“لواند. سمعتُ أنك كوّنتَ علاقة ودّ مع أميرة فويفرن؟“
“……نعم. سبق أن قدّمتُ لها المساعدة.”
أنزل لواند عينيه ليُخفي ارتباكه.
“أحسنت.”
على غير المتوقع، جاء ثناء البابا بنبرة راضية.
“لا يزال هناك متّسع من الوقت قبل زفاف الإمبراطور لووسيفون والأميرة. هل يمكنك إقناعها وزيارتها لدعوتها إلى الإمبراطورية المقدسة هالين؟“
تظاهر لواند بالتفكير للحظة، ثم انحنى برأسه.
“يبدو الأمر صعبًا، فالإمبراطور يكنّ للأميرة عناية خاصة.”
“همم…… أهو كذلك؟“
تسرّب الاستياء إلى صوت البابا.
“أعتذر.”
“ولِمَ تعتذر؟ وما حال الوحوش الشيطانية؟“
“نحن في فترة الاحتفال بتأسيس الدولة، وحرس القصر الملكي ينتشرون في كل مكان، لذلك لم نتمكن من الاقتراب.”
“تسك. يبدو أن الإمبراطور لووسيفون عقبة في كل شيء.”
“……”
عجز لوآند عن إيجاد جواب، فآثر الصمت.
“القديسة ستصل قريبًا إلى لووسيفون.”
“ماذا؟ هل عثرت على القديسة؟“
رفع لوآند رأسه فجأة وحدّق في أداة الاتصال.
“نعم. بعد بحثٍ طويل، وجدناها أخيرًا.”
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتي البابا.
حافظ لوآند على ملامح جامدة وهو يكتم اضطرابه.
“أبارك لك يا قداسة البابا.”
“هاهاها. بل إمبراطوريتنا هي من تستحق التهنئة.”
“ولكن، هل لي أن أسأل عن سبب زيارة القديسة لإمبراطورية لووسيفون؟“
“أليست وفود الدول كافة مجتمعة هناك حاليًا؟ سيكون من المرهق دعوتهم واحدًا واحدًا، لذا قررت القديسة أن تذهب بنفسها.”
“نعم فهمت.”
“القديسة آيريس أيضًا من عائلة أوفيريان، فاعتنِ بها كأنها من أهلك.” [ لواند من عائلة أوفيريان قدم نفسه في الفصل 34 كذا ]
“نعم.”
بعد إنهاء الاتصال، أدار لوآند نظره نحو النافذة وملامحه متجهمة.
على مدى سنوات، طاف أماكن كثيرة بحثًا عن قديسة تُدعى “آيريس أوفيريان“.
كان هوس البابا بها عنيدًا لا يلين.
لكن أن تظهر آيريس أوفيريان فجأة؟
غاصت عينَا لوآند الزرقاوان في ظلمة كثيفة.
فهو، أكثر من أي شخص آخر، يعلم جيدًا أن تلك المرأة “مزيّفة“.
* * *
أمسك رجلٌ طويل القامة بكتف طفلٍ فجأة، ثم راح يتحسس جسده هنا وهناك قبل أن يطلق صيحة إعجاب.
“هممم.”
“ما بك؟ ابتعد عني!”
تراجع الطفل بازدراء مبتعدًا عن يديه.
“يا صغيري، جسدك صلب على غير العادة. ما اسمك؟“
“ذلك……”
همّ الطفل بالرد على عادته، لكنه تذكّر فجأة الاسم الذي أطلقته عليه الأميرة قبل أيام.
هل يحق له أن يقوله؟
“ألستَ بلا اسم؟“
عند سؤال الرجل، فتح لوآند شفتيه المرتجفتين.
“لـ، لدي اسم! لوآند. أنا لوآند.”
“حسنًا يا لوآند. هل ترغب في أن تصبح فارسًا؟“
رفع لوآند نظره إلى الرجل ذي اللحية الكثيفة بنظرة مليئة بالريبة.
“ومن تكون أنت؟“
انحنى الرجل قليلًا وابتسم ابتسامة مشاكسة، ثم أخرج شارة على شكل نجمة تتلألأ.
“أنا اللورد لومون. وهذه شارة فارس مقدّس من الإمبراطورية المقدسة هالين. لكن في هذه المملكة، من الأفضل ألا أُفصح عن ذلك، وإلا كثرت المتاعب.”
حدّق لوآند في الرجل بوجهٍ مذهول.
حتى وهو يتيم، كان يعلم جيدًا مدى عظمة الفرسان المقدسين.
