✿ الفصل 117 ✿
* * *
دخلت ماري غرفة أربان وهي بكامل زينتها وأناقتها.
كان يجلس على السرير شارد الذهن، يحدّق عبر النافذة بوجه خالٍ من التعبير.
أدار رأسه ببطء نحوها، وما إن رآها حتى أشرق وجهه.
“أمي، تبدين جميلة للغاية. هل ستخرجين؟“
“نعم. سأذهب إلى القصر الإمبراطوري للقاء الأميرة.”
“إلى القصر؟ هل أرافقك؟“
لمعت عيناه وأزاح الغطاء كأنه على وشك النهوض فورًا، لكن حركته كانت واهنة بلا قوة.
نظرت إليه ماري بنظرة ازدراء خفية، ونقرت بلسانها.
“أربان، أليس من الأفضل أن تبدأ بالعلاج أولًا؟“
“لا أفهم أي علاج تقصدين.”
مال رأسه قليلًا، وأجاب بوجه بريء صافٍ.
“تؤذي نفسك، وترفض الطعام. بل وخالفت أمر أمك أمس بألا تقابل أحدًا، أليس كذلك؟“
تعمّدت ماري أن تتحدث ببطء، تراقب ردّة فعله بدقة.
“حين أستعيد القدرة على تحريك ذراعي اليمنى، سيصبح كل شيء بخير يا أمي.”
قال ذلك وهو يهز كتفه الأيمن، كأن ذراعه ما زالت موجودة.
هبطت نظرة ماري ببرود.
أيعقل أن ابنها قد فقد صوابه حقًا؟
كان التنويم يسير بإحكام، لكن منذ وقت ما، صار يؤذي نفسه كلما وقعت يده على شيء حاد.
سألت الطبيب الخاص، فأرجع الأمر إلى “اضطراب ما بعد الصدمة” نتيجة فقدان الذراع، وقال إنه عرض مؤقت.
صدّقت وانتظرت… لكن تصرّفاته الغريبة ازدادت سوءًا.
رفض علاج الجرح في موضع الذراع، ثم بدأ يرفض الطعام أيضًا.
ولأن أوراق الشاي كانت الوسيلة اللازمة للتنويم، فإن رفضه الأكل جعل استمرار التنويم مستحيلًا.
حبسته في الغرفة وحاولت إجباره على الطعام، لكنه كان يُدخل أصابعه في حلقه ويتقيأ كل ما يأكله فورًا.
لم يكن أربان يعلم تفاصيل خطتها، لكنه كان قد استشعر أنها تسعى لإيصاله إلى العرش.
فهل أدرك أمر التنويم أيضًا؟
امتلأت عينا ماري بريبة ثقيلة وهي تنظر إليه.
أيمكن أنه يتظاهر بالجنون ليتفادى التنويم؟
إن كان ابنها الطيب الساذج قد بلغ حدّ استخدام مثل هذه الحيلة، فذلك أمر يُرضيها.
فهو دليل على أنه بدأ يشتدّ عودًا.
لكن الأمر تجاوز الحد.
انسابت نظرتها الباردة على جسده النحيل.
بحسب الطبيب، إن استمر على رفض الطعام والعلاج، فستصبح حياته في خطر.
إن مات هكذا، فسينتقل العرش إلى فيفيانا أو أحد الفروع الجانبية للعائلة.
وذلك ما لا يمكن السماح به.
“أربان، لم يعد بإمكاني تركك تفعل ما تشاء. قد يأتي ليو مجددًا، لذا سننقلك إلى غرفة أخرى.”
“كما تشائين يا أمي.”
ابتسم ببراءة وأومأ.
تعلن حبسه ومنعه من لقاء أي أحد… وهو يبتسم هكذا؟
أحقًا فقد عقله؟
“أيها كبير الخدم. انقلوا أربان إلى الطابق السفلي. وأطعموه بأي وسيلة.”
“…حسنًا.”
رمقته بنظرة باردة أخيرة ثم غادرت الغرفة.
تقدّم كبير الخدم نحوه بعينين مشفقتين وأسنده بلطف.
“سيدي الشاب، يجب أن ننتقل الآن. سأساعدك.”
“إن نزلت إلى الطابق السفلي فلن أرى الشمس مجددًا… هل يمكنني أن أخرج قليلًا إلى الحديقة أولًا؟“
“نعم، سأرافقك.”
* * *
بمساندة كبير الخدم، خرج أربان إلى الفناء الخلفي المشمس وأشار إلى مقعد خشبي.
حتى مع المساعدة، كان المشي لمسافة قصيرة مرهقًا له.
“سأجلس هنا قليلًا. عد بعد ساعة.”
“لا يا سيدي. سأبقى إلى جانبك.”
ابتسم أربان ابتسامة باهتة.
“لا أستطيع التحرك دون مساعدتك، فلا حاجة لمراقبتي إلى هذا الحد.”
“ليست مراقبة يا سيدي… بل قلق عليك.”
أجاب كبير الخدم على عجل مرتبكًا.
“أعلم أنك تهتم بي. لذلك… قبل أن أُحبس في الأسفل، هل تلبي لي طلبًا أخيرًا؟“
“…حسنًا يا سيدي. إن احتجت شيئًا، نادني في أي وقت.”
“شكرًا.”
راح أربان يتأمل الفناء الذي لم يره منذ زمن، حتى توقفت عيناه عند شجرة.
شجرة زرعها مع والديه في طفولته وقد كبرت الآن وازدانت بأوراق كثيفة.
‘أربان، يجب أن تنمو قويًا مثل هذه الشجرة.’
