سموّ الأميرة؟“
“…أتظنين أنني سأحسن الأمر؟“
نظرت آني إليها طويلًا.
الأميرة التي خدمتها طوال تلك السنوات أظهرت فجأة قوةً مقدسة.
والرأي العام الذي كان يصفها بالشريرة انقلب بين ليلة وضحاها إلى التعاطف والتأييد.
الآن فقط بدأت تفهم لماذا كانت الأميرة ترى المستقبل في أحلامها، ولماذا تستطيع رؤية ذلك الطائر الشفّاف.
لعلها قوة أخرى منبثقة من تلك الطاقة المقدسة النائمة داخلها.
لم تكن الأميرة يومًا تتصرف كما يتوقع الآخرون، لكنها كانت دائمًا تبذل قصارى جهدها.
أليس هذا كافيًا؟
لا تعلم ما الذي يقلقها إلى هذا الحد اليوم، لكن آني التي راقبتها طويلًا قالت بثقة:
“بالطبع. ستنجحين في كل شيء.”
حين التقت نظراتهما، ارتخت ملامح الأميرة المتصلبة قليلًا وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
“شكرًا لكِ. سأقوم بالأمر على أكمل وجه وأعود!”
تنفست آني بعمق وكأنها اتخذت قرارًا ما، ثم تابعت الأميرة بنظرات مشجعة وهي تدخل المكتب.
* * *
عند دخول داليا، انحنى أوريون وإيثان تحيةً ثم غادرا المكتب ليتركا المكان.
رفعت داليا ابتسامة متكلفة نحو الإمبراطور.
“صباح الخير جلالتك.”
ارتسم على وجهه شيء من الامتعاض.
“مهما كان فضولك بشأن مرسوم الإمبراطور، أليس الوقت مبكرًا أكثر من اللازم؟“
وأشار بنظره نحو النافذة كأنه يدعوها إلى تأمل شروق الشمس.
“كنت أعلم أن جلالتك تعمل حتى في مثل هذا الوقت.”
أجابت بجدية، فيما كانت عيناها تجولان فوق مكتبه.
لم تستطع كبح فضولها بشأن مرسوم الإمبراطور، ولذلك قصدت المكتب مع أول الصباح.
لكن لم يكن على المكتب سوى كتاب صغير يبدو عاديًا.
‘لا تقول إن هذا هو مرسوم الإمبراطور؟‘
حدّقت في الكتاب بريبة، فابتسم الإمبراطور وقال:
“نعم، هو بعينه.”
“لا أعرف طبيعة مرسوم الإمبراطور تحديدًا، لكن أليس صغيرًا جدًا لتسجيل تاريخ الأباطرة السابقين؟“
“إنه كتاب غامض.”
تناول غراي الكتاب الموضوع أمامه.
رغم أن مظهره يوحي بقلة صفحاته، إلا أن الصفحات تستمر في الظهور كلما قُلبت.
وعندما يموت الإمبراطور، يُسجَّل المحتوى تلقائيًا، ولا يُفتح إلا إذا سقطت قطرة من دم الإمبراطور على غلافه.
ولا يستطيع قراءته إلا الإمبراطور نفسه؛ أما غيره فلا يرى سوى صفحات بيضاء.
حتى إنه عرضَه صباحًا على أوريون قبل مجيء داليا، فجاء الرد كما هو متوقع: صفحات فارغة.
“كما قلتُ سابقًا، لا يستطيع قراءته سوى الإمبراطور.”
“نعم، قلتَ ذلك مرارًا.”
“ومع ذلك ما زلتِ تريدين رؤيته؟“
“نعم. أرِنيه لي.”
مدّت يدها بحزم.
أمسك غراي بفتّاحة الرسائل على المكتب وجرح إصبعه جرحًا خفيفًا.
“ما الذي تفعله الآن؟“
اقتربت بسرعة بعينين مذعورتين وأمسكت يده التي كانت قطرات الدم تتساقط منها وأوقفت النزيف بمنديلها وهي تنظر إليه بعتاب.
“لا يُفتح هذا الكتاب إلا إذا سقط عليه دم الإمبراطور.”
في الحقيقة تكفي قطرة واحدة، لكنه تعمّد أن يضغط أكثر قليلًا، لعلها تعجز عن قراءته.
“ماذا؟ أيّ كتاب غريب هذا؟“
اتسعت عيناها بدهشة، فضحك.
“هل عدلتِ عن رغبتك في رؤيته؟“
“…لا، ليس كذلك. عذرًا. ألا يمكن استخدام الدم الذي على هذا المنديل؟“
“فكرة مبتكرة. لم يسبق أن جُرِّب هذا.”
“إذًا سأجرب أنا.”
وقبل أن يمنعها، تناولت الكتاب ولامست الغلاف بالمنديل الملطخ بالدم.
وفجأة، وكأن الأمر سحر، انفتح الكتاب من تلقاء نفسه.
“لقد نجح!”
نظر غراي إلى الصفحات المفتوحة بدهشة.
“لم أتوقع أن ينجح فعلًا.”
“إذًا سأطالع الكتاب قليلًا.”
أومأ بالموافقة وهو يعلم أنها لن تستطيع قراءة شيء.
جلست داليا على الأريكة في زاوية المكتب وبدأت تقلب الصفحات بسرعة صفحةً بعد صفحة.
بدت نظرتها وهي تحدق في الكتاب مرتبكة.
كما توقّع… لن تستطيع قراءته.
* * *
لكنها كانت ترى الحروف بوضوح.
