✿ الفصل 109 ✿
* * *
انتهت الليلة الطويلة لمهرجان تأسيس الإمبراطورية، تلك الليلة التي أشرقت بأنوارها حتى تعذّر التمييز فيها بين الليل والنهار.
حلّ ليلٌ حالك اختبأ فيه حتى ضوء القمر وغرقت السماء في سوادٍ دامس.
كان شابان يسيران وهما يكتمان أنفاسهما يحرصان على ألا يُسمع لهما حتى وقع قدم.
الذين كانا يتعقّبانهم لم يكونوا سوى فرسان الحرس الإمبراطوري، أصحاب الحِسّ المرهف والبصيرة الحادة.
ولئلا يُكشف أمرهما، أبقيا مسافة آمنة بينهما وبين الفرسان، وتقدّما ببطءٍ وحذر.
“أربان، لنعد أدراجنا الآن.”
همس ليو وهو يفرك عينيه النعستين.
هزّ أربان رأسه وعيناه معلّقتان بالاتجاه الذي مضى فيه فرسان الحرس.
“إن أردت العودة، فعد وحدك.”
“آه، بجدية؟ أنت من قال إننا قد نكون في خطر، وأنه علينا ألا نتدخل.”
“صحيح. ولهذا يجب أن أعرف ما هو ذلك الخطر.”
قالها أربان بحزم وقد لمع بريقٌ قاطع في عينيه السوداوين.
“يا رجل، من المؤكد أنك ستُقبل في الحرس الإمبراطوري، فلماذا تُجهد نفسك إلى هذا الحد؟“
تمتم ليو بضيق وهو يرمق صديقه بنظرة متبرّمة.
عجيبٌ أمره؛ لماذا يبدو أربان –قريب جلالة الإمبراطور– أكثر حماسًا منه وهو الابن الثاني لعائلة بارون، في مسألة التجنيد الخاص للحرس الملكي.
[ ليو ابن البارون الثاني واربان ابن الماركيزة ماري سوندو ]
“لا شيء في الدنيا مضمون. أتظن أن جلالته سيجاملني لأنني من أقاربه؟ بل على العكس، سيحاكمني بمعايير أشد صرامة.”
“قد يكون الإمبراطور كذلك، لكن الماركيزة ستتدخل بطريقة أو بأخرى.”
ما إن سمع أربان تلك السخرية حتى تجمّد وجهه.
أمه التي تعارض بشدة انضمامه إلى الحرس لن تساعده قط.
بل سيكون من حسن حظه إن لم تسعَ بكل ما أوتيت من نفوذ لإقصائه.
لا… هي حتمًا ستبذل كل ما تستطيع لمنعه من دخول الحرس الإمبراطوري.
ولهذا كان أربان يائسًا إلى هذا الحد؛ يائسًا لدرجة أن يتبع فرسان الحرس في عتمة الليل.
فإن استطاع، ولو بمساعدة صغيرة، أن يثبت نفسه أمامهم، فقد يترك فيهم انطباعًا لا يُمحى.
وعندها، حتى لو حاولت أمه التأثير من الخلف، فسيظل لديه أمل في القبول.
“إن كنت ستثرثر بكلام فارغ، فارحل أنت أولًا.”
تحوّلت نبرة أربان إلى برودٍ قاسٍ.
“أرحل؟ وهل أنا شمعة لأُطفأ؟ هيا بنا فحسب.”
قال ليو ذلك مازحًا ليخفّف الجو، فابتسم أربان ابتسامة خفيفة ومضى بصمت.
في تلك اللحظة، انبعث صوتٌ غريب من جوارهما.
كـرررر…
انتفض الاثنان وقد سرت القشعريرة في جسديهما فاستلا سيفيهما بسرعة وحدّقا في اتجاه الصوت.
لكن الظلام كان كثيفًا إلى حدّ أن الرؤية انعدمت.
وقفا متلاصقين ظهرًا إلى ظهر، يتراجعان ببطء وحذر.
سأل ليو بصوت مشدود:
“هل نزل وحشٌ من الجبال؟“
“ربما. لنتراجع ببطء.”
