في مكتب لواند كانت داليا تجلس قبالته وتشرب فنجانها الثاني من الشاي بصمت.
كان هذا أوّل حديث يجمعهما بعد انكشاف حقيقة وجود الوحوش، ولهذا كان حلقها جافًا تمامًا.
كانت تتساءل إلى أيّ حدّ يعرف هو عن تلك المخلوقات، لكنها تشكّ في أنه سيكشف لها كل شيء بصدق.
ولذلك قررت ترك فضولها جانبًا والبدء بموضوع طلب الحراسة أوّلًا.
لكنها كانت تفكّر في كيفية إقناعه… إلى أن ابتسم هو ابتسامة هادئة وبدأ بالحديث.
“يا أميرة، إن كان لديك ما تودّين قوله فقولي براحتك.”
“ألستَ منشغلًا هذه الأيام؟“
“بفضل جلالة الإمبراطور، أحظى ببعض الوقت الفارغ منذ فترة.”
قالها بنبرة باردة وهو لا يُخفي امتعاضه من الإمبراطور.
أومأت داليا بتوتر وهي تتردّد: فهو يكره الإمبراطور بوضوح… فهل يصحّ أن تطلب منه شيئًا قد يصبّ في مصلحة ذلك الإمبراطور؟
فهي، باعتبارها الإمبراطورة المستقبلية، كلّ ما تفعله سيعود بالنفع على الإمبراطور.
ولمّا ظلّت متردّدة صامتة، سأَلها لواند مرة أخرى:
“تحدّثي بصراحة يا أميرة.”
“بما أنك في فترة راحة… أردتُ أن أخبرك أنني أنوي الخروج. هل يمكن أن أطلب مرافقتك كحارس لي؟“
“الخروج؟ تقصدين مغادرة القصر الإمبراطوري؟“
“نعم.”
ألقى لواند نظرة نحو كول الواقف خلفها، وكأنه يسأله: “لماذا لم تمنعها؟“
لكن كول ردّ بنظرة ترجوه فيها أن يمنعها هو بنفسه.
أعاد لواند نظره نحو الأميرة وهزّ رأسه قليلًا.
“من الأفضل ألّا تخرجي. الوحوش أخطر بكثير مما تتخيلين.”
“أعرف. ولهذا جئت لأطلب مساعدتك بالتحديد.”
“ولماذا تريدين الخروج أصلًا؟“
“هل تذكر الخادمة الصغيرة التي رأيناها سابقًا؟ تبيّن أن دار الأيتام التي تعيش فيها تقع في أطراف العاصمة. أريد البدء من هناك… أريد مساعدة الأماكن التي تُهمَل عادة.”
اتّسعت عينا لواند بدهشة.
لقد لمح خلف داليا صورة الملكة الراحلة.
فالملكة ضحّت بحياتها لإنقاذه، مع أنه لم يكن سوى يتيم بلا سند.
وها هي ابنتها الأميرة نفسها تفكّر بالخروج إلى أماكن خطرة من أجل أيتام آخرين.
ارتفع صوته شيئًا فشيئًا، وكأن أمطار ذلك اليوم البارد تعود لتسقط على وجهه من جديد.
كان يؤمن دائمًا أن من كان يجب أن يعيش هو الملكة، لا هو.
لطالما سأل نفسه آلاف المرات: لماذا قامت بتلك التضحية السخيفة؟ لكنه لن يسمع جوابًا أبدًا.
والآن… ابنتها الوحيدة تكرر نفس الفعل.
نظرت آني نحو كول بقلق، خشية أن تُؤذيه كلمات لواند بما أنه من دار أيتام.
لكن كول كان ينظر إلى لواند بدهشة، دون أن يبدو عليه الانزعاج.
أمّا داليا، وبعد تفكير قصير، قالت بنبرة هادئة ومدروسة:
“إن سألتَني لماذا… فلأنني قادرة على ذلك. أفعل ما أستطيع فعله. الجميع مشغولون: جلالته والفرسان في دوريات، والموظفون غارقون في أعمالهم… أمّا أنا فلدي الكثير من الوقت.”
“…..”
ظلّ لواند يحدّق فيها عاجزًا عن الكلام.
“أفعل ذلك لأنني أستطيع“…
وتحوّلت قطرات المطر الباردة التي شعر بها إلى مطر غزير، وبدا له وجه الملكة وهي تتقدم نحوه في ذلك اليوم… بعجلة، وبحزن، وبابتسامة باهتة؛ كلّها كانت محبة خالصة لإنقاذه.
‘… مولاتي، سامحيني. وشكرًا لكِ.’
غطّى عينيه بيده للحظة وهو يهمس بتلك الكلمات في داخله، عندها قالت الأميرة:
“ثم… أنا لا أنوي الموت. ولهذا جئت أطلب مساعدتك.”
عندها تلاشى كل ما كان يشعر به، كأنه استيقظ من حلم.
طلب الأميرة…
لم يكن قادرًا لا على رفضه، ولا حتى على التفكير في رفضه.
