✿ الفصل 121 ✿
في تلك الأثناء، ابتسمت هايدي في سرّها.
فقد كانت مراقبة الإمبراطور تمنعها من التحرّك بحريّة، ومع ذلك كان واضحًا أنّ داخل الإمبراطورية قوًى تناهضه.
وكانت تلك القوى تستهدف الأميرة الضعيفة بدلًا من الإمبراطور الراسخ.
خطر لها وجه الأميرة التي تتصنّع البراءة.
هل ستظلّ قادرة على التظاهر بالثبات وسط الشائعات السوداء التي تنهال عليها؟
لا يُعقل، فهي زهرة تربّت في دفيئة، ولن تتحمّل ذلك.
يجب زعزعتها رويدًا رويدًا حتى تتباعد المسافة بينها وبين الإمبراطور، فلا يعود لها ملجأ تعتمد عليه.
وبعدها… يمكن نقلها بكل بساطة إلى الإمبراطورية المقدّسة كما يشاء البابا.
لم تعرف ما الذي يريده البابا منها، لكنّه لو استسلمت هي بنفسها للشائعات والافتراءات وانتهى بها الأمر… لما كان ذلك سيئًا في نظرها.
أخفت هايدي خيبةً طفيفة، ثم حدّقت بالجمع أمامها بابتسامة وادعة.
“أعرف جيّدًا ما يعتمل في صدوركم من خوف. وليس من يحفظكم إلا الإلهة. آمنوا بها، فالإمبراطورية المقدّسة في هالين تحتضنكم جميعًا.”
هِييينغ!
دوّى صهيل فرس من خلف الحشود.
وعندما التفت الناس، رأوا الإمبراطور وفرسان الحرس الإمبراطوري مصطفّين.
كان في طريق عودته من جولة تفقديّة أخرى في المناطق الخطرة حيث تظهر الوحوش.
فقد كان يخرج بنفسه مرات عدّة كل يوم.
دَقّ… دَقّ…
“نحيّي جلالة الإمبراطور!”
تفرّق الجمع جانبًا ليُفسحوا الطريق له وللفرسان.
ورغم أنهم جاؤوا حتى أمام القصر بدافع الخوف، إلا أنه لم يكن من رعايا الإمبراطورية من يجرؤ على رفع صوته في حضرة الإمبراطور الذي يجلّونه ويثقون به.
لذا كان غضبهم موجّهًا نحو أميرة مملكة أخرى بدلًا من أن يُوجَّه إليه.
اقترب الإمبراطور ممتطيًا جواده حتى وقف قبالة القديسة وحدّق بها من علٍ.
“لقد حذّرتك سابقًا يا قديسة، قلت لك ألا تتصرّفي بطيش.”
“أجل، ولكن… ألا يلزم أحدٌ يهدّئ نفوسهم الغاضبة؟ الأميرة الضعيفة لا تستطيع الخروج إلى هنا، فكان عليّ أن أصغي إلى مخاوفهم.”
“وليس لتحريضهم؟“
“مُحال. أردت فقط تهدئة خوفهم.”
قالت القديسة ذلك ببرود تام.
مسح الإمبراطور بنظره مئات الأشخاص المتجمعين أمام القصر.
إنهم يرتجفون خوفًا بسبب بضعة وحوش لا أكثر.
لكن هل يدرون؟ أن الأميرة التي يصفونها بالشريرة قرّرت الزواج من رجل لا تحبه فقط لتحميهم من عشرات الآلاف من الوحوش التي ستهبط من السماء؟
إنهم يشتمونها دون أن يعرفوا تضحيتها… ومع ذلك لا يمكن اعتقالهم، فهم أيضًا ضحايا لمكائد الماركيزة.
قال الإمبراطور:
“لقد وعدتُكم. سأقضي عليها. ومن يثق بي فليغادر المكان فورًا.”
عندها فرّ الرجل الذي كان يقود الصياح أوّلًا، كأن النار اشتعلت في ذيله.
وسرعان ما بدأ الجمع كله يتبدد بسرعة كالجزر المنحسر.
راقبت هايدي المشهد بعينين ممتلئتين بالغيظ، تعاضّ على شفتيها.
‘لو تأخّر الإمبراطور قليلًا فقط، لتمكنت من تأجيجهم أكثر.’
قال الإمبراطور وهو يرمقها بنظرة حادّة:
“القديسة وسيد السيف الوحيد في الإمبراطورية المقدّسة موجودان هنا، ومع ذلك لا يكلّف البابا نفسه حتى عناء استدعائكما. أيريد منكما فقط جمع المؤمنين له؟“
“هذا أمر طبيعي. قداسة البابا يريد للإلهة أن تضمّ جميع الإمبراطوريات برعايتها.”
قال الإمبراطور:
“غريب… البابا والقديسة، كلاكما يبدو كأن ظهور الوحوش يسعدكم.”
“هذا—”
همّت بالاعتراض، لكنه تجاهلها ومضى.
حدّقت هايدي في ظهره بنظرة ممتلئة استياءً، لكنها حين التقت عيناها بنظرة لواند الثقيلة، أسرعت تصرف بصرها.
