✿ الفصل 114 ✿
* * *
أُعلن في أرجاء العاصمة كافة مرسومٌ إمبراطوري.
[ إلى شعب الإمبراطورية.
ظهر في العاصمة كائن يُدعى الشيطان يعتدي على الناس.
وهو وحشٌ شرس لا طاقة للعامة بمواجهته.
وحتى أقضي على هذه المخلوقات جميعًا، يُفرض حظر تجوّل بعد غروب الشمس.]
ظهور وحشٍ لم يسمعوا به قطّ!
اجتاح القلق قلوب رعايا الإمبراطورية، غير أنهم سرعان ما استعادوا رباطة جأشهم.
فقد كانوا يؤمنون بأن جلالة الإمبراطور أقوى وأحكم من حكم في تاريخ لوسيفون سيحميهم.
* * *
“ أتواصل معك بعد طول انقطاع يا قداسة البابا.”
— يبدو أنكِ كنتِ مشغولة جدًا مؤخرًا يا ماركيزة.
رسم الاثنان، وبينهما جهاز الاتصال، ابتساماتٍ ودودة تخفي ما في الصدور.
قالت ماري:
“ لقد أعلن جلالة الإمبراطور زواجه فجأة وأنا أكبر سيدات القصر سنًا ومقامًا.”
— أجل، بالطبع.
ابتسم البابا ابتسامة أبوية كأنه يتفهّم كل شيء.
وبينما استمرّ كلٌ منهما في جسّ نبض الآخر بابتساماتٍ صامتة، كانت ماري أشدّ استعجالًا، فبادرت بالكلام:
“ سمعتُ بأمر الكائنات الشيطانية. وقد فُرض في لوسيفون حظر تجوّل بالفعل.”
— بلغني أن ابنكِ أُصيب على يد أحد تلك المخلوقات. لا بد أن حزنكِ عظيم.
كانت تتوقّع أن جهاز معلومات البابا قد بلغه خبر إصابة آربان، لكن توقّع الشيء وسماعه مباشرة أمران مختلفان.
كتمت غضبها وأدّت دور الأم المكلومة على ابنها المصاب.
“ نعم. يجب أن أعرف المزيد عن ذلك الشيطان الذي فعل بابني ما فعل. سمعتُ أن لدى إمبراطورية هالين المقدسة معلومات وافرة عنه.”
— أحقًا؟
ارتسمت على شفتي البابا ابتسامة غامضة.
قالت ماري كاشفةً شيئًا من نيتها:
“ إن كنت تعلم ما لا يعلمه جلالة الإمبراطور، فأرجو أن تخبرني. ألسنا في صفٍ واحد؟“
— في صفٍ واحد؟ لقد أرسلتُ لكِ الماء المقدس سرًا، وبفضله راكمتِ ثروةً ووسّعتِ نفوذكِ.
أوضح البابا أن العلاقة بينهما علاقة مُحسنٍ ومُستفيد.
“ أنا ممتنّة دائمًا لمعونتك يا قداسة البابا.”
ابتسمت بعينيها وهي تبتلع إهانتها.
وما إن يصبح ابنها آربان إمبراطورًا، حتى تردّ هذا الذلّ أضعافًا.
— إذن فلتردّي الجميل.
قال البابا ذلك بصوتٍ يحمل خفّةً ساخرة.
“ إن ورث ابني العرش، فسأردّه ردًا عظيمًا. أعدك بذلك.”
ولو أنه سيكون عكس ما يشتهي.
— أفضّل أن تردّي الجميل بطريقةٍ أسهل.
“ وما المقصود بذلك؟“
بدا البابا اليوم أكثر إلحاحًا من المعتاد.
— أرسلي الأميرة داليا إلى إمبراطورية هالين المقدسة… مستخدمةً قدرتكِ الخاصة.
“ قدرتي الخاصة؟“
— التنويم المغناطيسي.
قالها بهدوء.
خفضت ماري عينيها سريعًا لتخفي دهشتها.
