1 - يبدو أنَّ دارَ الرعايةِ ليست على ما يُرام.
“يا أستاذة! الشَّبحُةُ فتحَت عينيها!”
بدأت أصواتُ الأطفالِ تُسمَعُ مكتومةً، كأنّها صادرةٌ من تحتِ الماء، ثمّ راحت تزدادُ وضوحًا شيئًا فشيئًا.
وبمشقّةٍ رفعتُ جفنيَّ الثقيلين، فرأيتُ ظلالًا بشريّةً غيرَ واضحةٍ تتحرّك ذهابًا وإيابًا.
وحين التقت عيناي بعيني أحدِ الأطفال، أطلق صرخةً حادّة.
“آآه! اهربوا! ستُلقي اللعنةَ مرّةً أخرى!”
لا ينقصهم شيءٌ من الكلام، هؤلاءِ الأطفالُ حقًّا……
على أيّ حال، أينَ أنا؟
ولِمَ أصواتُ الأطفالِ فجأةً……
كان سمعي قد عاد، لكنّ بصري ظلّ ضبابيًّا لا يكادُ يتّضح.
وكأنّني نزعتُ نظّارتي، ظلّ المشهدُ مشوَّشًا، فرفعتُ الجزء العلويَّ من جسدي وأنا أُكثِرُ من الرمش.
شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في ظهري.
الهواءُ الغريب، الأجواء، والرائحة، جعلت فمي يجفُّ دون سبب.
كأنّني في مكانٍ لا ينبغي لي أن أكون فيه.
لم يكن هذا حلمًا، فالإحساسُ كان مفرطَ الوضوح.
عند هذا الحدّ، تسلّل القلقُ إليَّ.
حاولتُ على عجلٍ استعادةَ بصري، وبفضل الرمشِ المتواصل، اتّضحَ المشهدُ أخيرًا.
أوّلَ ما رأيتُه كان أطفالًا يقفون على مسافةٍ يراقبونني بصمت.
ومن خلفهم لفتَ نظري لوحُ طباشيرَ كبير.
كانت الجدرانُ من حوله مزيَّنةً بزينةٍ طفوليّة، كما ظهرت طاولاتٌ صغيرةٌ وكراسٍ.
وفوق اللوح، عُلِّقَ إطارٌ يحملُ صورةً مُنفِّرةً لحيّةٍ تلتفُّ حولَ عين.
‘إنّه فصلٌ دراسيٌّ، لكن…’
كان المكانُ صغيرًا جدًّا مقارنةً بعمري الذي تجاوزَ العشرين بقليل.
وبينما كنتُ أراقبُ المكانَ دونَ حراك، اقتربت منّي امرأة.
كانت ذاتَ شعرٍ بنيٍّ فاتح، وعينينِ برتقاليّتَينِ واضحتَي اللون، تجمع ملامحُها بين الشرقِ والغربِ بتوازن.
‘هل كانت هناك عيونٌ برتقاليّةٌ بهذهِ الوضوح؟’
وبينما أنا في حيرتي، أمسكت المرأةُ بيدي بلطفٍ ورفعتها.
“إيريكا، هل أنتِ بخير؟”
نظرتُ إليها شاردةً دونَ جواب.
“إيريكا؟”
إيريكا؟
بالنسبةِ لي، أنا القادمة من بلدٍ تكثرُ فيه أسماءُ كـ كيم ولي ويي وبارك وتشوي، كان اسمُ إيريكا غريبًا جدًّا.
بل الأغربُ من ذلك… يدي هذه……
سحبتُ يدي منها وحرّكتُها.
كانت يدًا صغيرةً ممتلئةً قليلًا، تدورُ بسرعةٍ وفقَ إرادتي.
لا يمكن أن يكون……
“……تجسدٌ؟”
ما إن خرجَ الصوتُ الطفوليُّ من حلقي، حتّى شعرتُ بشيءٍ يُضرَبُ به رأسي.
بانغ!
لم يكن مؤلمًا، كأنّه عصا قطن، لكنّ الصدمةَ المفاجئةَ جعلت ذكرى ما تلوحُ ثم تختفي.
إحساسٌ يشبهُ ما قبلَ العُطاس، حاكٌّ ومزعج.
وبينما أُركّز على ذلك، صرخت المرأةُ ووقفت لتحولَ بيني وبين الطفلةِ التي ضربتني.
“آن! ماذا تفعلين؟!”
“ظننتُ أنّه إذا ضربتُها مرّةً أخرى سيعودُ وعيُها!”
“آن……!”
بدا الذهولُ واضحًا على وجهِ المرأة.
وفي تلك اللحظة، اندفعت إلى رأسي سيلٌ من القصص.
كانت ذكرياتُ هذا الجسد، ومحتوى روايةٍ أعرفها.
باختصارٍ شديد، لقد تجسدتُ في شخصيّةً داخلَ رواية.
روايةٌ ذاتُ حبكةٍ مألوفة.
مربّيةٌ تبدّلُ ابنةَ النبيلةِ بابنتها الحقيقيّة.