“إذا أخذت هذه الشارة وذهبت إلى الإمبراطورية المقدسة هالبن وقلتَ إنني من أرسلك، ستتمكن من تلقي تدريب الفرسان المقدسين. ما رأيك؟ أتود أن تصبح فارسًا مقدسًا؟“
فارس مقدس.
لأول مرة، اشتعلت في صدر لوآند شرارة تُدعى الأمل.
“إذا صرتُ فارسًا مقدسًا، هل أستطيع أن أرفع رأسي أمام الناس؟“
“بالتأكيد.”
“أ–أمام الأميرة أيضًا؟“
“طبعًا. الفارس المقدس الحقيقي يستطيع أن يقف شامخًا حتى أمام الإمبراطور.”
“أنا… أريد أن أكون فارسًا مقدسًا.”
ناول اللورد لومون الشارة النجمية له بلا تردد.
“جيد! هذا ثمن الصفقة.”
“صفقة؟“
“نعم. هناك سيدة نبيلة تزور دار الأيتام كثيرًا، أليس كذلك؟ حاول أن تعرف عنها بعض الأمور. أين تقيم مثلًا.”
عبس لوآند بشدة وأعاد مدّ الشارة نحوه.
“لن أفعل هذا!”
“حسنًا، حسنًا. لن أطلب منك شيئًا. احتفظ بها الآن فقط.”
حدّق لوآند في ابتسامته الماكرة، ثم أنزل نظره إلى الشارة في يده.
كانت صفراء متلألئة كأن نجمةً من السماء سقطت فعلًا في كفه.
كانت تلك أول مرة يمتلك فيها شيئًا ثمينًا إلى هذا الحد.
هل يُعقل أن يكون جديرًا بحمل شيء كهذا؟
“احتفظ بها جيدًا.”
أومأ لوآند برأسه وهو يضمّ النجمة بكلتا يديه.
* * *
كان يومًا تهطل فيه الأمطار بغزارة حتى بدا صوت ارتطامها بالنافذة غير مألوف.
كان لوآند يتردد كثيرًا على النُزل الذي يقيم فيه اللورد لومون بعدما وعده بتعليمه المبارزة.
“تريدني أن أُعطي هذه الورقة لتلك السيدة؟ ماذا كُتب فيها؟“
سأل لوآند بصراحة وهو يحدّق في الورقة المليئة بحروف سوداء لا يستطيع قراءتها.
“ظننتك رأيتها من قبل. إنها رسالة للاطمئنان.”
“رسالة اطمئنان؟“
“نعم. كل ما عليك هو إيصالها.”
“ليست رسالة غريبة، أليس كذلك؟“
نظر إليه لوآند بعينٍ متشككة، فضحك السير لومون بخفة.
“سيكون لك شأنٌ عظيم مستقبلًا. كيف لا تثق بالناس إلى هذا الحد؟ هل تعرف كم هذه النجمة مهمة؟ إنها دليل على هويتي. ومنحي إياها لك يعني أنني أثق بك تمامًا. لذا، ثق بي أنت أيضًا.”
“……حسنًا.”
“تفضل، هذه مكافأة!”
رمى له قطعة شوكولاتة فالتقطها لوآند بسرعة ووضعها في فمه.
أما الحلوى التي حصل عليها قبل أيام، فقد خبأها بعناية ليعطيها لـ“كول“.
“احرص على ألا تبتل الرسالة. أخفِها جيدًا في صدرك.”
أومأ لوآند برأسه وانشغل بإخفاء الرسالة داخل ثيابه، فلم ينتبه إلى النظرة الماكرة التي لمع بها الرجل.
* * *
كانت الأمطار تضرب الوجه بعنف والرؤية تكاد تنعدم.
وسط هذا السيل المنهمر، كانت الملكة تسرع الخطى.
“مولاتي الملكة، إلى أين نذهب؟“
“يجب أن ألتقي بالرجل الذي أعطاك تلك الرسالة.”
قال إنها رسالة اطمئنان… هل كان مكتوبًا فيها طلب لقاء؟
“ألن نصطحب الفرسان المكلّفين بحمايتك؟“
سأل لوآند وهو يلاحقها ويُمعن النظر حوله.
هزّت الملكة رأسها بحزن، وأمسكت يده بقوة.
“لوآند. أشعر فيك بنورٍ مقدّس.”
“ماذا؟“
نظر إليها باستغراب.
“نور الإلهة… لم أشعر به منذ زمن.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“لا بدّ أنه شعر به أيضًا. لذلك اختارك……”
على الجسر الخشبي المهجور، كان اللورد لومون يقف منتظرًا.
كان النهر أسفل الجسر قد فاض من شدة المطر، يتلاطم بعنف.
التعليقات لهذا الفصل " 104"