قال له والده، الذي كان يعاني من مرض مزمن.
كان قد سمع من البستاني أن زرع شجرة بعمر الطفل قد يجلب له الصحة والقوة، فاختار شجرة بعمر أربان وزرعها بنفسه.
‘أنا قوي يا أبي. آكل جيدًا وأتمرن بجد.’
‘أحسنت يا بني. إكبر قويًا، واحمِ أمك.’
‘نعم يا أبي.’
‘وهل تنوي أن تتركني دون حماية؟‘
قالت أمه ذلك مازحة وهي تنظر إلى والده بطرف عينها.
‘بالطبع، أول من سأحميه هو أنتِ.’
ضحك الأب بصوت عالٍ وحاول احتضانها، لكنها شهقت حين رأت يديه الملطختين بالتراب.
‘لا تقترب!’
‘أربان، هل نُري أمك كم نحبها؟‘
تلألأت عينا الأب بالمشاكسة.
‘كيف؟‘
‘نعانقها بقوة.’
‘حسنًا!’
‘لااا!’
انطلقت الأم ضاحكة وهي تفرّ، وراح الأب والطفل يلاحقانها مازحين…
هربت الأم بوجه تغمره الضحكات، ولحق بها الأب وآربان الصغير مداعبين.
* * *
“لن أستطيع الوفاء بذلك الوعد يا أبي…”
لم يمضِ وقت طويل على غرس الشجرة حتى توفي والده.
لابد أنه كان يستشعر نهايته فأوصاه بأمه.
لكن آربان لم يعد قويًا كما تمنى له والده، بل صار في مواجهة مع أمه.
أغمض عينيه ببطء؛ فلم تعد لديه طاقة لإبقائهما مفتوحتين.
إلى متى يستطيع الاستمرار في هذا الجنون؟ لا يعلم كم تبقى له من وقت.
وفجأة—
“آربان، أأدخل؟“
عند الصوت المفاجئ أدار رأسه، غير أن الظلام خيّم على بصره فجأة.
لقد أغمي عليه.
* * *
في غرفة الاستقبال بقصر الكريستال.
حين التقت عينا داليا بنظرة المتركيزة سوندو، ارتسمت على شفتيها ابتسامة متكلفة.
رغم توافد طلبات الزيارة من نبلاء لوسيفون، رفضتها جميعًا بأدب.
غير أن الماركيزة سوندو هي عمة الإمبراطور وأكبر سيدات القصر شأنًا، فلم تستطع رد طلبها.
ارتشفت الماركيزة رشفة من الشاي وقالت بإعجاب:
“وصيفة سمو الأميرة بارعة حقًا في إعداد الشاي. وأنا أحب الشاي أيضًا، لذا أحضرت معي أوراقًا لأهديها لسموك. سأرسل لكِ المزيد إن راقت لكِ،.”
وضعت علبة شاي فاخرة على الطاولة.
“أشكركِ، سأقبلها بسرور.”
ناولتها داليا إلى آني التي كانت تقف خلفها.
“العاصمة في اضطراب هذه الأيام بسبب مسألة الوحوش. لا بد أن سموك قلقة.”
“أثق أن جلالته سيعالج الأمر.”
“بلا شك. فجلالته قائد عظيم، وهو قبل كل شيء يكنّ لسموك مودة كبيرة، وسيحميكِ جيدًا.”
أومأت داليا برأسها موافقة، بينما كانت تفكر في سر زيارة الماركيزة.
ألتتباهى بابن أخيها الإمبراطور؟
“مملكة فويفرن قريب من الإمبراطورية المقدسة هالين. هل زرتِها كثيرًا؟“
نظرت داليا باستغراب كأنها لا تفهم مغزى السؤال، فتابعت الماركيزة بنبرة لطيفة:
“سألتُ لأن الجميع يوجّه أنظاره إلى الإمبراطورية المقدسة هالين بسبب حادثة الوحوش.”
“آه… لم أغادر القصر قط، لذا لم أزر الإمبراطورية المقدسة هالين. كما أن عدد أتباع الإلهة في مملكتنا ليس كبيرًا.”
“فهمت.”
أومأت ماري مبتسمةً ابتسامة بريئة.
يبدو أن الأميرة لا علاقة لها بهالين إطلاقًا، فلا تدري لماذا يُبدي البابا اهتمامًا خاصًا بها.
لقد تحرّت عنها من شتى الجوانب، وكما قالت، لم تغادر القصر قط.
وبينما كانت تفكر في نوايا البابا، وقعت عيناها على علبة الشاي التي تحملها وصيفة الأميرة.
لكي تُخضع الأميرة للتنويم المغناطيسي، عليها أولًا أن تجعلها تشرب الشاي.
لكن منذ حادثة الآنسة يوفرون، صار كل ما يدخل قصر الكريستال يخضع للتفتيش.
لذلك جاءت بنفسها.
فلا أحد سيفتش هديةً من فرد من العائلة الإمبراطورية.
وكما توقعت، مرت أوراق الشاي دون تفتيش.
لو أرسلت الهدية فقط، لما أمكنها تجاوز الفحص.
والآن بعد أن سلمت الشاي، خطت الخطوة الأولى.
غير أن المشكلة تكمن في الوصيفة والفارس المرافق للأميرة.
ما داما ملازمين لها، فلن تستطيع تنفيذ التنويم.
كانت تفكر كيف تُبعدهما وتنفرِد بالأميرة، حينها سُمِع طرق على باب غرفة الاستقبال.
دخلت خادمة انحنت باحترام ثم قالت:
“جلالة الإمبراطور يطلب حضور الماركيزة ماري سوندو.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 117"