ثمّ يُكشفُ الأمرُ وتُطرَد.
وفي تلك القصة، كانت إيريكا ابنةَ المربّية.
للوهلةِ الأولى، قد تبدو إيريكا مجرّدَ شخصيّةٍ ثانويّةٍ تختفي مبكّرًا، لكنّ الحقيقةَ غيرُ ذلك.
‘في الواقع، إيريكا هي الابنةُ الحقيقيّة، والمربّيةُ هي من كذبت.’
بكلمةٍ واحدة، إيريكا هي بطلةُ هذهِ الرواية.
كانت من نوعِ رواياتِ الندمِ العائليّ، على ما أظنّ……
تدركُ العائلةُ متأخّرةً أنّها ابنتُهم الحقيقيّة، فيندمون أشدَّ الندم.
‘لكن هناك ما يختلفُ عن الرواية.’
الأحداثُ انحرفت قبلَ أن أتجسد أصلًا.
المفترضُ أنّني كنتُ في بيتِ المربّيةِ المتداعي، لا في دارِ الرعاية.
لكن من خلال ذكرياتِ إيريكا، تعرّضت لهجومٍ من مجهولين أثناءَ مغادرتها قصرَ الماركيزِ رابينس، وقُتلت المربّيةُ حينها، وهكذا وصلتُ إلى هنا.
‘هل هذهِ روايةٌ استعارت الاسمَ فقط؟’
عادةً تتغيّرُ القصةُ بعدَ التجسدِ، أليس كذلك؟
لكن أن تتغيّرَ قبلَ ذلك، فما هذا؟
حتى مع امتلاكي لمعرفةِ الرواية، من هذهِ اللحظة بدأت قصةٌ لا أعرفُ عنها شيئًا.
ما هذا بحقّ السماء؟
وبينما كنتُ أمسكُ رأسي متألّمةً، اقتربت آن، التي ضربتني، وهي تحملُ وسادة.
“ما بكِ؟ رأسكِ يؤلمك؟”
هزّت آن، الطفلةُ ذاتُ الشعرِ القصيرِ اللطيفة، الوسادة.
بدت كأنّها ستضربني مجدّدًا، فتراجعتُ قليلًا وقلتُ:
“آن ضربتني بقوّةٍ لدرجةٍ ظننتُ أنّ رأسي سينفجر.”
“هيه! لا تناديني آن!”
للعلم، كان الأطفالُ هنا يكرهون أن تناديهم إيريكا بأسمائهم.
قالوا إنّه أمرٌ مشؤوم.
اندفعت آن بالوسادة فورًا، فتدحرجتُ مبتعدةً.
اتّسعت عيناها دهشةً من رشاقةِ حركتي.
“تهرّبتِ……؟”
“…….”
“آه! هل تريدينَ اللعبَ بالغميضة؟!”
تلألأت عينا آن وهي ترفعُ الوسادة.
صداع؟ علاجكَ بالوسادة.
مناداة؟ بالوسادة.
حتى الغميضة، بالوسادة.
رفعتُ يديَّ عاليًا غريزيًّا لطردِ شبحِ الوسادة.
“إذا ضربتِني مرّةً أخرى، ستنتقلُ اللعنة!”
“آآآه! لااا!”
تمّت عمليّةُ الطرد.
جلستُ على الكرسيّ أراقب آن وهي تهربُ مذعورةً.
عادةً، فورَ التجسد يجبُ تحديدُ ما يجبُ فعله، لكن مع هذهِ البدايةِ المختلّة لم أكن أعرفُ من أين أبدأ.
والأغربُ أنّني أتذكّر موتَ المربّية، لكنّ الطريقَ إلى دارِ الرعاية كان ضبابيًّا في ذاكرتي، خصوصًا أيّامَ العيشِ هنا.
لحسنِ الحظّ، كنتُ أتذكّر أسماءَ المعلّمةِ والأطفالِ بدقّة.
طَقّ.
في تلك اللحظة، وُضعَ على الطاولةِ أمامي كوبُ كاكاو يتصاعدُ منه البخار.
“الأطفالُ مشاكسون، أليس كذلك؟ يبدو أنّ التأقلمَ صعبٌ على إيريكا.”
كانت تلك المرأة، مايا، معلّمةَ دارِ الرعاية.
“لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على وفاةِ والدتكِ…….”
ربّتت مايا على رأسي بعطف.
“أتمنّى أن يخفّفَ الكاكاو عنكِ قليلًا.”
“آه…… شكرًا لكِ.”
على خلافِ الرواياتِ الأخرى، كانت معلّمةُ دارِ الرعايةِ هنا شخصًا طيّبًا جدًّا.
حتى في ذكرياتِ إيريكا، كانت مايا تعتني بها أكثرَ من غيرها.
‘هذا مطمئنّ على الأقل.’
نفختُ على الكاكاو ورشفته.
حين دخلَ الطعمُ الحلوُ، شعرتُ أنّ رأسي بدأ يعملُ من جديد.
وبينما أفكّرُ فيما يجبُ فعله، اتّسعت عيناي فجأةً.
