✿ الفصل 116 ✿
في بعض الأحيان، كان يستعيد وعيه ليجد نفسه مستلقيًا على السرير أو واقفًا في الممر دون أن يدري كيف وصل إلى هناك.
حتى إنه استدعى طبيبه الخاص ظنًا منه أنه يعاني من السير أثناء النوم.
لكن الطبيب أرجع الأمر إلى أعراض توتر مؤقتة بسبب صدمة فقدان ذراعه.
بعد سماع ذلك، حاول جاهدًا تهدئة نفسه قدر المستطاع.
لكن، في تلك الأثناء، كانت أمه تحوّله إلى دمية كاملة الطاعة.
لقد أقسم ألا يكون دمية بيدها أبدًا، فكيف له أن يتخيل أنها ستسلبه إرادته من الأساس؟
اقشعرّ جسده واختنق نفسه.
كان يعتقد أن أمه، رغم صرامتها، تحبه بصدق.
لكنه أدرك الآن أنها لا تحبه لذاته، بل لأنها تحتاج إلى وريث يعتلي العرش.
وما دام يستطيع وراثة العرش، فإنه قابل للاستبدال في أي وقت.
* * *
وقف ليو مترددًا أمام باب غرفة أربان، ثم أغمض عينيه بإحكام.
اليوم تحديدًا كانت الندبة على ظهره، التي خلفها هجوم الوحش، تؤلمه بشدة.
كان يمسك في يده رسالة أرسلها له أربان.
ومحتواها كان بسيطًا:
صحتي متدهورة… تعال لرؤيتي مرة واحدة قبل أن أموت.
منذ أن فقد أربان ذراعه، تجنبه ليو.
لو لم يدر له ظهره ويهرب حينها، ربما كانت ذراع أربان لا تزال سليمة.
لو أنهما واجها الوحش معًا كصديقين ورفيقين، لما كان الشعور بالذنب ينهشه إلى درجة يخشى معها حتى مواجهة وجه صديقه.
وبينما كان ممسكًا بمقبض الباب مترددًا، سمع أنينًا خافتًا من الداخل.
“أوه…”
رفع ليو رأسه مذعورًا.
قال إنه مريض، لكن هل بلغ به الألم حدّ التلوّي هكذا؟
في الحقيقة، جاء متعمدًا دون أن يخبره مسبقًا.
لم تكن لديه الشجاعة ليقف أمام أربان وجهًا لوجه.
لذا حضر إلى قصر الماركيز ليلًا خفيةً وفتح له أحد الخدم الباب الخلفي سرًا بعد أن سلّمه الرسالة.
كان ينوي فقط أن يرى وجهه وهو نائم ثم يغادر…
لكن صديقه لم يكن نائمًا، بل كان يتلوى ألمًا في هذا الوقت المتأخر من الليل.
شدّ ليو وجهه بعزم وأدار المقبض ببطء ودخل.
ما إن وطئت قدماه الغرفة حتى اندفع إليه عبق حاد من رائحة الدم.
ألم تُعالج ذراعه؟ فلماذا هذه الرائحة؟
تحت ضوء الشموع الخافت، رأى أربان مستلقيًا على السرير، ينظر إلى الموضع الذي كانت فيه ذراعه اليمنى، يضغط على أسنانه ويغلق عينيه بشدة.
خطا ليو نحوه خطوة، لكنه تجمّد في مكانه من هول ما رأى.
كان أربان يطعن موضع ذراعه المبتورة بشيء حاد.
“أربان!”
اندفع نحوه صارخًا دون وعي.
ومع اقترابه، ازدادت رائحة الدم كثافة.
انتزع من يده قطعة خشبية ذات أشواك حادة، ثم نظر إليه وقلبه يرتجف.
فتح أربان عينيه فجأة حين سُحبت منه القطعة، وحدّق فيه بنظرة مستاءة.
