✿ الفصل 111 ✿
* * *
في أوسـع قاعات الاجتماعات في القصر الإمبراطوري كانت ‘القاعة الذهبية‘.
منذ الصباح الباكر اجتمع في مكان واحد ممثلو وفود الدول المختلفة ووزراء إمبراطورية لووسيفون.
وبمجرد انتهاء مهرجان تأسيس الدولة، كان ممثلو الوفود قد شرعوا في الاستعداد للمغادرة، لذا تعالت بينهم همهمات التذمّر.
“لقد أُبلغنا أننا سنغادر اليوم، فكيف يُطلب منا الاجتماع منذ الصباح الباكر؟“
“صدقت. مهما تكن إمبراطورية لوسيفون عظيمة، إلى متى ينوون احتجازنا هكذا…؟“
“هل سمعتم شيئًا؟“
توجّه ممثل إحدى الممالك الصغرى بالسؤال إلى وزير خارجية مملكة فويفرن، رايان، الجالس إلى جواره.
وكانت الأميرة داليا تجلس بقربه أيضًا.
كان يودّ أن يسأل الأميرة، خطيبة الإمبراطور، مباشرةً، لكنه لم يجرؤ، فاكتفى باستطلاع رايان.
ابتسم رايان بلطف وهزّ رأسه.
“لا علم لي بشيء.”
“إذا كانت مملكة فويفرن لا تعلم، فلا بد أن لا أحد يعلم.”
تمتم ممثل المملكة الصغرى، ثم حوّل نظره إلى ممثلٍ آخر.
أدار رايان رأسه وتفحّص الأميرة الجالسة إلى جواره.
كان القلق ظاهرًا في عينيها وهما معلّقتان بالباب.
“سموّ الأميرة، هل أنتِ بخير؟“
نزعت داليا نظرها عن الباب، ثم همست له بعد أن تأكدت من أن أحدًا لا يصغي:
“نعم، أنا بخير. لكن أرجو ألّا تفزع كثيرًا مهما قال جلالة الإمبراطور اليوم.”
ظهر التوتر على وجه رايان عند سماعه تحذيرها.
“هل تعرفين شيئًا يا سموّ الأميرة؟“
“نعم. لكن ليس من شأني أن أصرّح به.”
“فهمت. سنعلم قريبًا إذن.”
ألقت داليا نظرة خاطفة على لواند الجالس بين ممثلي الوفود، ثم أعادت بصرها إلى الباب.
كانت قد سمعت من هارت أن الإمبراطور بخير، لكن قلقها لم يهدأ تمامًا؛ فهي لن تطمئن إلا حين تراه بعينيها.
وبينما كانت تنتظره بقلق، انفتحت أبواب القاعة الذهبية المذهّبة، وأعلن أحد الخدم بصوتٍ عالٍ:
“جلالة الإمبراطور يدخل!”
دخل الإمبراطور يشعّ بهاءً حتى في هذا الصباح الباكر.
وبينما كان يجول بنظره في القاعة، توقفت عيناه عند داليا.
وحين رأت داليا هيئته السليمة، تنفست بوضوح ارتياحًا.
‘هذا مطمئن… لم يُصب بأذى.’
تلاقت نظراتهما الدافئة في الهواء.
لكن حين توقف الإمبراطور فجأة في منتصف سيره، بدأ الهمس ينتشر بين الحاضرين.
لمّحت له داليا بنظرةٍ خفية كأنها تحثّه على التقدّم.
ارتسم على شفتيه انحناء خفيف، لم يلحظه أحد.
ثم صعد إلى المنصّة في وسط القاعة.
وبنظرة مهيبة مسح الحاضرين ببصره، ثم قال ببطء:
“انتهى مهرجان التأسيس، لكن ثمة أمرٌ مهمّ يستدعي اجتماعنا منذ الصباح.”
نظر إلى جواره فأومأ أوريون برأسه وأشار إلى أحد الخدم.
فُتحت الأبواب الذهبية مجددًا، ودخل فرسان الحرس الإمبراطوري بعتادهم الكامل مصطفّين في نظامٍ محكم.
حرسٌ مسلّحون منذ الصباح الباكر؟
تبادل ممثلو الوفود نظراتٍ مرتبكة.
عندها، دفع فارسان شيئًا مغطّى بقماشٍ أسود إلى داخل القاعة.
انشدّت أنظار ممثلي الوفود ووزراء لوسيفون إليه.
وكلما اقترب ذلك الشيء المغطّى، انتشرت في القاعة رائحة نفّاذة من الدم ورائحة نتنة تشبه رائحة الوحوش.
“ما هذه الرائحة؟!”
“أفّ… منذ الصباح الباكر…”
أخرج الجميع مناديلهم وسدّوا أنوفهم.
وسرعان ما وُضع الشيء الضخم المغطّى بالقماش الأسود أمام الإمبراطور.
ألقى الإمبراطور نظرة قصيرة على القماش، ثم قال ببرود:
“لعلّ بعضكم سمع بما حدث الليلة الماضية.”
ارتسم في عيون بعض وزراء الإمبراطورية فضول ممزوج بالخوف.
“وما الذي حدث؟“
جاء السؤال من جهة الوفود.
أجاب الإمبراطور بصوتٍ ثقيل:
“ظهر كائن شيطاني. جلده أسود، وله هيئة تبدو وكأنها مزيج من عدة حيوانات، ويهاجم البشر.”
“ما— ماذا تقول؟ أين يوجد مثل هذا الشيء؟!”
“كائن شيطاني؟ لم أسمع بهذا من قبل.”