قال إن لا أحد غيره يستطيع قراءته، لكنها كانت تقرأه جيدًا.
راحت تقلب الصفحات بسرعة.
لم تكن مهتمة بسير الأباطرة السابقين.
الإمبراطور يبدو بصحة ممتازة. فلماذا يموت؟ وهو سيد سيف، ومن الصعب أن يُقتل على يد أحد.
لماذا يموت إمبراطور شاب قوي بهذه السرعة؟ لماذا؟
توالت الأسئلة في ذهنها وهي تقلب الصفحات بسرعة، وفجأة أخذت الصفحات تنقلب من تلقاء نفسها بسرعة أكبر، كأن الكتاب يحاول أن يجيب عن سؤالها، ثم توقفت عند صفحة بعينها.
“داليا، ماذا فعلتِ الآن؟“
سأل الإمبراطور بصوتٍ مرتبك، إذ يبدو أنه يرى الكتاب يقلب صفحاته وحده للمرة الأولى.
لكنها لم تستطع الإجابة.
تجمّد بصرها على الصفحة المتوقفة، كأن عينيها سُمِّرتا فيها.
[إذا ظهر نقشٌ أسود في دماء العائلة الإمبراطورية للوسيفون، فإن صاحبه يموت قبل بلوغه الخامسة والعشرين.]
هبط قلبها بعنف.
كلمة ‘النقش الأسود‘ اخترقت صدرها كالإبرة.
ارتسم في ذهنها تلقائيًا ذلك النقش الأسود الذي رأته على ظهره في مهرجان التأسيس، وفي الحلم.
راحت تقرأ بعينين مرتجفتين، فوجدت شرحًا أكثر تفصيلًا أسفل العبارة.
[هذا وصفٌ للَّعنة التي تصيب العائلة الإمبراطورية للوسيفون. الإمبراطور الذي يظهر على ظهره نقشٌ أسود يُختار عشوائيًا. من يظهر عليه النقش يموت بمرض، أو بحادث، أو يختفي في ظروفٍ غامضة.
والقاسم المشترك بينهم أنهم جميعًا يموتون قبل أن يبلغوا عيد ميلادهم الخامس والعشرين.]
لعنة العائلة الإمبراطورية؟
كيف لم يُعرف أمر كهذا في العالم حتى الآن؟
هل سيموت حقًا؟
وبتلك الأسباب المتعددة… أهذا يعني أنه قد يموت بأي طريقة؟
كم يبلغ عمره الآن؟
اختنق صدرها بالأفكار المتشابكة، فرفعت نظرها نحو المكتب حيث كان يجلس.
لكنه كان قد اقترب منها بالفعل.
حدّق فيها بعينين مضطربتين، ثم انتزع الكتاب من يديها.
وما إن وقع بصره على الصفحة التي كانت تقرؤها حتى اتسعت عيناه.
“…لا تقولي إنكِ قرأتِ هذا؟“
“……”
أطبقت داليا شفتيها ونظرت إليه بصمت.
تذكّرت فجأة.
كان على وشك أن يبلغ الخامسة والعشرين.
حدّقت فيه بوجهٍ شاحب وكأن الدم انسحب من جسدها كله.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
متى عيد ميلاده تحديدًا؟
كان عقلها مشوشًا بشدة حتى إنها لم تستطع التفكير.
أخذت جفونها تثقل والنعاس يغمرها.
“جلالتك…”
“داليا؟“
بدا صوته بعيدًا كأنه يناديها من مكانٍ قصي رغم أنه كان أمامها مباشرة.
صار وجهه يتلاشى أمام عينيها.
“عيد ميلادك… متى—”
سقط جسدها فجأة.
تداركها غراي مسرعًا بين ذراعيه.
لقد نامت فجأة أمام عينيه كما حدث من قبل.
بدأ قلبه يخفق بجنون.
الصفحة التي كانت تحدّق فيها تتحدث عن لعنة العائلة الإمبراطورية، سرٌّ لا يجوز أن ينكشف لأحد.
وخاصةً لها.
هل قرأتها حقًا؟
‘لا… فهذا الكتاب لا يمكن أن يقرؤه غير الإمبراطور.’
لكن السؤال الذي طرحته قبل أن تغفو ظلّ عالقًا في ذهنه.
‘ليتها لم تقرأه.’
أسند رأسها النائم إلى كتفه وتمنّى ذلك بإلحاح.
* * *
“الشخص الذي كنتم تنتظرونه قد وصل.”
لمع بريق شعرٍ ذهبي بين أوراق الشجر.
‘آه… إنه امتدادٌ لذلك الحلم السابق.’
كان صدرها يتمزق ألمًا لمجرد معرفتها بلعنة العائلة الإمبراطورية، فهل عليها الآن أن تعرف أيضًا المرأة التي يحبها حقًا؟
الأحلام التي تُري المستقبل كانت دائمًا قاسية عليها.
موت أمها. فناء العالم.
والآن… تُجبرها حتى على التأكد ممن يحب الرجل الذي تحبه.
أرادت أن تصرف نظرها، لكن في الأحلام لم يكن لها حرية الاختيار.
وكما توقعت، كانت صاحبة الشعر الذهبي المتلألئ هي القديسة هايدي.
مرّ بردٌ قارس عبر صدرها كريح الشمال.
‘إذًا… هي من يحب؟‘
سأل الإمبراطور بصوتٍ جاف:
“لماذا طلبتِ رؤيتي على انفراد؟“
أجابت:
“أتحبّ الأميرة داليا؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 129"