“لديّ ما أتحدث به مع الأميرة. اتركا المكان قليلًا.”
انتقلت نظراتهما إلى داليا، فأومأت برأسها إشارةً بالموافقة، فخرجا وأغلقا الباب بهدوء.
سحب غراي كرسيّ الطاولة الصغيرة وجلس قرب السرير.
عندها فقط التقت عيناه بعينيها مباشرة.
انعكس شكله بوضوح في عينيها البنفسجيتين الغامضتين.
من دون وعي، مدّ يده ولمس خدّها.
اتسعت عيناها بدهشة، لكنه لم يستطع أن يتراجع.
شعر بدفء بشرتها ينتقل إلى كفّه، وعندها فقط أحسّ أن قلبه المشدود بدأ يلين.
حين أُبلغ بأنها لا تستيقظ، توقّف عالمه.
لم يكن بوسعه فعل شيء.
كل ما استطاعه هو أن يقف فوقها يتأكد بعينيه مرارًا أنها ما تزال حيّة.
والآن، بعدما التقت نظراتهما، عاد عالمه يدور من جديد.
“توقفي عن ذلك يا داليا.”
“نعم؟“
نظرت إليه بعينين مستديرتين.
“عن تعريض نفسك للخطر. وعن الذهاب إلى أماكن خطيرة. عن كل ذلك. قلبي لم يعد يحتمل بسببك.”
أنزل يده عن خدّها وتحدّث بأقصى ما يستطيع من هدوء.
كان يخشى إن أظهر شدة رغبته في احتكارها أن تهرب منه في اللحظة التالية.
“بسببي؟ لماذا؟“
سألته ببراءة صافية.
عجز عن الرد، واكتفى بأن مرر يديه على وجهه متنهّدًا.
كيف يمكنه أن يشرح لها هذا الشعور الملتهب؟
حين وصله تقرير بظهور وحوش في دار الأيتام التي كانت فيها، شعر كأن قلبه سقط إلى الأرض.
وحين سمع أن القوة المقدسة انفجرت من جسدها وغطّت ضواحي العاصمة، أحسّ وكأن ذلك القلب الساقط قد سُحق تحت الأقدام.
في الأصل، ذهابها إلى دار الأيتام كان من أجله.
لتهدئة رعايا الإمبراطورية الذين اندفعوا إلى بوابات القصر غاضبين.
وفي النهاية، بفضل القوة المقدسة التي قاربت المعجزة، ارتفعت شعبيته أكثر، واختفت الشائعات السخيفة عنها كما يذوب الثلج.
لو كان كل ذلك لأجلها هي، لما كان قلبه يتألم بهذا الشكل.
في المقابل، كانت داليا تحدّق في الإمبراطور بينما تكبت قلقها بصعوبة.
‘جلالتك… هل ستموت حقًا؟ صحيح؟‘
كادت الكلمات تبلغ حلقها، لكنها عضّت على شفتيها بقوة لتمنعها من الخروج.
قبضت يديها، راغبة في أن تسأله فورًا إن كان حلمها حقيقة.
لكن حتى لو سألته، فسيبتسم ابتسامته المشرقة المعتادة ويتجنب الإجابة.
لذا عليها أن ترى مرسوم الإمبراطور بعينيها، بحيث لا يملك مهربًا.
“جلالتك، لديّ سؤال. هل تعرف شيئًا يُدعى مرسوم الإمبراطور؟“
“ولماذا تسألين فجأة عن ذلك؟“
“سمعت في مكان ما أن هناك كتابًا بهذا الاسم. في مملكتنا لا يوجد شيء يُسمى مرسوم الملك.”
تحدثت بما خطر على بالها.
“وماذا بعد؟“
“…إن كان موجودًا فعلًا، فأين يوجد؟“
سألته متظاهرة بالفضول.
“مرسوم الإمبراطور لا يقرأه إلا الإمبراطور.”
“آه، فهمت. لكن أين يوجد؟“
“هل سمعتِ ما قلتُه؟ قلت إنه لا يقرأه سواي.”
رفع حاجبًا بامتعاض.
“حسنًا، فهمت. لكن أين هو؟“
تنهّد وهو يحدّق فيها طويلًا.
“قولي بصراحة يا داليا. ما الذي تريدينه.”
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بثبات:
“أرني مرسوم الإمبراطور.”
“ولماذا؟“
“أنا الإمبراطورة المقبلة، أليس كذلك؟ أم أن هناك مرسومًا للإمبراطورة أيضًا؟“
“لا يوجد.”
“إذًا ينبغي أن أقرأ مرسوم الإمبراطور على الأقل.”
كانت تعلم أن طلبها غير منطقي، لكنها أصرت.
“داليا، أظنني كررت الأمر مرارًا. لا يستطيع قراءته سواي.”
“إن كنتُ عاجزًا عن قراءته، فالأجدر أن تريَني إياه.”
ضيّق عينيه كأنه يحاول استشفاف نواياها.
أخفضت بصرها متجنبة نظرته.
يبدو أنها أظهرت استعجالها أكثر مما ينبغي.
لكن الأحلام تُظهر المستقبل، والمستقبل يمكن تغييره.
لقد غيّرت أشياء عدة من قبل، وهي الآن تحاول تغيير مصير العالم نفسه.
فإن استطاعت قراءة المرسوم، ومعرفة مرضه على الأقل، فربما تتمكن من تغييره.