يعلم بتنويمها المغناطيسي؟ كيف؟ أفي أتباعها خائن؟
لمع في عينيها السوداوين بريقٌ قاتم.
— هل تستطيعين فعل ذلك ايتها الماركيزة؟
كان استعجاله غير المعهود مثيرًا للريبة.
لكن حين رفعت رأسها، كانت ملامحها قد عادت هادئة.
‘ إذًا، البابا يريد الأميرة داليا. وبشدة.’
أما سبب رغبته بها، فستعرفه لاحقًا.
الآن تغيّرت موازين القوى.
“ أستطيع، لكن الأمر يحتاج إلى وقت. فجلالة الإمبراطور شديد الحماية للأميرة.”
— وكم من الوقت يلزم؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
“ لو أخبرتني بالحقيقة بشأن الكائنات الشيطانية، فربما قَصُر الوقت.”
لمعت عينا البابا ببرودة وهو يحدّق فيها.
وساد بينهما صمتٌ ثقيل، لا أحد فيه مستعدّ للتنازل.
ثم عاد فارتسمت على وجهه ابتسامة لطيفة.
— عدد الكائنات الشيطانية أكبر مما يتوقعه الإمبراطور. أحسني استغلال ذلك.
“ أشكرك على المعلومة يا قداسة البابا.”
أحنَت ماري رأسها قليلًا، وعلى وجهها أمارات الرضا.
* * *
خرجت داليا من القصر تتمشّى بعد انقطاعٍ طويل.
مرّ بعبيرٍ عطِرٍ عند طرف أنفها من بعيد فانساقت خلفه ببطء كأن الرائحة تقودها.
وسرعان ما انكشف أمامها بستانٌ مكسوٌّ بأزهار اللافندر البنفسجية حتى الأفق.
“ لم أكن أعلم بوجود مكان كهذا.”
قالت آني ذلك بإعجاب وهي تتلفّت من خلفها، وأومأ كول موافقًا.
أما داليا فوسّعت عينيها وهي تنظر حولها.
هذا البستان المغمور باللافندر كانت تعرفه جيدًا.
“ آني، كول.”
“ نعم؟“
“ لديّ ما أفكر فيه… هل تتركانني وحدي قليلًا؟“
“ حسنًا.”
تراجع الاثنان بهدوء فرفعت داليا بصرها إلى السماء كأنها تنتظر أحدًا.
وفجأةً خيّم فوق رأسها ظلٌّ أسود ضخم.
لقد جاء!
كان طائرٌ هائل الحجم يحلّق في السماء كأنه يغطيها بأسرها.
جسده أحمر كالتجسيد الحيّ للنار يتباين مع زرقة السماء.
رأسه المدبّب برتقالي وريشه الطويل المنسدل في الذيل أحمر داكن كاللهيب.
لم تكن تتوقع أن ترى ليمون وقد بلغ هذا الحجم بهذه السرعة.
أطلق الطائر الأحمر صرخةً طويلة “ بـــي—” ، ثم دار دورةً واسعة، ورفرف بجناحيه العظيمين قبل أن يهبط ببطء.
شهقت داليا بإعجابٍ صادق وهي ترى جمال ليمون بعينيها، لا في حلم.
“ ليمون، أنت جميل حقًا. كيف كبرت هكذا في بضعة أيام؟“
نظر إليها ليمون بنظرةٍ مستاءة.
“ كنتُ كبيرًا أصلًا. على كل حال، يبدو أنكِ تحبين هذا المكان كثيرًا. أعدتِ انتظارَه؟“
اتّسعت عيناها دهشةً.
‘يا إلهي …’
كلام ليمون الآن يختلف قليلًا، لكنه يشبه ما سمعته في الحلم.
أيعني ذلك أن الشخص الذي تحدّث عنه في الحلم كان هي نفسها؟ وإن كانت تنتظر أحدًا، فلا يمكن أن يكون سوى الإمبراطور.
لطالما رأت في أحلامها مستقبل الآخرين، لكنها لم تحلم قطّ بمستقبلها هي.