ما الذي حدث له؟
أيعقل أنه انهار إلى حد إيذاء نفسه حزنًا على ذراعه؟
أربان الذي يعرفه ليو لم يكن كذلك.
بل كان من النوع الذي ينهض أسرع من غيره، ويتدرب على السيف بذراعه المتبقية دون استسلام.
حدّق فيه ليو مذهولًا.
أيمكن أن يكون فقدان الذراع قد التهمه إلى هذا الحد؟
لم يستطع أن يصدق… ولا أن يتقبّل.
وفجأة، امتلأت عيناه بالدموع.
‘يا له من أحمق.’
كان صديقه يعاني هكذا، وهو غارق في شعوره بالذنب، لم يزره ولو مرة واحدة.
“ما الذي تفعله بحق السماء؟!”
كسر قطعة الخشب الحادة بيده، ثم داسها على الأرض.
“…ليو؟“
نطق أربان اسمه بصوت خشن كأنه يخرج بصعوبة من حنجرة مختنقة، وحدّق فيه.
“نعم.”
“حقًا… ليو؟“
رمقه بنظرة مرتابة.
“أيها المجنون. هل أذكّرك بقصة حبك الأولى حين كنت في الثانية عشرة؟ تلك التي لا يعرفها سواي—”
“هاه… ليو، ليو. إذن أنت فعلًا…”
تنفّس أربان الصعداء واعتدل جالسًا ثم رفع يده كأنه يدعوه للاقتراب.
“أنت… لماذا أصبحت نحيلًا هكذا؟“
انزلق الغطاء عن جسده، فكشف صدرًا هزيلًا.
كان أربان من بين أقرانه يُعدّ من الأبرز وسامةً.
لكن الآن، كانت عيناه محمرتين محتقنتين كأنه لم ينم منذ أيام، وخداه غائرين بشدة.
شفتاه ممزقتان تعلوهما قشور دم جافة، ومن كمّه الفارغ كانت بقع الدم تتسرب.
ارتفع في صدر ليو شعور حارق يكاد يخنقه.
حتى وهو يراه أمام عينيه، لم يستطع أن يصدق.
كان من سلالة إمبراطورية والوريث الوحيد لعائلة الماركيز.
فكيف يُترك على هذا الحال وهو يبدو بهذه الدرجة من الوهن؟
“ليو، مضى وقت طويل. في النهاية… جئت.”
ابتسم أربان ابتسامة متكلفة كأنه نسي كيف يبتسم.
“ما هذا الذي وصلت إليه؟ وما معنى أنك ستموت قريبًا؟“
لوّح ليو بالرسالة في وجهه مطالبًا بتفسير.
وحين وقعت عينا أربان على الرسالة، لمع في سوادهما بريق أزرق غريب.
كان بريقًا لم يره فيه من قبل… أقرب إلى مسحة من الجنون.
“ليو. سعيد حقًا برؤيتك.”
انتزع أربان الرسالة من يده، وألقى نظرة حذرة حوله، ثم أمسك بريشة وبدأ يخطّ شيئًا بسرعة.
“ما الذي تفعله الآن—”
قطّب أربان حاجبيه وسدّ فم ليو فجأة بيده.
نظر إليه ليو مذهولًا.
“يقول طبيبي إنني على وشك الجنون، لأنني أرفض العلاج باستمرار. لكنني بصحة ممتازة هكذا، فلا حاجة لي بعلاج. هاهاها.”
قالها كأنه يلقي مزحة سخيفة، لكن عينيه كانتا جادتين وهو يشير إلى أسفل.
قرأ ليو ما كتبه أربان، واتسعت عيناه.
تنصّت.
“يقولون إنني أؤذي نفسي، وهذا كلام لا يُعقل. ثم يزيلون من الغرفة كل شيء حاد… هذا يزعجني. حتى إنهم لا يسمحون لي بالشرب في كأس زجاجي. كيكيكي.”
