✿ الفصل 115 ✿
كان غراي ينظر إلى داليا بعينين دافئتين.
هل تدرك حقًا كم تبدو تصرّفاتها العفوية اللطيفة محبّبة؟
تمنى لو يقضي ما تبقى له من وقت معها.
حتى هذه اللحظات القصيرة التي يتبادل فيها الحديث معها كانت ثمينة إلى حد لا يُوصف.
لطالما حمل معه ساعة رملية، لا يبدّد ثانية واحدة هدرًا، لكن حين يكون بقربها ينسى كيف يمضي الوقت، ويغمره شعور خالص بالسعادة.
غير أنّ الأمور لم تعد هادئة بعد الإعلان عن وجود الوحوش.
في البداية، استعادت الإمبراطورية استقرارها سريعًا بفضل ثقة الناس بالإمبراطور، ولم تعمّ الفوضى كما كان متوقعًا.
لكن ما لبثت شائعة أخرى أن اجتاحت العاصمة.
الإمبراطور لا يستطيع هزيمة الوحوش.
الوحوش لا تُقهر إلا بالقوة المقدسة.
ولهذا فإن الإمبراطورية المقدسة في هالين وحدها هي الآمنة.
ومع اختلاط الأكاذيب بشيء من الحقيقة، ازداد عدد المصدقين لتلك الأقوال.
بلغ خوف الناس من المجهول ذروته.
ثم جاءت حادثة أربان لتكون الضربة القاضية.
فبالرغم من وجود عشرات من فرسان الحرس الملكي، فقد أربان إحدى ذراعيه.
إن كان فرد من العائلة الإمبراطورية قد أصابه ما أصابه، فمن ذا الذي سيحمي عامة الشعب؟
كأن يدًا خفية تؤجج النار من بعيد، أخذ القلق يتضخم شيئًا فشيئًا، حتى بدا وكأنه يبتلع رعايا الإمبراطورية بأكملهم.
بل إن بعضهم بدأ يفرّ ليلًا إلى الإمبراطورية المقدسة في هالين.
أترى أن هالين تحرّك خيوطًا أخرى من جديد؟
كانت تحركات القديسة كلها تحت المراقبة؛ فهي لم تغادر مقر إقامتها. ومع ذلك، هناك قوة مجهولة تصنع الشائعات وتبثها.
حين أظلم وجهه فجأة، سألت داليا بحذر:
“تشعر بالكثير من القلق بسبب الوحوش، أليس كذلك؟“
نظر إليها غراي بدهشة وقد انكشف ما في صدره.
رفعت يدها برفق وربّتت على يده، وفي تلك الحركة الصغيرة تجلّت كل رقتها.
“أنا أؤمن بجلالتك. سنتمكن من تجاوز هذا، لا بد من ذلك.”
“كيف…”
‘أأنتِ تقولين لي ما أحتاج إلى سماعه أكثر من أي شيء؟‘
حدّق فيها غير مصدّق.
كانت مشاعره المتدفقة نحوها تكاد تفيض من صدره، فسدّ فمه بيده لئلا تنفلت.
وفي تلك اللحظة، عاد الألم العنيف يضرب العلامة على ظهره.
“آه…”
رغم أنه كان يضغط على فمه، تسرب صوت أنين مكبوت.
“جلالتك، هل أنت بخير؟!”
كان صوتها قريبًا، لكنها بدت وكأنها تناديه من مكان بعيد.
عضّ باطن خده محاولًا استعادة وعيه، وهزّ رأسه بقوة.
ومن خلال رؤيته الضبابية، رأى داليا اثنتين.
إحداهما تنظر إليه بقلق، والأخرى تحدّق فيه بعينين حزينتين.
‘لماذا تنظرين إليّ هكذا؟‘
تحركت شفتا داليا الحزينة.
أضاق عينيه محاولًا قراءة ما تقول.
“لا بأس…”
ماذا؟ ما الذي لا بأس به وأنتِ بهذه النظرة الحزينة؟ لماذا تقولين إنه لا بأس؟
مدّ يده دون وعي ليقبض عليها.
داليا ذات النظرة القلقة أمسكت يده بإحكام.
“جلالتك؟“
وما إن دوّى صوتها في أذنيه حتى تلاشت داليا الحزينة كالدخان.
بقيت أمامه عيناها البنفسجيتان تتفحصان شحوب وجهه.
ابتلع الدم في فمه، وأخرج الكلمات بصعوبة:
“لديّ… عمل… عليّ أن أذهب.”
ثم حرر يده برفق من يدها وابتعد عنها بخطوات سريعة.
* * *
“الشائعات التي تشكك في الإمبراطور تتزايد قوة.
“أخشى أن غضب العامة سيلتهب قريبًا ويتجه نحو القصر الإمبراطوري.”
رفع رجل في منتصف العمر تقريره أمام ستائر سوداء تتماوج ببطء.
ارتسم على شفتي ماري الحمراوين ابتسامة مقوسة.
“اجعلوا الشائعة أكثر إثارة. إمبراطور عاجز، تظهر الوحوش، ومع ذلك ينشغل بأميرة من دولة أخرى ويسرع إلى الزواج! هكذا يجب أن تُقال.”
“نعم، مفهوم.”
“يمكنك الانصراف.”
“أمرك.”
