أطرق غراي ناظرًا إلى أربان الممدّد بعينين مغمضتين.
تذكّر صوته يوم قال له بخجل:
‘جلالتك، أريد أن أصبح فارسًا في الحرس الإمبراطوري وأخدمك عن قرب. هذا حلمي.’
وتذكّر كيف كان ينظر إليه دائمًا بعينين مفعمتين بالإعجاب كلما التقيا.
يومها أجابه باقتضاب:
“حسنًا. أنا أدعمك.”
وكان وجه أربان قد أشرق كأنه نال الدنيا بأسرها بتلك الكلمات القليلة.
لكن ذلك الحلم… انتهى اليوم.
في تلك اللحظة، انقبض حاجبا أربان قليلًا ثم انفرج جفناه ببطء.
راحت عيناه الزائغتان تجولان في المكان قبل أن تستعيدا صفاءهما تدريجيًا.
‘أين أنا…؟ آه، العيادة.’
تذكّر طبيب القصر وهو يعالجه. وتذكّر الحقنة… إذًا لهذا لا يشعر بالألم الآن؟
أنزل نظره المرتجف نحو ذراعه اليمنى.
تحت الضماد الأبيض، لم يكن هناك شيء.
حاول دون وعي أن يحرك يده اليمنى… لكن الطرف الذي لم يعد موجودًا لم يستجب بشيء.
رفع رأسه ببطء، فالتقت عيناه بالإمبراطور.
انتفض جالسًا على عجل.
“جلالتك… أحيّي جلالة الإمبراطور.”
“أربان…”
“نعم جلالتك.”
أطرق أربان برأسه وملامح الخوف بادية على وجهه.
خالف الأوامر وتبع الحرس من تلقاء نفسه، فتسبّب في حادثٍ جسيم.
ربما سيعاقبه الإمبراطور.
لكن الصوت الذي سمعه كان هادئًا مقتضبًا:
“أحسنت صنيعًا.”
اختنق أربان بعبرةٍ مفاجئة حتى برزت عروق فكه من شدّة ما أطبق على أسنانه.
لقد فقد ذراعه.
وفقد حلمه.
لم يتوقّع أن يسمع من الإمبراطور كلمات كهذه.
وفجأة، اندفع الباب مفتوحًا بعنف.
“أربان!”
شقّت ماركيزة العائلة طريقها بين الفرسان ودخلت مسرعة.
كانت تسريحتها المثالية قد اختلّت في دلالة على عجلتها واضطرابها.
“أمي…”
اقتربت من السرير مباشرة وراحت تتفحّصه من رأسه إلى قدميه بوجهٍ شاحب.
ثم استقرّ بصرها على موضع ذراعه اليمنى الخالي.
صفعةٌ مدوّية.
ارتجفت يدها بعد أن لطمت خده بقوة وعيناها السوداوان تقدحان شررًا.
“ما الذي فعلته بحق السماء؟! هل فقدت عقلك؟!”
أدار أربان رأسه الذي مال بفعل الصفعة ونظر إليها بصدمة.
كانت عيناها تشتعلان غضبًا حتى إنه عجز عن النطق.
“……”
“ألم أحذّرك؟ قلت لك ألا تفعل شيئًا! وألا تفكّر حتى في دخول الحرس الإمبراطوري! ومع ذلك تتسبب في كارثة كهذه؟! كيف تجرؤ على فعل هذا بي؟! فردٌ من العائلة الإمبراطورية… يفقد ذراعه؟! أتدرك ما معنى ذلك؟!”
كانت ماري ترتجف غضبًا من رأسها حتى قدميها، ولم تقع عيناها على وجه ابنها الشاحب الحزين.
لم يكن يفصلها سوى القليل.
الإمبراطور لم يبقَ له من العمر الكثير — هكذا كانت تظن.
وكان ابنها هو من أفسد كل شيء.
هل يمكن لمن فقد ذراعًا أن يجلس يومًا على عرش الإمبراطورية؟
ذلك المقام الذي طمحت إليه طوال حياتها، وصبرت لأجله سنواتٍ لا تُحصى…
كيف يجرؤ ابنها على أن يركله بقدمه هكذا؟! ألم تأمره أن ينتظر فحسب؟!
كانت تخطّط لرفعه إلى أعلى منصب في البلاد.
فما قيمة منصب فارسٍ في الحرس مقارنةً بذلك؟
“أحمق!”
رفعت يدها لتصفعه مرةً أخرى، لكن صوت الإمبراطور قطع عليها الحركة.
“كفى يا ماركيزة.”
انتبهت فجأة وأنزلت يدها بسرعة ثم التفتت نحو الإمبراطور.
كانت من شدّة انفعالها قد نسيت وجوده في الغرفة.
مرّرت يدها في شعرها المبعثر وألقت التحية:
“…أحيّي جلالة الإمبراطور.”
“هذا تصرّف غير متوقّع.”
انحنت أكثر لتخفي ارتباكها.
لطالما أظهرت أمامه وجهًا عطوفًا دافئًا.
لكنها فقدت اتزانها حين علمت ببتر ذراع ابنها.
“كنتُ شديدة التأثر، فأظهرتُ جانبًا غير لائق.”
قالت ذلك بصوتٍ متكسّر متصنّع الحزن.
