“إن الكائن المسمّى بالشيطان مذكور في الكتب المقدسة القديمة للإمبراطورية المقدسة لهالين. لكن وعلى مدى مئات السنين، لم يُسجَّل في أي موضع أنه وُجد حقًا.”
توقفت القديسة هايدي قليلًا، وجالت بنظرها في الحاضرين الذين أنصتوا لكلماتها باهتمام.
وبينما كانت تتقمّص ملامح الرحمة والوقار، وقعت عيناها على امرأة جميلة ذات شعر وردي.
‘إذن تلك هي الأميرة داليا.’
رمقتها هايدي بنظرة باردة خاطفة، ثم صرفت بصرها سريعًا.
“أيها الفارس، هل تعيرني سيفك قليلًا؟“
مدّت يدها نحو أحد فرسان الحرس الإمبراطوري.
نظر إليها الفارس بوجهٍ مصدوم.
“السيف كحياة الفارس. لا يمكنني إعارته هكذا.”
“أوه، أعتذر.”
وحين بدت عليها الحيرة، مدّ الإمبراطور سيفه قائلًا:
“خذي سيفي.”
“أشكرك يا جلالة الإمبراطور.”
ابتسمت هايدي بخفة وهي تتسلّم السيف.
ولم يغب عن عينَي الإمبراطور بريقٌ عابر وهو يراها تمسك به.
اقتربت هايدي من الكائن الشيطاني والسيف بيدها، فشهق الحاضرون فزعًا.
“يا قديسة، إنه خطر!”
“لا بأس. لقد مات بالفعل.”
غرست السيف في جسد الكائن الشيطاني بكل ما أوتيت من قوة، لكن جلده لم يُصب بخدشٍ واحد.
“ميتٌ ولا يُخترق؟“
“يبدو سيفًا نفيسًا من النظرة الأولى، ومع ذلك لم يترك أثرًا…!”
قالت هايدي بنبرةٍ يملؤها الأسف:
“كما ترون، ليس من السهل القضاء على الكائن الشيطاني.”
رفع أحد الوزراء الشباب من لوسيفون صوته:
“أليس السبب أنكِ تفتقرين إلى القوة؟“
كان سيف الإمبراطور مفخرة لوسيفون، سيفًا ثمينًا لا يُضاهى.
ولم يكن من المعقول أن يعجز عن اختراق جلد ذلك الكائن.
وأومأ بعض الوزراء من حوله موافقين.
ابتسمت هايدي لذلك الوزير ابتسامة لطيفة.
“إذن، هل تودّ أن تجرّب بنفسك؟“
تقدّم الوزير الشاب كأنه كان ينتظر هذه الفرصة.
تسلّم السيف منها ورفعه عاليًا ثم هوى به بكل قوته على الكائن الشيطاني.
لكن جلد الكائن كان صلبًا إلى حد أن السيف ارتدّ عنه بدل أن ينفذ فيه.
احمرّ وجه الوزير وأمسك السيف بكلتا يديه وطعن به بقوة أكبر. ومع ذلك ظلّ الجلد أملس بلا أثر.
تبادل الوزير النظرات بين السيف وجلد الكائن الشيطاني في ذهول.
صحيح أنه ليس فارسًا، لكن معظم رجال إمبراطورية لوسيفون يعرفون استخدام السيف. ومع ذلك لم يترك خدشًا واحدًا!
مدّت هايدي يدها من الخلف.
“أتعطيني السيف؟“
سلّمه الوزير السيف ووجهه متورد خجلًا.
وما إن أمسكته حتى انبعث من جسدها نور ذهبي خافت— إنها القوة المقدسة.
رشّت السيف بالماء المقدس وألبسته طاقةً مقدسة، ثم وضعت نصله برفق على جلد الكائن المقدس.
فانغرس السيف في الجسد بلا مقاومة.
“يا إلهي! ما هذا؟!”
“أيعني ذلك أنه لا يمكن مواجهة الكائن الشيطاني إلا بالقوة المقدسة؟“
“إذن نحن بحاجة إلى ماءٍ مقدس! كم تملكون منه في مملكتكم؟“
تعالت همهمات القلق والدهشة.
سحبت هايدي السيف ثم اقتربت من الإمبراطور وأعادته إليه.
“شكرًا لك يا جلالة الإمبراطور.”
همس لها الإمبراطور بصوتٍ لا يسمعه سواهما:
“تجيدين أداء العروض.”
لاحظ ارتجافًا طفيفًا في يدها، فابتسم بسخرية وهو يستعيد سيفه.
تجاهلت هايدي كلماته واستدارت من جديد إلى الحاضرين.
كما قال، لقد أقامت عرضًا متعمّدًا لإظهار قوة الإمبراطورية المقدسة لهالين. والآن حان وقت التقدّم خطوة أخرى.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ودودة وكادت تفتح فمها لتتابع—
لكن امرأة جميلة تقدّمت إلى الأمام.
إنها الأميرة تيارا.
كانت تمثّل إمبراطورية كيزيا بدلًا عن وليّ العهد الذي لم يحضر بعد.
“يا جلالة الإمبراطور، هل تأذن لي أن أجرّب أيضًا؟ بالسحر.”