لن أسمح له أن يموت.
لذا لا تبكي.
لا يجوز لك أن تبكي.
كانت تحدّق إلى الأرض بلا هدف تحبس دموعها بالقوة لكن ذقنها أخذ يرتجف رغمًا عنها.
عندها دوّى صوت الإمبراطور مرتبكًا:
“داليا، أإلى هذا الحد ترغبين في رؤيته حتى تبكي؟ سأفعل كل ما تريدينه، لكن لا تبكي.”
حوّلت داليا نظرها إليه ببطء.
كان يحدّق فيها بعينين حائرتين لا يدري ماذا يفعل.
“حقًا؟“
“نعم. أرجوكِ لا تبكي. حين تبكين لا أعرف كيف أتصرف.”
“لن أبكي. متى يمكنني رؤيته؟“
استنشقت الهواء بقوة لتكبح دموعها.
يبدو أن صبرها على البكاء كوفئ.
“تعالي إلى مكتبي غدًا، وسأريكِ إياه حينها.”
“حسنًا!”
شعرت بأنه يتفحّص تعابير وجهها، فبادرت إلى النظر إليه وابتسمت ابتسامة مشرقة.
‘مهما حدث، لن أسمح لك أن تموت.’
* * *
نزل البابا ورئيس المحققين إلى القبو الواقع أسفل المطبخ من دون أن ينبسا بكلمة.
انحنى الفرسان المقدسين الذين كانوا يحرسون باب القبو تحيةً لهما.
“ابتعدوا.”
بأمرٍ من رئيس المحققين، غادر الفرسان المكان.
سدّ البابا ورئيس المحفقين أنفيهما بمنديلين ودخلا.
وعلى الرغم من ذلك، اندفعت إليهما رائحة عفنة نفّاذة تخز الأنوف.
صدر صوت احتكاك أجش من الأعماق.
في أقصى القبو كان هناك قفص ذهبي مشبع بالقوة المقدسة، وداخله وحشٌ ضخم يشبه العنكبوت مقيّد بالسلاسل.
تحت جسد الوحش تناثرت مئات البيوض البيضاء كتلٍ متراكمة، وبعضها كان قد فقس بالفعل، وراح الصغار يمزقون جلد أمّهم ويلتهمونه.
كانت عيناه القرمزيتان تحدّقان في البابا ورئيس المحققين بنظرة قاتلة وهو يلد صغاره بلا انقطاع ويُنهش في الوقت ذاته.
أطلق صرخة ألم حادة.
تقدّم البابا ببطء نحو القفص.
أمسك القضبان الذهبية وبدأ يصلّي، فازداد بريقها إشعاعًا بالقوة المقدسة.
تعالت صرخة الوحش ألمًا.
قال البابا:
“عندما اكتشفنا هذا المخلوق أول مرة، ظننتها تجربة من الإلهة. لذلك أخفيته سرًّا، وأردت أن أبحث عن طريقة للقضاء عليه نهائيًا.”
أومأ رئيس المحققين برأسه إجابةً.
“لكن ذلك المخلوق بدأ يضع البيوض. عندها أدركت أن هذا أيضًا جزء من سنّة الطبيعة. ترى لماذا خلقت الإلهة مخلوقًا كهذا؟ أمعنت التفكير طويلًا، ثم وصلت في النهاية إلى فهمٍ واحد: إنها إرادة عظيمة لتخضع هذا العالم كله تحت قدمي الإلهة. أليس كذلك؟“
“نعم. هذه الكائنات لا تخشى إلا القوة المقدسة.”
“صحيح، صحيح… لكن من كان يظن أن الإلهة سترسل معه قديسة أيضًا؟“
“لقد فوجئت أنا أيضًا. كنت أظن أن القديسة تُصنع بالتعليم فحسب…”
“يُقال إن أول قديسة في البدء اختارتها الإلهة بنفسها. وتلك الفتاة أيضًا لا بد أنها مختارة منها. قوة مقدسة تكفي لتغمر الضواحي بأسرها!”
لمعت في عيني البابا نظرة طمع.
كانت قوة هائلة حتى إنه هو نفسه لا يملك مثلها.
“آيريس أوفيريون. أليست ابنتي قد أنجبت قديسة حقيقية بحق؟“
بما أن آيريس تحمل لقبه، فهي ابنته.
وطفلة تلك الابنة هي أيضًا ملكٌ له.
“أبارك لك ولادة القديسة.”
ابتسم البابا راضيًا وهو يتلقى التحية.
“يبدو أن تلك الفتاة لن تتحرك بسهولة، لذا سأذهب بنفسي.”
“سأُعدّ الأمر.”
ألقى البابا نظرة عابرة على الوحش البشع القابع في القفص.
كأن إمبراطورية لووسيفون تجذب الوحوش إليها، إذ كانت الوحوش تتجمع هناك وحدها.
وذات مرة أفلت أحد الصغار، لكنه هو الآخر اتجه نحو إمبراطورية لووسيفون كما لو كان منجذبًا إليها.
مهما بلغت قوة إمبراطور لووسيفون، فلن يستطيع مواجهة هذا العدد دفعة واحدة.
“جهّزوا هذه الكائنات. سنبتلع لووسيفون ونفتتح عصر هالين.”
ارتسمت على شفتي البابا ابتسامة خبيثة.
“سمعًا وطاعة.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 128"