خرج الرجل بصمت بلا صوت خطوات.
ابتسمت ماري برضا، ثم دخلت إلى المكتبة المتصلة بالحجرة السرية.
كان ابنها أربان جالسًا هناك، يحدّق في الفراغ بعينين فاقدتي التركيز.
عادت ماري إلى مقعدها وراقبت ملامحه مليًّا قبل أن تهمس:
“أربان، هل أنت بخير؟“
“نعم، يا أمي.”
واختبرت طاعته قائلة:
“أربان، بما أنك لم تعد تستطيع استخدام ذراعك اليمنى، فلا حاجة بعد اليوم إلى متابعة تدريبك على السيف.”
“نعم، يا أمي.”
يبدو أن التنويم يسير كما ينبغي.
ففي العادة، لو طُلب منه ترك تدريب السيف، لكان أول من يعترض.
توقفت نظرتها الساخطة عند كمّ ذراعه اليمنى الفارغ.
مهما فكرت، فإن فقدان أربان لذراعه كان خطأً فادحًا.
فحين يموت الإمبراطور باللعنة، سيتعيّن عليها خوض صراع مرير جديد لتضع ابنًا بذراع واحدة على العرش.
لو أن تلك الذراع بقيت في مكانها، لكان كل شيء أسهل.
وضعت ماري فنجان الشاي على الطاولة، فكان الصوت إشارة جعلت عيني أربان السوداوين تستعيدان صفاءهما.
“هل أنت متعب جدًا؟“
“هل أنت متعب كثيرًا؟“
سألته ماري متقمصة دور الأم الحنون.
“آه… أعتذر.”
أطرق الابن رأسه قليلًا معتذرًا.
“لا بأس يا بني. سمعت أنك تواصل تدريبك على السيف بذراع واحدة؟ ألم تكن في الأصل أعسر اليد اليمنى؟ لا تُرهق نفسك أكثر من اللازم.”
“نعم. سأستأذن الآن.”
أومأت برأسها إذنًا، فنهض أربان ببطء من مكانه.
أغلق الباب خلفه بملامح هادئة، لكنه ما إن دخل غرفته حتى تشوّه وجهه.
كانت أمه تفعل به شيئًا ما.
ضغط على عينيه بيده الوحيدة الباقية.
منذ عودته من القصر الإمبراطوري الى قصر الماركيز، كان يقضي مع أمه جلسة شاي يومية في المكتبة.
ظنّها في البداية جلسات عادية… لكن—
ما إن استعاد ما حدث قبل قليل حتى بدأت يده التي تغطي عينيه ترتجف خوفًا.
يتذكر أنه شرب كعادته الشاي العطر الذي تقدمه له أمه.
ثم… لا شيء.
لا يتذكر ما حدث بعد ذلك إطلاقًا.
ثم لمح فجأة أمه تنهض وتتجه نحو باب صغير.
ذلك المكان كان محظورًا عليه بشدة منذ صغره، ولم يُسمح له بدخوله قط.
ومنذ اللحظة التي اختفت فيها عن مجال رؤيته، بدأ الضباب في رأسه ينقشع تدريجيًا.
ما الذي كنت أفعله جالسًا هنا؟
عن ماذا تحدثت مع أمي أثناء الشاي؟
لم يتذكر شيئًا.
وفي اللحظة التي أدرك فيها ذلك، حاول أن ينهض مذعورًا—لكن جسده لم يتحرك قيد أنملة.
اجتاحه خوف مفاجئ.
لقد فقد ذراعه اليمنى، فهل يُسلب الآن جسده أيضًا؟
ركّز بكل ما يملك على يده اليسرى.
إصبع واحد فقط… فلأحرك إصبعًا واحدًا على الأقل.
وبينما كان يصارع نفسه على هذا النحو، عادت أمه.
“أربان، هل أنت بخير؟“
‘لا… لست بخير. أمي، ما الذي يحدث لجسدي؟‘
“نعم، يا أمي.”
“أربان. بما أنك لم تعد تستطيع استخدام ذراعك اليمنى، فلا داعي لمواصلة تدريبك على السيف.”
‘لن أترك السيف أبدًا!’
“نعم، يا أمي.”
كان متأكدًا أنه أراد قول شيء آخر، لكن شفتيه تحركتا من تلقاء نفسيهما.
تلقّى صدمة جديدة حين أدرك ذلك.
ثم، في اللحظة التي وضعت فيها أمه فنجان الشاي على الطاولة، وكأن الصوت كان إشارة، ارتعش أحد أصابع يده اليسرى فجأة وتحرك.
“هل أنت متعب كثيرًا؟“
لم يستطع مواجهة نظرة الشفقة في عيني أمه، فأطبق جفنيه.
“آه… أعتذر.”
“لا بأس يا بني. سمعت أنك تتدرب على السيف بذراع واحدة؟ ألم تكن في الأصل أيمن اليد؟ لا تُجهد نفسك.”
قالت ذلك بصوت مليء بالحنان والاهتمام.
“نعم. سأستأذن الآن.”
قبض بيده الوحيدة المتبقية على شكل قبضة مشدودة، وبذل قصارى جهده ليبدو طبيعيًا.
والآن فقط، فهم سبب تلاشي ذكرياته المتكرر في الآونة الأخيرة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 115"