‘صحيح، المال!’
كونُها روايةَ ندمٍ عائليّ، تصبحُ إيريكا لاحقًا ثريّةً للغاية.
ثروةُ أسرةِ الماركيزِ لا تُقارن بها.
كبيرةُ المستثمرين، اليدُ الذهبيّةُ في عالمِ المال!
وبما أنّ المالَ مالُ إيريكا أصلًا، فلا ضررَ من أخذه مبكّرًا.
‘وللبحثِ عن طريقةِ العودة، أحتاجُ إلى المال، فلأستغلَّ معرفتي بالرواية وأجني ثروةً.’
مقارنةً بحياتي السابقة في غرفةٍ ضيّقة، بدا المستقبلُ السعيدُ قريبًا، فابتسمتُ دونَ وعي.
“أوهُوهُوهُ…….”
صحيحٌ أنّ بدايةَ الرواية تغيّرت، لكن الأمورَ الماليّةَ لا تزالُ بخير، أليس كذلك؟
وحين انحنيتُ مبتسمةً بهدوء، انسدلَ شعري الطويلُ على وجهي.
“آآه! الشبحُ يضحك!”
فزعَ الأطفال.
تبًّا، هذا الشعرُ مزعج!
كلّما شربتُ الكاكاو، دخلَ شعري إلى فمي كأنّه حلوى.
“لا تقولوا ذلك! ستُجرَحُ مشاعرُ إيريكا.”
“واو! شبحٌ يشربُ الكاكاو!”
حتى توبيخُ المعلّمة لم يُجدِ نفعًا.
والسببُ بسيط.
إيريكا بدت كشبح.
بعد أن شهدت موتَ المربّية بعينيها، صُدمت بشدّة، ولم ترغب في الظهورِ أمام أحد.
فكانت تسيرُ بشعرٍ أسودَ طويلٍ يُغطي وجهها.
وهكذا لُقِّبت بالشبح.
“أستاذة مايا، هل لديكِ رباطُ شعر؟ شعري يعيقني…….”
“يا إلهي، إيريكا…….”
وقفت خلفي، تنظرُ إليّ بفخرٍ، كأنّها ترى طفلًا قرّر أخيرًا فتحَ قلبه.
“سأربطُه لكِ، هل هذا مناسب؟”
“نعم، من فضلكِ.”
مشّطت مايا شعري بلطف، وجمعت الخصلاتِ التي كانت تغطّي وجهي إلى الخلف.
أخيرًا، اتّسعَ مجالُ الرؤية!
اقتربَ الأطفالُ الذين كانوا يسخرون منّي.
نظروا إليّ بدهشةٍ وعيونٍ متّسعة.
‘نعم، جميلة، أليس كذلك؟’
كانت إيريكا بطلةً لطيفةً بوجهٍ صغيرٍ مستدير، وعينينِ ورديّتَينِ كبيرتَين.
هيا، امدحوني.
ألا ترتفعُ نسبةُ الإعجاب؟
وبينما أنا منتشيةٌ، أشارت آن إليّ صارخةً:
“آآه! عيناها كبيرتان جدًّا! مقرف!”
“…….”
وتبعها الأطفالُ الآخرون بالتعليقات.
“لماذا شفاهها حمراء هكذا؟ كأنّها شربت دمًا!”
“أنفها مرتفع جدًّا! كأنّ أحدًا يشدّه!”
“انظروا إلى وجهها! لماذا هو صغير هكذا؟ ألن يختفي؟ مخيف!”
شكرًا، كان يمكنكم القول إنّ ملامحي متناسقة.
قد أبدو غريبةً في نظرِ الأطفال.
“يا أطفال! إنّها جميلة، لماذا تقولون أشياءَ سيّئة؟”
“إيريكا~ مقرفة~”
لم يدم توبيخُ مايا طويلًا.
دار الأطفالُ حولي محاولين تحطيمَ معنويّاتي.
تكلّموا كما تشاؤون.
أصواتُهم كانت عاليةً فعلًا.
تجاهلت مايا الأمر، وراحت تجدِلُ شعري بعنايةٍ من الجانبين.
على عكسِ الآخرين، كانت تمدحني بصدق.
“إيريكا، أنتِ جميلةٌ جدًّا!”
“تشبه دميةً مخيفةً بضفيرتين.”
آن، كفى.
“آنسة مايا، لو سمحتِ.”
نادى شخصٌ من الخارج.
وبعد أن ملّ الأطفالُ منّي لعدمِ ردّي، عادوا للّعبِ معًا.
عندها فقط استطعتُ ترتيبَ أفكاري بهدوء.
‘حتى الاستثمارُ يحتاجُ إلى رأسِ مال.’
كيف حصلت إيريكا على رأسِ المال؟
وبينما أُعيدُ الروايةَ في ذهني، فُتح البابُ ودخلت مايا مع صبيّ.
“حسنًا، أرجو من الجميعِ الانتباه.”
Chapters
Comments
- 1 - يبدو أنَّ دارَ الرعايةِ ليست على ما يُرام. منذ 15 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"