في تلك الأثناء، انقشعت سحابة سوداء ببطء، وانسكب ضوء القمر الخافت، فكشف شيئًا من العتمة.
كـرررر…
مع ذلك، ورغم وضوح زمجرة الوحش، لم يكن أمامهما شيء.
عندها عقد أربان حاجبيه.
لم يكن هناك شيء قبل لحظة… ومع ذلك، ظهر فجأة أمام عينيه مخلوقٌ أسود الجناحين يبلغ طوله ثلاثة أمتار.
كان جسده مغطّى بحراشف سوداء، يسير على قدمين، ويمتد فمٌ يشق نصف وجهه الشبيه بالسحلية، تتلوّى بين شفتيه المشقوقتين لسانٌ أسود لامع.
“ليو! اهرب!”
“ما— آااه!”
ما إن لمح ليو الوحش حتى صرخ، لكن المخلوق اندفع نحوه فورًا ولوّح بمخالبه الحادة.
حاول أربان أن يصدّ الضربة بسيفه، غير أن مخلب الوحش شطر سيفه إلى نصفين بسهولة.
“ليو! أعطني سيفك! اذهب بسرعة إلى الحرس وأخبرهم!”
“أربان… لنذهب معًا…”
قال ليو ذلك بصوت مرتجف ويداه ترتعشان حول مقبض سيفه.
“أسرع! سأشغله عنك!”
انتزع أربان سيف ليو وهمّ بمواجهة الوحش، لكن المخلوق شقّ فمه بابتسامة مروّعة.
ما إن رأى ليو ذلك حتى استدار وركض.
تتبعت عينا الوحش الحمراوان حركته، ثم حلق في الهواء بخفة مفاجئة وانقضّ بمخالبه على ظهر ليو.
“آاااه!”
تمزّق ظهره وتدحرج على الأرض وهو يصرخ ألمًا.
“ليو!!”
قبض أربان على السيف بكلتا يديه واندفع نحو الوحش بكل ما يملك من قوة.
* * *
كان فرسان الحرس الإمبراطوري يتحرّكون في فرقٍ من عشرة أفراد.
“انتهى مهرجان التأسيس أخيرًا. لكن لا مجال للتراخي، واصلوا أداء مهامكم بأقصى يقظة.”
“نعم!”
جاء الردّ جماعيًا متزامنًا مع كلمات القائد.
وفجأة—
“آاااه!”
دوّى صراخٌ مليء بالألم من مكان غير بعيد.
تبادل الفرسان النظرات، ثم اندفعوا مسرعين نحو مصدر الصوت.
وهناك واجهوا مشهدًا لم يكن يخطر ببالهم.
…وحشٌ شيطاني.
مخلوقٌ لا يُرى عادة إلا بعد رشّه بالماء المقدّس، لكنه الآن كان ظاهرًا بوضوح تحت ضوء القمر.
وبجواره شابٌ ممدّد على الأرض ينزف، وآخر يقف مذهولًا وقد بُترت ذراعه.
“ليو؟!”
اندفع أحد الفرسان إلى الأمام.
كان أخوه الأصغر ملقى أرضًا بعدما فتك به الوحش.
“الجميع، اتبعوا ريجين!”
بأمر القائد، أخرج الفرسان قوارير الماء المقدّس ولحقوا بريجين عن كثب.
وقف ريجين أمام ليو كأنه درعٌ يحميه، ووجّه سيفه نحو الوحش بعينين متقدتين.
وحين راح الوحش يلعق شفتيه محدّقًا في ليو الجريح، رشّ ريجين سيفه بالماء المقدّس وأطلق هالةً طويلة من الطاقة الزرقاء حول نصله.
في تلك الأثناء، أسرع أحد الفرسان فرشّ الماء المقدّس على ظهر ليو الممزّق، ثم حمله على ظهره وتراجع بسرعة.
“أنقذوا… أربان…”
همس ليو بهذه الكلمات قبل أن يفقد الوعي.
تجمّد الفارس الذي يحمله لحظةً عند سماعه الاسم.
ففي الإمبراطورية كلّها، لم يكن هناك من يجهل ذلك الاسم.
