“السلامُ العالميّ.”
عند سماع هذه الكلمات،
تبادل الأخوان النظرات بوجوهٍ فاترة.
“فهمتُ.”
“طموحكِ كبيرٌ فعلًا يا آنسة بيا.”
“الطموحُ يجب أنْ تكون كبيرةً أصلًا.”
“صحيح.”
أجابت داليا بهدوء، فهزّت آني رأسها موافقةً.
ابتسم رايان على انسجامهما،
ورشف من الشاي.
لكنّ عقل داليا كان يعجّ بالأفكار.
الشخصُ الوحيد الذي يعلم أنّها ترى المستقبل في أحلامها، هو أخوها فقط.
لذلك، لم تقل سوى نصف الحقيقة.
إنْ تمّ منعُ دمارِ العالم،
فسيعمّ السلامُ العالميّ، أليس كذلك؟
كان هدفُها من القدوم إلى الإمبراطوريّة واضحًا.
تزويج الإمبراطور لمنع نهاية العالم،
وبالمناسبة، معرفة لماذا يجب أنْ يتزوّج الإمبراطور تحديدًا كي لا ينهار العالم.
خطّتها لتزويج الإمبراطور كانت قصيرةً وحاسمة.
الهدفُ الأوّل:
بناءُ علاقةٍ جيّدةٍ معه.
فمَن قد يُصغي لنصيحةِ زواجٍ من شخصٍ لا يعرفه؟
الهدفُ الثاني:
اكتشافُ المرأة المثاليّة في نظر الإمبراطور،
ثم ترتيبُ لقاءٍ طبيعيٍّ بينه وبين امرأةٍ تُطابق ذوقه.
حين يلتقي رجلٌ وسيم بامرأةٍ جميلة،
يقعان في الحبّ تلقائيًّا.
هكذا تقول الروايات الرومانسيّة التي قرأتها.
شراراتٌ تتطاير من العيون،
وكلّ شيءٍ محسوم.
فجأةً، وقعت عينا داليا على ليمون،
وهو ينقر الفاكهة بهدوءٍ في الزاوية.
حين تلاقت نظراتهما،
مال ليمون برأسه وكأنّه يسأل:
‘لماذا تنظرين؟’
ليمون… نعم، تلك الحديقة.
من الواضح أنّها مكانٌ يُحبّه الإمبراطور،
إذًا يجب أنْ تتربّص هناك.
ابتسمت داليا ابتسامةً ماكرة،
راضيةً عن خطّتها المثاليّة.
ولم تنتبه إلى آني، التي هزّت رأسها متنهّدةً وهي تفكّر:
‘يبدو أنّ الأميرة تخطّط لشيءٍ غريبٍ مجدّدًا.’
كانت داليا تمشي وهي تنظر إلى السماء،
تتبع رفرفة جناحي ليمون،
حين اصطدمت فجأةً بشخصٍ ما.
“آه.”
كانت فتاةً صغيرة، لا يصل طولها سوى إلى خصر داليا، شَعرُها بنّيٌّ مضفورٌ بضفائر صغيرة.
عينان برتقاليّتان ممتلئتان بالدموع.
مسحت الفتاة دموعها بسرعة،
وانحنت.
“أعتذر، لم أكن أنظر أمامي جيّدًا.”
“لا بأس، أنا أيضًا كنت أنظر إلى السماء.
أنا آسفة.”
اتّسعت عينا الفتاة بدهشة.
آنسةٌ نبيلة تشبه الجنيّات،
تعتذر لخادمةٍ مثلها؟
“آنستي، أنا خادمةٌ في القصر الإمبراطوريّ.
أرجوكِ اسحبي اعتذاركِ. أنا المخطئة.”
انحنت الفتاة برأسها بارتباك.
مالت داليا قليلًا، وأنزلت نظرها لتُقابل عيني الفتاة البرتقاليّتين.
“هل أستطيع أنْ أسألكِ شيئًا؟”
“نعم، آنستي.”
“ما اسمكِ؟”
“موني.”
“اسمٌ جميل. هل أنتِ مشغولة؟”
“أم… لا.”
حرّكت موني عينيها، ثم هزّت رأسها نفيًا.
أمسكت داليا بيدها،
وسارت بها إلى ظلّ شجرةٍ كبيرة.
جلست داليا على الأرض دون تردّد،
فاتّسعت عينا موني.
“آنستي، سيبتلّ فستانكِ!”
“لا بأس، لا بأس. هل تريدين الجلوس أيضًا؟”
ربّتت داليا على العشب،
فجلست موني إلى جانبها بهدوء.
“هل تريدين هذا؟”
أخرجت داليا حبّة حلوى من جيب فستانها،
وقدّمتها لها.
تلألأت عينا موني.
“هل يُسمَح لي بأخذها؟”
“نعم. هديةُ اعتذار.”
“حقًّا؟”
احمرّ وجه موني خجلًا، وأخذت الحلوى بحذر.
راحت تلمس الغلاف بأصابعها، ثم أمسكت بها كما لو كانت كنزًا.
“ألن تأكليها؟”
“سأدّخرها.”
نظرت داليا إليها بدهشة.
حتّى لو كانت خادمة، فهي تعمل في القصر الإمبراطوريّ.
ومع ذلك، تتحسّر على حبّة حلوى واحدة؟
لاحظت موني نظرتها، فشرحت بخجل:
“أنا من دار أيتام العاصمة، وأتدرّب هنا كخادمة.