قال الإمبراطور بهدوء:
“أربان تعرّض لحادث. لا تلوميْه أكثر.”
سألت ماري بعد لحظة:
“لي سؤال واحد جلالتك. سمعت أن مخلوقًا غريبًا لم يُرَ مثله من قبل هاجم ابني. هل هذا صحيح؟“
رفعت عينيها ببطء لتقرأ ملامحه.
كانت قد صُدمت بخبر بتر الذراع حتى غفلت عن أمرٍ أهم.
الإمبراطور الواقف أمامها… كان الأقوى في الإمبراطورية، لا يُضاهيه أحد.
ولم يُعرف عنه أنه مرض يومًا.
طالما تساءلت: كيف سيموت رجلٌ كهذا؟
“نعم.”
“وكيف تنوي التصرّف حيال تلك المخلوقات؟ يجب ألا يُصاب أحدٌ آخر كما أصيب ابني.”
في وقتٍ كهذا، حين كانت تعتقد أن أيام الإمبراطور معدودة، ظهر هذا الوحش.
وقيل إن عشرات الفرسان عجزوا عن حسمه بسهولة.
أيمكن أن يلقى الإمبراطور حتفه وهو يقاتل مثل هذه المخلوقات؟
إن كان الأمر كذلك… فلا بد أن يكون في الطليعة.
أجاب الإمبراطور ببرودٍ حاسم:
“سأقضي عليها. والآن، سأترككم وحدكم قليلًا.”
“نعم.”
وغادر المكان.
فلحق به جميع من كانوا في المشفى، ولم يبقَ في الغرفة سوى ماري وأربان.
بعد أن استعادت رباطة جأشها عقب لقائها بالإمبراطور، ثبتت ماري نظرها على وجه ابنها.
كان الشحوب الذي يكسوه، والظلّ المخيّم على عينيه، يكشفان بوضوح عن عمق الخسارة التي يشعر بها.
“أربان… يا لابني المسكين…”
نظرت إليه بعينين يغلّفهما الأسى.
‘أحمق.’
“الآن لن تستطيع تحقيق ذلك الحلم الذي تمنّيته طويلًا.”
قالت ذلك بصوتٍ مفعم بالحزن وكأنها تواسيه.
كان ينبغي أن تُخضعه لرغبتها، ولو بالقسر.
كان عليها أن تمحو من رأسه ذلك الحلم التافه محوًا تامًا.
رفع أربان نظره ببطء وحدّق فيها مباشرة.
“وما كنتِ تتمنينه لي… لن يتحقق هو الآخر، أليس كذلك؟“
“…ماذا؟“
“بعد أن تحطّمت دميتكِ هكذا، لم أعد نافعًا لكِ، أليس كذلك؟“
وأشار إلى ذراعه المبتورة مبتسمًا ابتسامة جافة.
ما تريده أمه… كان يلمحه من بعيد، لكنه أمرٌ لا يجرؤ على التلفّظ به لشدّة جسامته وخطورته.
والآن، بعد أن فقد ذراعه، لم يعد ذلك الطريق ممكنًا.
“أربان…”
“إذًا تخلّي عن الأمر. لن أكون دميتكِ بعد الآن.”
ظلّت ماري تحدّق في ملامحه الصارمة دون أن ترمش.
الإمبراطور يجب أن يكون دائمًا صاحب الاختيار الصائب، وكانت تريد لابنها أن يمتلك المؤهلات بنفسه.
لهذا لم تلجأ إلى تنويمه أو إخضاعه قسرًا.
لكن أن يصل به الأمر إلى هذا التمرّد؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم أمسكت وجهه بيدٍ واحدة.
“منذ اللحظة التي وُلدتَ فيها ابني، كان عليك أن تطيعني.”
كان التحدّي يلمع في عيني أربان، فتراجع برأسه إلى الخلف رافضًا لمسها.
“أتدرين لماذا أُصبتُ هكذا؟“
“بسبب الوحش.”
“لا! بل بسببكِ أنتِ! أردتُ أن أُثبت أنني أستطيع الإفلات من قبضتكِ بجهدي أنا!”
“تسك… يا لها من حماقة.”
كان في عينيها جمودٌ بارد كأنها تتحسّر على سلعةٍ أصابها عيب.
عند تلك النظرة، انهار شيءٌ في صدر أربان.
لم يكن فقدان ذراعه هو الأكثر إيلامًا… بل برودة عينيها.
“لماذا تفعلين بي هذا؟ لماذا؟!”
عيناه اللتان لم تذرفا دمعةً حين بُترت ذراعه، فاضتا الآن بالدموع.
كان يشعر وكأن قلبه صار خواءً.
“أربان، كل ما فعلته كان من أجلك. سأضع بين يديك أثمن ما في الوجود.”
ارتسمت على شفتيها الحمراوين ابتسامةٌ جميلة كلوحةٍ مرسومة.
“……”
عجز أربان عن الردّ أمام ذلك التعلّق المشوب بالجنون.
“صحيح أنك فقدتَ ذراعًا، لكن الأمور ستؤول في النهاية كما أريد.”
أغمض أربان عينيه بإحكام.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها بهذا القدر من الرعب من يد أمه البيضاء وهي تمتد نحوه لتحتضنه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 110"