راقبت ليليث بارتياح أعمال الترميم في غرفتها و هي تقترب من الانتهاء.
كانت تزور الغرفة التي ما زالت تحت الإصلاح كل يوم ، تطلب تعديلات هنا و هناك ، و لم تهمل مراقبة العمل.
و يفضل ذلكَ كانت الغرفة التي ترضيها تمامًا توشك على الاكتمال.
“رائع جدًا. بهذا الشّكل سأستطيع العيش براحة.”
و بابتسامةٍ راضية ، استدارت ليليث عائدةً إلى الغرفة المؤقتة التي تقيم فيها.
“……”
لكن ما إن دخلت الغرفة حتّى تجمّدت من شدّة الصدمة. فقد كان هناك رجل غريب يغطي نصف وجهه ، قد دخل الغرفة عبر النافذة.
“……م، مَنٔ أنت؟ و كيف دخلتَ إلى هنا…؟”
هذا منزل الدّوق المحروس بإحكام ، فكيف تمكّن هذا الرجل من الدخول؟
ربّما بسببِ المفاجأة ، تخيلت أن الطفل بدأ بالفواق في بطنها.
“بصراحة ، بما أنّه منزل الدّوق فقد كان أصعب قليلًا من الأماكن الأخرى ، لكن بالنّسبة لنا هذا لا يُعد شيئًا.”
“مَنٔ تكون أصلًا؟”
“مجرّد رسول.”
“……”
كان أسلوب الرجل خفيفًا للغاية.
لكن بما أنّه دخل إلى منزل الدّوق دون أن يشعر به أحد ، فمن المؤكد أنّ مهارته ليست خفيفة. لذلك اختارت ليليث أن تلتزم الصمت.
“الآنسة ابنة الكونت قالت إنّها تريد رؤيتكِ.”
“هل أرسلتكَ إليّ فقط لتخبرني بذلك؟”
“نعم.”
“أنا لا أريد رؤيتها. لذا عد من حيث أتيت.”
“توقّعت هذا.”
بدأ الرجل يقترب من ليليث ببطء.
“إن اقتربتَ أكثر فسأصرخ.”
“لا داعي لذلك. سأعطيكِ هذا و أغادر.”
أخرج الرجل من جيبه ظرف رسالة و مدّه نحوها.
“……”
“إن لم تأخذيها فلن أستطيع المغادرة ، أليس كذلك؟”
عندما ظلّت ليليث تحدّق في الظرف دون أن تأخذه ، هزّه الرجل قليلًا مستعجلًا. فتردّدت ليليث ثم أخذت الرسالة.
“حسنًا ، سأغادر. أخبري الآنسة أنّكِ استلمتها. و إلا فلن يعرفوا أننا أنجزنا العمل.”
و ما إن أنهى كلامه حتّى اختفى الرّجل عبر النافذة المفتوحة في لحظة.
رغمَ أنّ ليليث رأت ذلك بعينيها ، بقيت واقفة تحدّق في النافذة التي خرج منها لفترةٍ غير مصدّقة.
“آه.”
استعادت ليليث وعيها فجأة ، ثم فتحت الظرف و بدأت تقرأ الرسالة.
و بعد لحظات بدأت يدها التي تمسك الرسالة ترتجف قليلًا.
“كيف تجرؤ على تهديدي و أنا التي سأصبح زوجة الدّوق؟”
يبدو أنّ الوقت قد حان أخيرًا لمواجهتها.
مزّقت ليليث الرسالة بعد أن قرأتها إلى قطع صغيرة و رمتها في سلة المهملات ، ثم خرجت من الغرفة مسرعة و نزلت الدرج.
و كانت وجهتها مكتب إيلارد.
“سيّدي الدوق….”
بعد أن طرقت الباب و دخلت ، كان إيلارد يعمل كعادته.
“ما الأمر هذه المرّة.”
سأل دونَ أن يرفع عينيه عن الأوراق.
“أنا…. غدًا أريد أن أخرج قليلًا للتسوّق…. هل يمكن ذلك؟”
“سأجلب لكِ التجّار إلى المنزل. تسوّقي هنا.”
“لكن الشعور مختلف عندما أراه بنفسي. أريد فقط أن أتنفّس قليلًا من هواء الخارج و أتجوّل.”
“……”
عندها فقط رفع إيلارد نظره إلى ليليث.
