أطلق الوحش صرخة ألم مدوّية، ثم هوى جسده أرضًا بلا حراك.
ولمّا كان لواند غارقًا في قتاله، لم ينتبه إلا بعد ذلك إلى الجسيمات الذهبية المتناثرة في الأرجاء.
وحين لامست بيضة الوحش النابضة في يده ذلك الضوء الذهبي، تصلّبت فجأة كأنها حجر.
لقد فقدت الحياة.
أنزل البيضة إلى الأرض، ثم اندفع مسرعًا نحو مصدر الضوء.
وهناك، رأى داليا معلّقة في الهواء نصف ارتفاع، تحيط بها هالة ذهبية.
كانت مغمضة العينين يتدفّق من جسدها نورٌ مقدّس كالسيل حتى بدت كأنها قداسة متجسدة.
“…قدّيسة.”
ما إن نطق بالكلمة حتى اتسعت عيناه بدهشة فسارع إلى إطباق فمه.
القدّيسة كيان تُنشئه الإمبراطورية المقدسة في هالين وتربيه، لا مَن تظهر فجأة وهي تفيض بالقوة الإلهية بهذا الشكل.
ومع ذلك، فإن نقاء القوة المنبعثة من جسدها كان عاليًا إلى حدٍّ مذهل، حتى إن لونها بدا كذهبٍ منصهر يتدفق على الأرض.
ارتجفت كتفا لواند وهو يحدّق في المشهد.
لقد طمع البابا في الأميرة لمجرد أنها ابنة إيريس.
لكن الآن، وقد أظهرت قوة القدّيسة أيضًا…
سيسعى البابا جاهدًا لوضع يده عليها.
وعليه أن يحميها منه، مهما كلّف الأمر.
قبض لواند على قبضته بعزم، فاقترب منه كول.
“أخي… ما يخرج من جسد سمو الأميرة، أهو القوة المقدسة حقًا؟“
“…نعم.”
“وماذا يعني هذا؟ هل يمكن أن توجد قدّيستان؟“
أجاب لواند بهدوء ثقيل:
“من كانت قوتها الإلهية أعلى، هي التي ستصبح القدّيسة.”
اتسعت عينا كول.
كان مجرّد الوقوف بقرب الأميرة الآن يمنحه شعورًا بتطهير الجسد والروح.
وهو إحساس لم يشعر به قط تجاه تلك المرأة التي أعلنت نفسها قدّيسة.
أيًّا كان من ينظر، فالأميرة أقرب إلى القداسة منها.
ما الذي يحدث بالضبط؟
قال لواند بنبرة تحذير وهو يحوّل نظره عن داليا إلى كول:
“كول، من الآن فصاعدًا، يجب أن نحمي سمو الأميرة بإحكام أكبر.”
“…حسنًا.”
“ومنذ اليوم، نحن غريبان مجددًا.”
ردّ كول فورًا مبدّلًا أسلوب خطابه:
“مفهوم، سيدي القائد.”
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي لواند.
“لا تسأل عن السبب.”
“عندما اختفيت فجأة، افترضت أن لديك سببًا. ومهما كان، كنت واثقًا أنه لن يضرّ سمو الأميرة. في الحقيقة، توفيت جلالة الملكة في الوقت ذاته تقريبًا، فلم يكن لديّ متّسع لأفكر في الأمر.”
كانت الملكة بالنسبة لكول محسنةً عظيمة، فقد فتحت له باب حياة جديدة.
وعندما توفيت، كان حزنه وصدمته كبيرين إلى حدٍّ أنه لم يدرك اختفاء أخيه إلا لاحقًا.
عند ذكر وفاة الملكة، أومأ لواند بصمت ووجهه متجهم.
ثم قال كول بخفة:
“هناك أمر واحد فقط يثير فضولي. كيف اخترت اسم لواند؟“
“عندما كنت تعمل في القصر الملكي، ذهبت لزيارتك، وهناك منحتني سمو الأميرة داليا وجلالة الملكة هذا الاسم معًا.”
ابتسم كول قائلًا مازحًا:
“من المطمئن أنه ليس لوآندلياندروأندرا… أو فاند.”
ضحك لواند بخفة، فضحك كول معه.
ثم تبادلا نظرة صامتة، وحدّقا في الأميرة معًا، وجددّا في داخلهما العهد بحمايتها.
* * *
حاولت داليا أن تدير رأسها في أرجاء مكتب الإمبراطور المألوف لها، لكنها لم تستطع تحريك جسدها كما تشاء.
لقد كانت تحلم.
في تلك اللحظة، رأت الإمبراطور يبدّل ملابسه.
ولفت نظرها ذلك النقش الأسود على ظهره.
شهقت وهي تركز نظرها على العلامة قبل أن تخفيها قماشه.
كانت العلامة ذاتها التي رأتها في المهرجان سابقًا.
ما الذي تعنيه تلك العلامة؟
“أحقًا ستموت؟“
دوّى صوت امرأة مألوف بنبرة حادة.
اتسعت عينا داليا دهشة.
كانت هذه أول مرة تسمع صوتها داخل حلم.
استدار الإمبراطور بدهشة، وللحظة خُيّل إليها أن عينيه التقتا بعينيها.
“لاتبكي…”
لم تكن تعلم من قبل أن الإمبراطور قادر على إظهار مثل هذا الحزن العميق.
‘إذًا، أنا أبكي في الحلم.’