“تفضّلي.”
أذن الإمبراطور وعلى وجهه أمارات اهتمام؛ فقد كان هو أيضًا يتساءل عن مدى فاعلية السحر في مواجهة الكائن الشيطاني.
توجّهت نظرة تيارا الباردة إلى هايدي التي كانت تقف إلى جوار الكائن الشيطاني.
“ابتعدي.”
“حسنًا.”
لم تكن هايدي راضية عمّن يحاول زعزعة المشهد الذي أعدّته، لكنها تراجعت طوعًا حفاظًا على صورة القديسة.
حدّق الجميع في السحر مذهولين ولوّحت تيارا بيدها فجأة فتبدّد الدخان في لحظة.
بدا جلد الكائن الشيطاني كأنه كُوي بالنار، لكنه لم يُصب بجراح يمكن عدّها قاتلة.
ضيّقت تيارا عينيها وحدّقت في الكائن الشيطاني.
“تِسك… أأستخدم تعويذة أقوى؟“
“لا مزيد من ذلك هنا.”
قال الإمبراطور بحزم، فأومأت تيارا برأسها متقبّلة الأمر وتراجعت.
ارتسمت على شفتي هايدي ابتسامة خفيفة وهي تراقب المشهد.
كانت تخشى أن يختلّ ما دبّرته، لكن الأميرة، على العكس، قد ساعدتها.
فقد أثبتت بنفسها أن إمبراطورية السيف لوسيفون، وإمبراطورية السحر كيزيا، كلتاهما تجد صعوبة في مواجهة الكائنات الشيطانية.
قالت هايدي بصوتٍ متوسّل:
“أرجوكم بإلحاح لا تستهينوا بمواجهة الكائنات الشيطانية. له أجنحة تمكّنه من الطيران إلى أقصى السماء، وله أنياب ومخالب حادة، وقوة هائلة. أرجوكم توخّوا الحذر بل أشدّ الحذر لمواجهة هذا الكائن لا بدّ من القوة المقدسة والماء المقدس. ومن الآن فصاعدًا، ستكون إمبراطوريتنا المقدسة لهالين وأنا بصفتي القديسة سندًا لكم.”
بدأت العقول تعمل بسرعة استجابةً لندائها الملحّ.
حتى لو اضطروا إلى الخضوع لإمبراطورية هالين المقدسة، فلا بدّ من الحصول على الماء المقدس.
كما أنهم سيحتاجون إلى فرسانٍ مقدّسين يستخدمون القوة المقدسة.
وانشغل ممثلو الوفود في حساباتهم: كيف يمكن توطيد العلاقات مع إمبراطورية هالين المقدسة؟
سأل أحد ممثلي الوفود:
“لكنكِ قلتِ إن هذا الكائن لم يُذكر في السجلات منذ مئات السنين. فلماذا ظهر فجأة؟“
أجابت هايدي:
“هذا ما نركّز عليه في إمبراطورية هالين المقدسة أيضًا. من أين جاءت تلك الكائنات، ولماذا لا تظهر إلا في إمبراطورية لوسيفون…”
وأرسلت نظرةً ذات مغزى إلى الإمبراطور خلفها.
اتّسعت عينا السائل:
“ما معنى ذلك؟ أتعنين أن هذه الكائنات لا تظهر إلا في لوسيفون؟“
“حتى الآن، هذا ما نعرفه.”
أومأت القديسة هايدي برأسها ببطء ويداها متشابكتان أمام صدرها.
بدا الذهول على وجوه وزراء لوسيفون، بينما صمت ممثلو الوفود مجددًا ليعيدوا حساباتهم.
إذا كانت تلك الكائنات لا تظهر إلا في لوسيفون، فبلدانهم ما تزال آمنة.
وكان ميزان القوى الذي كان يقوم على ثلاثة أقطاب يميل بسرعة نحو إمبراطورية هالين المقدسة.
قال الإمبراطور الذي كان يجلس مسترخيًا في الخلف:
“أفرغتِ من كلامك يا قديسة؟“
“نعم. وإن كانت لديك أي أسئلة أخرى، فأنا رهن الإجابة.”
استدارت هايدي لتواجهه.
نهض الإمبراطور وجال ببصره على الوزراء وممثلي الوفود واحدًا تلو الآخر.
“إنما دعوتكم اليوم لإعلان وجود الكائن الشيطاني أمام الدول الأخرى، وتنبيهكم إلى ضرورة الحذر. تعلن إمبراطورية لوسيفون عزمها على القتال حتى يُستأصل نسل هذه المخلوقات. وبوسع ممثلي الوفود أن يعودوا إلى بلادهم. فالكائنات تنشط ليلًا، ومن الأفضل أن تنطلقوا صباحًا.”
“نشكر لك نصيحتك.”
أجاب ممثلو الوفود.
ثم عادت نظرة الإمبراطور الباردة إلى القديسة.
“يا قديسة. حتى أنا، بصفتي إمبراطور هذه البلاد، لا أجزم بأن الكائنات لا تظهر إلا هنا. فكيف تجزم بذلك إمبراطورية هالين المقدسة؟“
التعليقات لهذا الفصل " 112"