“خليط من حيوانات؟ أليس هذا وحشًا؟“
تعالت الأصوات المرتبكة حتى كادت القاعة تهتزّ بضجيجهم.
لم يعر الإمبراطور صخبهم اهتمامًا، بل تبادل نظرةً مع إيثان.
انحنى إيثان باحترام، ثم نزع القماش الأسود.
في اللحظة ذاتها، خيّم صمتٌ مطبق على القاعة.
ظهر أمامهم وحش يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار.
جلده الأسود اللامع يشبه حراشف السمك لكنه يبدو صلبًا قاسيًا، ووجهه الذي تحطّم مؤخره يشبه وجه سحلية، ولسانه الأسود الطويل متدلٍّ إلى الخارج.
قال الإمبراطور بصوتٍ جاف:
“هذا هو الكائن الشيطاني.”
كان ذلك كافيًا لتندفع شهقات مكبوتة وصيحات رعب من كل جانب.
“يا إلهي! ما هذا؟!”
“هذا… هذا هو الكائن الشيطاني؟“
انتظر الإمبراطور بصمت، ملامحه جامدة، حتى هدأ الاضطراب.
وما إن استعادوا شيئًا من رباطة جأشهم، وأطبقوا أفواههم طلبًا للإجابات، حتى تابع:
“نحن نعتبره نوعًا جديدًا من الكائنات. في الحقيقة، لم أكن أنا من أطلق عليه هذا الاسم، بل استُخدم أولًا في الإمبراطورية المقدسة لهالين.”
توقفت نظراته الباردة عند أحد ممثلي الوفود.
“أليس كذلك، يا قائد الفرسان المُقدسين لواند؟“
كان لواند يحدّق في الوحش، فرفع نظره ببطء نحو الإمبراطور.
تلاقت نظراتهما الحادّة في الهواء.
“ما الذي تعنيه يا جلالة الإمبراطور؟ هل كان القائد على علمٍ بوجوده؟“
“تفضّل وقل شيئًا.”
ضغط عليه ممثلو الوفود الجالسون بقربه.
تجاهل لواند كلماتهم، وتقدّم بخطوات هادئة إلى الأمام.
كما كان الإمبراطور يراقب فرسانه، كان هو أيضًا يراقب رجال الإمبراطور.
ولذلك أدرك أن الحرس الإمبراطوري ظلّوا يتحرّكون بنشاط طوال مهرجان التأسيس.
وفي الليلة الماضية، تلقّى تقريرًا بظهور الكائن الشيطاني.
كان الخبر صادمًا: الكائن الشيطاني ظهر من دون أن يُرشّ بالماء المقدس.
ظلّ صامتًا طويلًا أمام هذه الحقيقة.
لم يكن يعلم أكان لذلك الكائن الشيطاني حالةً خاصة، أم أن الكائنات الشيطانية لم تعد تتخفّى بالشفافية، بل بدأت تُظهر هيئاتها علنًا.
غير أنه ما إن بلغه الخبر حتى تواصل فورًا مع البابا.
* * *
“ظهر إذن… سيعمّ الاضطراب الإمبراطورية قريبًا. هل تستطيع إخراج الأميرة عندها؟“
“…سأبذل ما بوسعي.”
“حسنًا. لا تتقدّم أنت إلى الواجهة، وتظاهري بأنك لا تعلم شيئًا. لقد أعددتُ خطةً أخرى.”
“نعم، فهمت.”
حتى في هذا التواصل المقتضب، كان تعلّق البابا المفرط بالأميرة واضحًا.
كان عليه أن ينهي الحديث من دون أن يستفزه قدر الإمكان.
وفوق ذلك، إن كانت الكائنات الشيطانية قد بدأت تظهر للعيان وتشرع في اصطياد البشر بجدية، فإن الأميرة نفسها ستغدو في خطر.
لم يعد وجودها في إمبراطورية لوسيفون آمنًا.
سواء أكان ذلك بأمر البابا أم لا، كان لا بد من إجلاء الأميرة إلى مكانٍ آمن.
* * *
قال رواند بهدوء وهو ينظر إلى الإمبراطور:
“أنا لا أعلم شيئًا يا جلالة الإمبراطو،.”
ضيّق الإمبراطور عينيه ساخرًا:
“أحقًا لا تعلم الإمبراطورية المقدسة لهالين شيئًا؟“
“أنا—”
همّ لواند أن يتابع، لكن—
“نعم. إنه لا يعلم شيئًا.”
تقدّم شخص يرتدي رداءً أبيض إلى الأمام.
وبصوتٍ صافٍ أجاب بدلًا عن لواند، ثم خلع قلنسوته.
انسدلت خصلاتٌ ذهبية لامعة وانكشفت عينان حمراوان بلون اللهب ووجه امرأة فاتنة بشفتين ورديّتين.
“القديسة هايدي أوفيريون، أحيّي جلالة الإمبراطور.”
قال الإمبراطور بنبرة تشوبها الريبة:
“قديسة؟ على حدّ علمي، لم تظهر قديسة في الإمبراطورية المقدسة لهالين منذ عقود.”
أجابت بثبات:
“أنا القديسة التي ورثت اسم أوفيريون.”
وعند موقفها الواثق، تحوّلت نظرة الإمبراطور الباردة إلى لواند.
كان لواند يحدّق في المرأة بوجهٍ متصلّب.
تابعت القديسة:
“قائد الفرسان المقدسيين لا يعلم شيئًا عن تلك الكائنات. سأشرح الأمر بنفسي.”
ثم التقت عيناها بعيني لواند، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 111"