“أسألك، هل ستموت حقًا؟!”
“…نعم.”
‘ماذا؟ سيموت الإمبراطور؟‘
شعرت بأطرافها تبرد فجأة، وركّزت أكثر في الحلم.
“حتى متى كنت تنوي أن تخفي الأمر عني؟“
لم تكن تعلم أنها قادرة على إخراج نبرة باردة كهذه.
“طوال حياتي. كنت أتمنى أن تبقي جاهلة بالأمر إلى الأبد.”
ضحكت بسخرية مكتومة:
“هاه… والآن عرفتُ. كنت تنوي خداعي مدى الحياة، فماذا ستفعل بعد أن انكشف أمرك؟“
نظر إليها بحدة وسأل:
“مرسوم الإمبراطور لا يقرأه إلا الإمبراطور. فكيف استطعتِ قراءته؟“
صرخت باختناق:
“هذا ليس المهم الآن!”
حين تعالت شهقاتها في الحلم، طأطأ رأسه.
“آسف… لأني لم أستطع إخبارك.”
كان صوته مثقلًا بالألم.
شعرت داليا وكأن قلبها يُمزَّق.
‘الإمبراطور سيموت؟ متى؟ ولماذا؟ وكيف؟‘
‘مرسوم الإمبراطور… يجب أن أراه.’
‘عليّ أن أستيقظ سريعًا. كيف أستيقظ؟‘
عندها، رفع الإمبراطور رأسه ببطء، وحدّق فيها طويلًا، ثم همس:
“داليا، لستِ مضطرة للزواج مني.”
* * *
“لا!”
صرخت داليا وهي تنتفض من الحلم.
“سمو الأميرة، هل أنتِ بخير؟“
على صوت آني، رمشت داليا بعينين ضبابيتين ونظرت حولها ببطء.
كانت آني تقف عند رأس السرير تحدّق إليها بوجه يفيض قلقًا.
وما إن رأت تعابيرها حتى فهمت الموقف.
“آني… هل نمتُ طويلًا؟“
“نعم. ظللتِ نائمة يومًا كاملًا.”
قدّمت لها كأس ماء فارتشفت منه لترطّب حلقها الجاف.
كان في الغرفة شيء من الاضطراب، فحوّلت نظرها لترى في أحد الأركان كول ولواند… والإمبراطور.
وما إن التقت عيناها بعينيه حتى تقدم إليها مباشرة.
“هل أنتِ بخير؟“
“جلالتك…”
تذكّرت الحلم الذي رأته قبل قليل، فاختنق صوتها ولم تستطع إكمال كلماتها.
كانت عيناه وهو ينظر إليها من علٍ ممتلئتين بالقلق.
“هل تشعرين بألم في مكان ما؟ طبيب القصر قال إنك بخير. لكنه لا يفقه الكثير عن القوة المقدسة… أيها القائد، هل داليا بخير فعلًا؟“
اقترب لواند من السرير والتقت عيناه بعينيها.
“سمو الأميرة، هل تشعرين بأي انزعاج جسدي؟“
هزّت رأسها ببطء.
كان جسدها خفيفًا، كأنها نالت نومًا عميقًا بعد طول إرهاق، بل وتشعر بطاقة تسري في عروقها.
الألم الوحيد كان في قلبها بسبب ذلك الحلم.
“أنا بخير. ولست متعبة إطلاقًا.”
قطّب الإمبراطور حاجبيه قليلًا وسأل:
“إذًا لماذا هذا التعبير على وجهكِ؟“
حالما سمعت صوته، بدأ اضطراب قلبها يهدأ.
حدّقت فيه طويلًا وهي ترتّب أفكارها في صمت.
يجب أن تقرأ مرسوم الإمبراطور بنفسها.
لكن كيف تجده؟ بما أنه مرسومه، فلا بد أنه محفوظ في مكان لا يعلمه سواه.
ولما طال صمتها، ناداها بنبرة استعجال خفيفة:
“داليا.”
“أنا بخير حقًا. فقط أشعر ببعض التشوش لأنني نمت طويلًا.”
“إن كنتِ بخير فعلًا، فهل يمكننا أن نتحدث قليلًا؟“
أومأت برأسها موافقة.
قال الإمبراطور بصوت يشي بالضيق:
“ما حدث في دار الأيتام انتشر كالنار في الهشيم. لقد أصبحتِ قدّيسة أخرى. القوة المقدسة التي فاضت من جسدكِ كانت هائلة لدرجة أنها امتدت إلى ضواحي العاصمة كلها، ولم يكن بالإمكان إخفاؤها.”
ثم أضاف لواند:
“قداسة البابا سيأمر بإحضار سمو الأميرة. في الحقيقة، كان ينوي ذلك منذ قبل، لكن ما حدث اليوم منحه الحجة.”
ازدادت تجاعيد القلق بين حاجبي الإمبراطور.
“داليا، ما رأيكِ؟“
رفعت صوتها فورًا:
“لن أذهب! أنا لست قدّيسة، بل الإمبراطورة المستقبلية لإمبراطورية لووسيفون!”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الإمبراطور، بينما تصلّبت ملامح لواند قليلًا.
قال الإمبراطور بحزم:
“سمعتَ رأيها. لا أعلم لماذا يصرّ القائد على نقل نوايا البابا بهذه الصراحة، لكنني لا أنوي إرسال داليا إلى الإمبراطورية المقدسة هالين.”
التعليقات لهذا الفصل " 127"