كانت تخشى أن يكتشف الأمر الذي أوصاها البابا بألّا تبوح له به مطلقًا.
* * *
توجّه غراي مباشرة إلى قصر الكريستال.
فداليا لا شك سمعت تلك الشائعات أيضًا.
التي ضحّت بنفسها لمنع دمار العالم… باتت الآن تُنعت بالشريرة.
هل تبكي حزنًا الآن؟ وهل يستطيع هو أن يقف متفرجًا على دموعها؟
“هارت، ألم أُحسن؟ هاها…”
لكن على خلاف ما توقّع، وصل إلى باب غرفتها فسمع ضحكات صافية.
طرق الباب بدهشة فهرعت هارت لفتحه وعندما رأت الإمبراطور، انحنى بسرعة.
“نحيّي جلالتك.”
“ما الذي أتى بك إلى هنا جلالتك؟“
كانت داليا واقفة وهي تمسك بسيف خشبي.
هي وداليا… والسيف؟ ما أشدّ عدم الانسجام بينهما!
“ما الذي تفعلينه الآن؟“
“كنتُ أُري هارت مهارتي في المبارزة.”
سمع حماسها، فألقى نظرة على هارت الواقفة خلفها.
قالت هارت:
“مفاجأة… لكنها تجيده فعلًا.”
تطلّع غراي إلى داليا بوجه يشي بالدهشة الحقيقية.
“أهممم.”
رفعت ذقنها بفخر.
والتفكير يعود به فجأة… كانت تجيد التدحرج، وقالت إنها تجيد الفروسية أيضًا (وإن لم يرَ ذلك بنفسه بعد). والآن… المبارزة؟
“ما الذي لا تجيدينه؟“
ضحكت حيال سؤاله الجاد.
“أُجيد الكثير. كان لدي وقت طويل كما تعلم.”
فلو كانت أميرة من مملكة اخرى، لانشغلت بنشاطات المجتمع الراقي، لكنها عاشت هي دون لقاء أحد بحرّية تامة.
ما كان لديها وفير من الوقت… وما تملكه كثير من القوة البدنية.
لذا استطاعت إقناع كول بتعليمها الكثير.
“رائع.”
وعندما تبادلت معه نظرة شكّ مستغربة من هذا الإطراء المفاجئ، ابتسم ابتسامة خفيفة.
“هذه المرّة… مدحٌ حقيقي.”
عندها فقط ابتسمت هي أيضًا، وسلّمت السيف الخشبي إلى كول.
“ولكن… ما الذي جاء بك دون أي إخطار مسبق؟“
فالإمبراطور عادةً ما كان يرسل إشعارًا قبل زيارته.
“أردتُ أن أتأكد أنك بخير.”
“نعم؟ ماذا تقصد؟“
حدّقت به داليا وقد ارتسمت الحيرة على وجهها، بينما كان يراقب تعابيرها بصمت، ثم هزّ رأسه كأن الأمر لا يستحق الذكر.
“تحقّقتُ، وهذا يكفي. سأغادر الآن.”
“لحظة واحدة، لدي ما أودّ قوله أيضًا. هل يخرج الجميع قليلًا؟“
وما إن خرج الآخرون، حتى بقي الاثنان وحدهما في الغرفة.
أدارت داليا عينيها بارتباك قليل، ثم أشارت إلى طاولة الشاي.
“هل تودّ بعض الكاكاو؟“
“لن أرفض. عمّا أردتِ الحديث؟“
وما إن جلس، حتى فتحت داليا فمها بعد أن بدا أنها عقدت العزم.
“تنتشر شائعات هذه الأيام… يقولون إنني شريرة.”
اتّسعت عينا غراي.
إذن فقد سمعت الشائعات هي الأخرى.
“علمتِ بالأمر إذن.”
“أوه! جلالتك تعرف أيضًا؟“
“أجل. سمعتُ بأقوال ما كان ينبغي أن تصلك بسببي. أعتذر. وإن كان في نفسك شيء فخذي عليّ حقًا.”
“ولماذا أفعل ذلك؟“
سألت داليا باستغراب حقيقي.
“ألن يزعجك أن تُتهمي بشيء غير صحيح؟“
“بما أنّه غير صحيح أصلاً… فلم أشعر بالانزعاج.”
أمالت رأسها قليلًا، وهمست لنفسها بصوت منخفض:
“هل كان من المفترض أن أنزعج؟“
ابتسم غراي دون أن يشعر.
اشتعل صدره بحرارة مفاجئة؛ لقد كان حبه لها يندفع بقوة لا يمكنه السيطرة عليها.
وعندما بلغ ذلك الشعور ذروته، شدّ على أسنانه استعدادًا للألم.
وكما توقع—اندفع الألم في ظهره، كأن شيئًا يكاد يمزّقه.
لكن هذه المرة… كان مستعدًا، فلم يظهر أي علامة أمامها.
قبضته المشدودة وحدها كانت مبللة بالعرق.
وبينما كان الألم يخفت قليلًا… جاءت كلماتها التالية لتُنسيه كل شيء:
“يجب أن أخرج إلى الخارج.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 121"