‘لا بدّ أنّه لن يكتشف أنّني أكذب ، أليس كذلك؟ مهما كان دوقًا فلن يستطيع قراءة الأفكار.’
تجنّبت ليليث نظره متظاهرةً بالهدوء.
بعد لحظة ، ظلّ إيلارد ينظر إليها و كأنّه يحاول معرفة ما في داخلها ، ثم أعاد نظره إلى الأوراق و قال بلا مبالاة.
“سأضع معكِ حارسًا ، فاخرجي معه.”
“نعم ، سأعود سريعًا!”
تنفّست ليليث الصعداء في سرّها و غادرت المكتب.
في اليوم التالي ، و مع اقتراب الوقت المكتوب في الرسالة ، ارتدت ليليث ثياب خروج فاخرة و غادرت المنزل.
ركبت العربة المُعدّة لها بعزمٍ واضح ، و معها فارس حراسة واحد ، متجهة إلى قصر الكونت مونتانا.
و بعد وصولها بقليل ، أنّ إرشادها مباشرة إلى غرفة الاستقبال.
و كأنّها كانت تنتظرها ، نزلت سيلينا سريعًا لاستقبالها.
دخلت ليليث بثقة و هي تُبرز بطنها المنتفخ أكثر.
“اجلسي.”
“……”
رغمَ أنّهما لم تلتقيا منذُ زمن ، جلست ليليث دون أن تلقي تحية حتّى.
راقبتها سيلينا بصمت ، ثم بدأت بنفسها في إعداد الشاي.
“مرّ وقت طويل. تبدين بصحّة جيدة. يبدو أنّكِ كنتِ تأكلين جيدًا و تعيشين براحة.”
“و ماذا تريدين الآن؟ لماذا تستمرين في إرسال تلكَ الرسائل السخيفة؟”
“….أرى أنّكِ أصبحتِ أكثر وقاحة.”
قالت ليليث بنبرةٍ أكثر جرأة و تمرّدًا ، لأنها لم تعد ترى سببًا للخضوع أمام سيلينا.
و مع ذلك ، تحمّلتها سيلينا و قدّمت لها بنفسها الشاي و الحلوى.
“اشربي. لقد أعددته بنفسي خصيصًا لكِ.”
“……”
حدّقت ليليث طويلًا في الشاي الموضوع أمامها قبل أن تتكلم ببطء.
“ما معنى هذا؟”
“إذن عرفتِ ما هذا الشاي؟”
“الدّوق أخبرني.”
“همم ، هكذا إذن.”
شربت سيلينا الشاي الذي أعدّته بحركة أنيقة و كأنها مرتاحة تمامًا.
‘ما الذي تخطّط له؟ ظننتها ستبدأ بالتهديد.’
عبست ليليث بعدم رضا.
“لماذا تفعلين هذا؟ ماذا تريدين؟”
“إن كنتِ تريدين أن تعرفي فكوني مؤدبة قليلًا. لا تتصرّفي بوقاحة و أنتِ مجرّد عامية. تسامحي معكِ له حدود.”
“……”
عندما ذكّرتها بمكانتها الاجتماعية ، أغلقت ليليث فمها.
ففي الأصل ما كانت لتجرؤ على التّصرف بهذا الشّكل.
لكن سيلينا كانت تعرف أنّ ليليث تتصرّف هكذا لأنها تعتمد على دعم إيلارد ، لذلك تركتها.
وضعت سيلينا فنجان الشاي و قالت بهدوء.
“تعلمين.”
“……”
“نحن في الأصل كنّا في نفس الفريق ، أليس كذلك؟”
“ذ، ذلك—”
“اخرجي من هناك بهدوء. سأعطيكِ أي مبلغ تطلبينه.”
“لم أعد بحاجةٍ إلى ذلك.”
“……”
ارتعشت حواجب سيلينا قليلًا بسببِ نبرة ليليث المتعالية.
“لماذا؟ ألم تكوني تحبين المال من قبل؟ لذلك كنتِ تفعلين كل ما أطلبه.”
“كان ذلكَ في الماضي. الآن لم أعد بحاجةٍ إلى ذلك. أنتِ تعرفين ذلكَ جيدًا ، فلماذا تتظاهرين بالجهل؟”
“مع ذلك أنا كنت دائمًا لطيفة معكِ. اخترتكِ عندما جئتِ دون والدين أو توصية ، و منحتكِ عملًا تعيشين منه. و الآن تخونينني؟كيف تجرئين؟ أنتِ؟ هل أقتلكِ؟ هممم؟ أستطيع قتلكِ الآن فورًا.”