ألقى نظرةً سريعة خلفه، فرأى القائد يندفع نحو أربان، فشدّ ليو بإحكام وغادر منطقة الخطر مسرعًا.
أما أربان، فكان واقفًا في مكانه بوجهٍ شاحبٍ شارد.
ماذا حدث للتو؟
كان يهمّ بمباغتة الوحش من الخلف… لكن المخلوق استدار فجأة كأنه كان ينتظره ولوّح بمخالبه.
المخالب… نعم.
لوّح بها فقط، فانفصلت ذراعه.
رأى ذراعه ترتفع في الهواء كأنها لا تخصّه، مشهدٌ بدا غير واقعي إلى درجة أنه لم يشعر بالألم في اللحظة الأولى.
حدّق الوحش فيه باستخفاف، ثم حوّل نظره مجددًا نحو ليو، كأنه يقول إن صاحب الذراع المبتورة لم يعد يشكّل تهديدًا يُذكر.
منذ طفولته، كان حلم أربان أن يصبح فارسًا في الحرس الإمبراطوري، يخدم جلالة الإمبراطور عن قرب.
تدرّب بلا كلل، وكان كلما لمح الإمبراطور من بعيد امتلأ قلبه إعجابًا وهيبة.
والآن… فقد ذراعًا.
لن يستطيع الإمساك بالسيف بعد اليوم.
تحطّم حلم الفروسية.
ترى… هل ستفرح أمه؟
“هل أنت بخير؟“
شعر بيدٍ تمسك كتفه السليم.
وعندها فقط، كأنما استفاق من صدمة، انفجر الألم من موضع الذراع المبتورة.
“آآآه—!”
صرخ أربان صرخةً مدوّية.
كان الألم ساحقًا، لا يُحتمل.
جذبه الفارس إلى الخلف قائلًا:
“علينا الانسحاب أولًا. المكان خطير.”
“ذلك الوحش… ما هو ذلك الوحش أصلًا…؟“
رمق أربان المخلوق بنظرةٍ ملؤها الحنق والعجز.
لم يجبه الفارس، بل حمله على كتفه وغادر به منطقة الخطر بسرعة.
أما الفرسان الباقون، فتحرّكوا إلى مواقعهم التي طالما تدربوا عليها لمواجهة مثل هذه المخلوقات، في انتظار وصول الإمبراطور وقائد الحرس.
* * *
تبع الإمبراطور إيثان إلى الأطراف بسرعة، وهناك رأى عشرات الفرسان يلهثون من الإعياء وهم يطوّقون الوحش ويحاولون احتجازه.
فور ظهوره، جاءت فرقٌ أخرى للدعم.
وفي المقدّمة، كان ريجين يواجه الوحش بنظرةٍ حادة تكاد تفتك به.
“ريجين! تراجع!”
عند نداء إيثان، انسحب ريجين بسرعة إلى الخلف.
تقدّم الإمبراطور وإيثان بسيوفٍ رُشّت بالماء المقدّس، وراحا يواجهان الوحش الذي بات مرئيًا بوضوح.
ولمنعه من الفرار، قطعا جناحيه الأسودين كلٌّ من جهته.
أطلق الوحش صرخة ألمٍ مدوّية.
“كواآآآ—!”
دارت عيناه الحمراوان في هلع يبحث عن منفذٍ للهرب.
لم يكن أحد يعلم ما الذي قد يفعله إن قرر الفرار.
“الجميع، تراجعوا!”
صدر الأمر من غراي، فتحرّك الفرسان بانضباطٍ تام.
ثبت غراي نظره البارد على الوحش.
ويبدو أن المخلوق أدرك أن أخطر خصومه يقف أمامه، فبدأ يتراجع بخطواتٍ حذرة.
“إيثان، اقطع عليه طريق الهرب!”
اندفع إيثان إلى الخلف ليغلق المنفذ فالتفتت أنظار الوحش نحوه.
في تلك اللحظة—
قفز غراي عاليًا في الهواء وأطلق هالةً زرقاء كثيفة من طاقته وغرسها بقوة في رأس الوحش.
فتح المخلوق فمه على اتساعه من شدة الألم ومدّ لسانه طويلًا ثم ترنّح وسقط إلى الخلف ببطء.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 109"