فكيف رأت نفسها تنتظر الإمبراطور؟
نظرت إليه بحيرة وقالت بحذر:
“ ليمون… لقد سمعتُ ما قلته في حلم. لكن كلماتك في المستقبل كانت مختلفة قليلًا عما تقوله الآن. هل يمكن أنني غيّرت المستقبل؟“
نظر إليها بعينين يملؤهما الأسى.
“ يا صغيرتي، الأمر هو بي— بي— بي— بي—”
لكن الصوت عاد مجددًا مجرد زقزقة.
رفع ليمون رأسه إلى السماء وضرب صدره بجناحيه الكبيرين بضيق.
ابتسمت داليا رغمًا عنها.
فقد تذكّرت ما قاله في الحلم بعد ذلك:
“ إنه لا ينظر إليكِ حتى كما ينبغي…”
أحلامها ترى المستقبل.
والإمبراطور لا ينظر إليها كما ينبغي. [ غبييييه ذا اكيد يقصد الحاكم مو الامبراطور ]
مرّ فراغٌ بارد في صدرها.
كلما رأت الإمبراطور يعاملها بلطف، كانت تتساءل في سرّها: أيمكن أنه يبادلها الشعور نفسه؟
لكن يبدو أن الجواب… لا.
وخطر ببالها فجأةً مشهد الإمبراطور مع امرأةٍ ذات شعرٍ ذهبي رأتْها في الحلم.
أيمكن أن تكون تلك المرأة هي القديسة؟ في لقائه الأول بها بدا منزعجًا منها.
لكن هل سيقع في حبها لاحقًا؟
داهمها شعورٌ بالغبن.
حين التقاها أول مرة، لم يُبدِ رضاه عنها أيضًا.
فإن كان يبدأ بالنفور قبل أن يحبّ، فحسب الترتيب، ينبغي أن يبدأ بها هي قبل القديسة!
وفي تلك اللحظة—
“ ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟“
كانت تفكر فيه، فإذا به يظهر فجأة أمامها.
“ وأنت يا جلالة الإمبراطور، ما الذي جاء بك إلى هنا؟“
رمقته بنظرةٍ متبرّمة.
ابتسم وقال بمرح:
“ أمرّ من هنا أحيانًا. لكن ما هذه النظرة التي تكاد تتهمني بجريمة؟“
“ أنت تعرف جيدًا.”
“ إذن خمّنتُ صحيحًا. ترى ماذا فعلتُ مؤخرًا لأغضب الإمبراطورة المستقبلية؟ أخبريني لأُصلحه.”
قالت بجدّ مصطنع:
“ يا جلالة الإمبراطور، الإنسان يجب أن يسير وفق النظام الطبيعي للأشياء. مثلًا، حين يستيقظ صباحًا، يتمطّى أولًا، ثم يعود تحت الغطاء قليلًا، وحين يكاد ينام مجددًا يسمع تذمّر آني فينهض من جديد.”
ابتسم:
“ مثير للاهتمام. أهذا هو صباح الإمبراطورة المستقبلية دائمًا؟“
انتبهت إلى زلّتها فهزّت رأسها سريعًا.
“ لا أقصد نفسي.”
“ لكنني سمعتُ اسم آني.”
“ لم أقل آني، بل تذمّر طفل… كنت أضرب مثالًا فحسب. أحيانًا يلتبس نطقي.”
قالتها بوجهٍ ثابت لا يهتز.
ضحك بخفة:
“ يبدو أن للإمبراطورة المستقبلية مواهب عديدة، حتى في التباس النطق.”
ضيّقت عينيها.
“ أعلم الآن أنك تلمّح لي بطريقةٍ ساخرة!”
“ يا للخسارة، انكشف أمري.”
ضحك بصوتٍ صافٍ، فذاب ما كان في صدرها من ضيق.
تمتمت:
“ لهذا لا ينبغي أن أبدأ أولًا…”
“ تبدئين ماذا؟“
“ أمرٌ ما. همف.”
‘ لن أخبرك أبدًا.’
أدارت رأسها بعناد ونفخت بضيق.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 114"