راح أربان يهزّ كتفيه ويضحك ضحكة طفولية خفيفة، حتى بدا فعلًا وكأنه مختل.
وعند كلمة “أؤذي نفسي“، وقعت عينا ليو على قطعة الخشب التي رماها أرضًا قبل قليل.
كان كمّ أربان الفارغ يزداد احمرارًا بالدم.
أحقًا فقد صوابه؟ إلى حد أنه يظن أن أحدًا يتنصّت عليه؟
نظر إليه ليو بعينين مرتبكتين.
وخلال ذلك، كان أربان يواصل الكتابة على الرسالة.
ثم اختفت الكلمات التي كتبها قبل قليل، وحلّت محلها أخرى.
[تنويم.
يبدو أنهم يستخدمون الطعام.]
“ليو، كما تعلم، لا يمكن أن أفعل شيئًا كهذا. أنا أكره الألم أكثر من أي شيء. هاهاها.”
“صحيح. أنت الذي كنت تتدلل لأنك تكره الضرب، ومع ذلك تتصدر تدريبات السيف، لا يمكن أن تفعل ذلك.”
قرأ ليو الكلمات بجدية، لكنه غيّر نبرته إلى المزاح.
إذًا لهذا أصبح نحيلًا إلى هذا الحد… كان يظن أن الطعام خطير، فامتنع عنه.
“بالطبع! كنت أعلم أنك ستفهمني. أخاك بخير، أليس كذلك؟“
وظهرت كلمات جديدة على الورقة.
[أنا محتجز. لدي أمر سري أود إيصاله إلى جلالة الإمبراطور.]
رفع ليو رأسه وحدّق في عيني أربان بدهشة.
ذكرُه للأخ يعني أنه يريده أن ينقل الرسالة عبر أخيه، فارس الحرس الملكي.
ورغم احتقان عينيه واحمرارهما، كانت نظرة أربان صافية.
كان عليه أن يثق بصديقه.
“أخي؟ لا تسأل. هذه الأيام غارق في امرأة، وينفق أمواله بلا حساب. قطعت علاقتي به مؤخرًا!”
تعمّد ليو أن يرفع صوته عند عبارة “قطعت علاقتي“.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي أربان.
وفي تلك اللحظة—
“من هذا؟ ليو؟“
جاء صوت مألوف من الخلف، صوت الماركيزة.
وقبل أن يلتفت، رأى ليو بوضوح نظرة الخوف في عيني أربان.
استدار بهدوء، وسحب يده إلى الخلف وأمسك بالرسالة ثم دسّها سريعًا في جيبه الخلفي.
“مرحبًا بكِ يا سيدتي الماركيزة. مضى وقت طويل.”
“نعم، فعلًا. كيف صحتك؟ سمعت أنك أُصبت بشدة في ذلك اليوم أيضًا…”
كي يُطرد من هنا بشكل طبيعي، كان عليه أن يقول أكثر ما تكرهه.
هي التي تفخر بانتمائها للأسرة الإمبراطورية حدّ الإفراط، والتي يجب أن يكون كل شيء حولها كاملًا بلا نقص.
“أنا بخير، فذراعاي سليمتان.”
ابتسم ليو ابتسامة عريضة ورفع ذراعيه كأنه يتباهى.
كما توقع، عبست الماركيزة.
“ليو. لا تملك أدنى مراعاة لصديقك. لم أكن أعلم أنك فتى بهذا القدر من الانحطاط. هل تغادر منزلي فورًا؟“
لم ترفع صوتها، لكن نظرتها كانت حادة كأنها تودّ قتله.
“لقد التقيت أربان بعد غياب طويل، دعينا نبقى قليلًا—”
“أيها الخادم. أخرِج ليو.”
قاطعته قبل أن يُكمل.
كان إلى جانب كبير الخدم رجال أقوياء البنية.
حُمل ليو من ذراعيه وطُرد خارج قصر الماركيز بالقوة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 116"