لهذا لا أتناول الحلوى كثيرًا.”
“فهمتُ.”
تفاجأت داليا في داخلها،
لكنّها اكتفت بالإيماء.
كانت قد وقعت دون وعيٍ في فخّ الأحكام المسبقة.
ظنّت أنّ القصر الإمبراطوريّ لا يقبل إلّا الخدم المختارين بعناية.
“في الأصل، لا يُسمَح لأبناء دور الأيتام بالعمل في القصر، لكن بعد تولّي الإمبراطور العرش،
حصلنا نحن أيضًا على فرصة.
سأعمل بجدّ من أجل الإمبراطور الذي منحنا هذه الفرصة.”
كان الاحترام واضحًا في عيني الطفلة.
ذكّرها ذلك بكول. رغم أنّه أصبح الآن حارسها،
إلّا أنّه دخل القصر في البداية كخادم.
“سأعمل بجدّ من أجل الملكة التي منحتني فرصة العمل في القصر.”
كانت تلك العبارة،
التي كان كول يردّدها في طفولته.
“إنّه إمبراطورٌ طيّب.”
“نعم!
إمبراطورنا شخصٌ رائعٌ فعلًا!
لكن… من أين أنتِ يا آنستي؟”
“أنا من مملكة فوربرن.”
“هل جئتِ لمشاهدة مهرجان التأسيس؟”
سألت موني بفضولٍ واضح، وقد زال توتّرها.
“نعم.”
ابتسمت داليا باتّساع، إذ وجدتَ هذه الطلفةَ لطيفةٌ.
“هل هذه أوّل مرّة تشاهدين مهرجان التأسيس؟”
“نعم. وهذا سرّ،
لكنّها المرّة الأولى التي أخرج فيها من المنزل أصلًا.”
اتّسعت عينا موني،
وقبضت يديها بحماس.
“سأحفظ السرّ!
بما أنّها أوّل مرّة لكِ،ستقضين وقتًا رائعًا.
أنا أنتظر مهرجان التأسيس كلّ عام.
حينها يُقدّم الإمبراطور الطعام للفقراء.
هذه الحلوى أكلتها للمرّة الأولى في مهرجان العام الماضي. كنتُ أفكّر إنْ كنتُ سأتناولها هذا العام أيضًا،
لكن بما أنّكِ أعطيتِني واحدة اليوم،
فأظنّه يوم حظّي.”
ابتسمت موني ببراءة.
“إنْ كان يوم حظّكِ، فلماذا كنتِ تبكين؟”
سألتها داليا بلطف،
وهي تربّت على خصلات شعرها البنّيّة.
تنهدت موني، وتكلّمت بحذر:
“في الحقيقة…
أنا معتادةٌ على أنْ يُحتقر أصلي من دار الأيتام،
لكن الشخص الذي أخدمه تعرّض لمشاكل بسببي.
أنا لا أساوي شيئًا،
وكان الأمر سينتهي بسرعة…لكنّه شخصٌ طيّب جدًّا.”
“فهمتُ. قلبكِ جميل لأنّكِ تفكّرين به.”
“لا…”
خفضت موني رأسها، ووجهها ممتلئ بالذنب.
أرادت داليا أنْ تساعدها، لكنّ الأمر لم يكن شيئًا تستطيع تغييره.
“موني.”
“نعم.”
رفعت موني رأسها بوجهٍ مُحبَط.
“سأحضر لكِ حلوى كلّ يوم في هذا الوقت،
إلى أنْ يأتي مهرجان التأسيس.
سأكون حظّكِ الجيّد حتّى ذلك الحين.”
كانت هذه أفضل طريقة وجدتها لمواساتها.
اتّسعت عينا موني بدهشة.
“لا، آنستي…”
“إذًا، تشجّعي.”
“أوه…”
تجمّعت الدموع في عينيها مجدّدًا.
“شكرًا لكِ، آنستي…”
ابتسمت داليا بلطف، وربّتت على رأسها.
* * *
بينما كان غراي يسير في الممرّ،
لفت نظره من النافذة حقلٌ من الزهور الورديّة.
من الورديّ الداكن إلى الفاتح،
أزهارٌ متنوّعة تتفتّح بتناغم.
“هل كانت الحديقة مليئةً بهذا القدر من الزهور الورديّة؟”
“إنّه الربيع، والربيعُ ورديّ.”
أجاب أوريون بسرعةٍ من الخلف.
“صحيح.”
أدار غراي نظره،
فرأى حقلًا ورديًّا آخر.
لم تكن تحمل أوراقًا خضراء هذه المرّة،
لكنّ لونها الورديّ الزاهي
لم يكن مختلفًا عن أزهار الربيع قبل قليل.
فقط…
أكبر حجمًا، وتتحرّك.
كانت آنسةُ حقلِ الزهورِ الورديّة
جالسةً في ظلّ شجرة،
تضحك وتتحدّث مع خادمةٍ صغيرة.
تنام على الأرض بسهولة، وتجلس دون أنْ تفرش شيئًا تحتها.
لو قال أحدهم إنّها فتاةٌ عامّيّة، لصدّق ذلك.
قالت إنّها من فرعٍ بعيد،
فهل تربّت بحريّة؟
انفجرت ضحكتها مع الخادمة،
نقيّةً وصافية.
… كانت تُزعجه.
تلك المرأةٌ الغريبة،
تُزعجه بلا سببٍ واضح.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"