“سأحميكِ يا أميرة.”
فهذا هو السبب الذي جعله يصبح سيّد السيف أصلاً… ليحميها.
أضاء وجه داليا بفرح.
“شكرً—”
“ألستُ أنا الشخص الذي يجب أن تحميه يا قائد الفرسان؟“
قاطعتها هايدي التي دخلت المكتب دون أن يشعر أحد.
وكان مساعد لواند يقف خلفها معتذرًا بنظراته.
قالت داليا:
“مرحبًا، أيتها القديسة.”
جلست هايدي في المقعد المجاور لـ لواند، وكأنها تعلن ملكيّتها له.
ثم ابتسمت لداليا ابتسامة لطيفة وقالت:
“ألا ترين يا أميرة أن بقائكِ بأمان داخل القصر أفضل… من عدة نواحٍ؟“
“من عدة نواحٍ؟“
“نعم. فأنتِ هشة للغاية. وإن خرجتِ بتهوّر— آه، معذرة— إن تحركتِ بلا تفكير وتعرضتِ للخطر، فسيُلام جلالة الإمبراطور على سوء اختياره لخطبتك، وفوق ذلك سيُقال إنه عاجز حتى عن حماية خطيبته من الوحوش.”
“هايدي!”
التفت اواند نحوها بحدة، وكانت البرودة المتساقطة من ملامحه كافية لتجميد الهواء.
كانت نظرته تحمل تحذيرًا واضحًا: إيّاكِ أن تتجاوزي حدّك مع الأميرة.
مع أنه لطيف معها دومًا، إلا أنّ هايدي شعرت بغضب يكاد ينهش صدرها— غيرة من الأميرة، وطمعًا في لواند نفسه.
وفهم لواند ما في قلبها، فازدادت نظرته صلابة.
نهض من مكانه، ثم مدّ يده لداليا.
“أخبريني بوقت خروجك يا أميرة، وسآتي لاصطحابك.”
“نعم، سأخبرك.”
لم ترغب داليا بالتورط في التوتر الذي اشتعل بين الاثنين، فسارعت بالنهوض والخروج من المكتب.
“حسنًا، سأتواصل معك.”
لم تُرِد داليا التورط في المواجهة المتوترة بين الاثنين، فنهضت سريعًا وغادرت المكتب.
وغمر الصمت المكان بعد خروجها.
وكانت هايدي أوّل من قطع ذلك الصمت.
“لماذا تصرّ على مرافقة الأميرة وحمايتها؟“
فقال لواند:
“هل نسيـتِ أمر قداسة البابا؟ لقد أمر بأن نُحضر الأميرة إلى هالين.”
حدّقت هايدي فيه بعينين ممتلئتين بالامتعاض.
لم تتوقع أن يستخدم البابا ذريعةً ليردّ عليها.
فالكل—البابا، ولواند، وحتى إمبراطور هذه الإمبراطورية—يبدو أنهم لا يستطيعون إلا الدوران حول الأميرة!
“هل هذا حقًا السبب؟“
“إن أصابها مكروه… هل تظنين أن قداسته سيغفر لكِ أو لي؟“
ارتجفت هايدي عند سماع كلماته القاطعة.
لقد كادت، باندفاعها في دور “القديسة“، أن تنسى أهم قاعدة:
أوامر البابا مطلقة، ولا تُناقش.
قداسته لم يكن يعطي فرصة ثانية.
فعندما كانت تتلقى تدريب القديسة، كان هناك الكثير من الزميلات اللواتي حلمن بالمنصب.
لكن من ارتكبت فيهن خطأ… اختفت واحدة تلو الأخرى، وبقيت هي وحدها في النهاية.
لواند الذي كان يراقب وجهها الشاحب بلا اكتراث، قال:
“هل فهمتِ الآن؟“
“… نعم. طالما أن قداسته يريد الأميرة، فعلينا ضمان سلامتها. لكن ما لا أفهمه هو: لماذا يريد قداسته الأميرة فجأة؟“
“لا أعلم. بل أسألكِ أنا أيضًا. هل لديكِ كقديسة معلومة عن الوحوش أجهلها؟“
“لا.”
حدّق الاثنان أحدهما في الآخر، كلٌّ منهما يحاول كشف حقيقة الآخر.
ثم صرفا أبصارهما في الوقت نفسه، كي لا ينكشف الكذب الذي أطلقاه.
* * *
في مكان آخر…
صرخت الأميرة تيارا:
“حضرتِكِ يا الأميرة داليا تريدين الذهاب إلى دار الأيتام؟! ولماذا لا تصحبينني معك؟“
حدّقت داليا فيها بدهشة تامة.
كانت بعثة إمبراطورية كيزيا قد غادرت كلها، ولم تبقَ سوى تيارا وحدها بحجة رغبتها في حضور حفل زفاف صديقة.
والآن تريد أن ترافقها إلى دار الأيتام أيضًا؟
هل عليهما أن تقتنيا خاتم صداقة قريبًا؟!
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 123"