عندما التقت عينا ليليث بعينيّ سيلينا ، ارتجف جسدها قليلًا دون وعي.
فهي تعرف جيدًا قسوة سيّدتها السابقة.
لكن في ذلكَ الوقت لم تكن هي الضحية.
كانت عينا سيلينا مليئتين بغضبٍ أحمر قاتم رغمَ لونهما الأخضر.
و مع ذلك رفعت ليليث ذقنها أكثر.
“أنا حامل بطفل الدوق! إن أذيتِني فلن تكوني بأمان أنتِ أيضًا!”
“……هل أنتِ متأكدة أنّ ذلك الطفل هو طفل الدوق؟ هل تستطيعين الجزم؟”
“ب، بالطبع!”
ترددت ليليث للحظة أمام ضغط سيلينا ، ثم رفعت صوتها أكثر.
وأخيرًا لم تعد سيلينا تستطيع كبح غضبها فصرخت شاتمة.
“ها! يا لكِ من حقيرة! كان يجب أن أقتلعكِ من البداية!”
“لا فائدة من هذا الآن. إن كشفتُ كل شيء فستكون تلكَ نهايتكِ.”
“تبًا!”
فقدت سيلينا كل مظهر من مظاهر النبل و هي تغلي غضبًا.
فبدل أن تهدّدها ، وجدت نفسها هي مَنٔ تتعرض للتهديد ، و هذا جعلها أكثر غضبًا.
‘في مثل هذه اللّحظات يجب أن أكون أكثر شراسة. على أي حال سأصبح قريبًا الدّوقة ، ما الذي ستستطيع سيلينا أن تفعله؟’
بما أنّهما كانتا في القارب نفسه ، فهما شريكتان في الجريمة.
أي أنّهما قد تغرقان معًا أو تنجوان معًا.
طبعًا لا يمكنهما مشاركة منصب زوجة الدّوق.
“سأحفظ السر. أنتِ و أنا فقط نحتاج أن نبقي أفواهنا مغلقة. أليس كذلك؟ إن صمتنا فلن يحدث شيء.”
“و كيف أثق بكِ!”
“و إن لم تثقي ، ماذا ستفعلين؟ هل تريدين أن أكشف كل شيء؟”
“آآه! كيف تجرئين! كيف تجرئين!”
شعرت ليليث برغبة في الضحك و هي ترى سيلينا تشير إليها بإصبعها و هي غاضبة.
شعرت و كأنها انتصرت عليها بالفعل ، فقررت أن تدفعها أكثر.
“هل تعرفين شيئًا؟ عندما يتم طلاق الدوق ، قال إنه سيجعلني الدّوقة.”
“ماذا؟”
“هذا صحيح. سمعت ذلكَ منه مباشرة.”
“لا تقولي كلامًا سخيفًا.”
“إنه صحيح. حتّى هيلين تعرف ذلكَ بالفعل.”
“موتي!”
في اللّحظة التي أمسكت فيها سيلينا بالشوكة و اندفعت نحو ليليث ، انفتح باب غرفة الاستقبال و دخل عدّة خدم و أمسكوا بها.
“آنستي! اهدئي!”
“اتركوني! سأقتل تلكَ الحقيرة! اتركوني!”
“اخرجي! بسرعة!”
صرخ أحد الخدم نحو ليليث و هو يمسك بسيلينا.
كانت سيلينا تتخبط كمَن أصابه نوبة.
و بسببِ ذلكَ ركضت ليليث تقريبًا خارج غرفة الاستقبال.
و من خلف الباب الذي أُغلق سُمعت شتائم سيلينا المختلطة بالبكاء.
“آه……. كاد يحدث أمر خطير.”
شعرت ليليث بحركة الجنين في بطنها.
ربّتت على بطنها مرّة ثم أسرعت إلى عربة الدوق.
كانت قد ارتعبت ، لكن قلبها كان خفيفًا للغاية.
فهي اعتقدت أنّها أخيرًا أنهت أمرًا ظلّ يثقل كاهلها طوال هذا الوقت.
التعليقات لهذا الفصل " 50"