منذُ اللّحظة التي ظهرت فيها هيلين ، ساء مزاج إيلارد بسرعة.
و ذلكَ لأن هيلين أصبحت متغيرًا غير متوقع بالنّسبة له ، و هو الذي يكره بشدّة أي موقفٍ يخرج عن سيطرته.
‘من المؤكد أنّني تلقيت تقريرًا يقول أنه أُصيب في ساقه.’
كيف يمكن لهيلين أن تدخل مع ماريوس؟
حتّى إن لم يتمكنوا من إصابته إصابةً أشدّ ، فقد قيل إن ساقه قد كُسرت ، لذلك كان من الصعب عليه الحضور إلى قاعة الحفل ، و لهذا كان إيلارد راضيًا عن التقرير.
لكن أن يدخل هكذا و هو يمشي بشكلٍ طبيعي؟ كيف؟
لم يكن هناك تفسير.
فما لم يكن كاهنًا ، لم تكن هناك أي وسيلة ليلتئم العظم المكسور فورًا ، كما أنه من المؤكد أنه لم يكن لديه وقت لزيارة المعبد لأنّه أُصيب في اليوم السابق.
‘إضافة إلى ذلك ، ألا يبدو مختلفًا تمامًا عن الصورة الموجودة في التقرير؟’
كان إيلارد قد تلقى تقريرًا من خادم آخر يقول إنه رأى الخادمة المباشرة لهيلين ترسل رسالة إلى عائلة البارون سيفستيا.
و بعد ذلكَ بدأ فورًا بالتحقيق حول البارون سيفستيا.
لكن الصور التي حصل عليها للبارون سيفستيا و ابنه كانت مختلفة تمامًا عن ماريوس الموجود في قاعة الحفل.
و مع ذلك ، لم تكن الأدوات السحرية المنتشرة حاليًا قادرة على تغيير الوجه بالكامل ، لذلك ظن إيلارد أن الصورة قد رُسمت مع شيء من التجميل.
لو افترض أن التقرير الذي يقول إن ساقه قد كُسرت كان خاطئًا ، فسيصبح الأمر مفهومًا نوعًا ما.
رغمَ أنه شعر بخيبة أمل شديدة من عضو “الشوكة” الذي لم يستطع حتّى تنفيذ المهمة التي كُلّف بها ، إلا أن ما أفسد مزاجه أكثر كان أمرًا آخر.
‘هل ابن عم هيلين يملك أصلًا مثل هذه الشخصية؟’
لم يسبق لإيلارد أن واجه ماريوس شخصيًا ، لكن بحسب التقارير قيل إنه شخص لطيف و هادئ ، شخص عادي نموذجي.
لكن ماريوس الذي يراه الآن بعينيه كان مختلفًا قليلًا عما سمعه.
فلو رآه شخص لا يعرف الحقيقة لظن أنه يتودّد لها بشكلٍ واضح.
“أن تقدّم صورة مزورة كدليل في المحكمة ، يا لها من وقاحة.”
“يبدو أن الدّوقة على علاقة جيّدة مع ابن عمها.”
“الدّوق دخل وحده… مهما كان الدوق متسامحًا معها فهذا مبالغ فيه.”
بدأ أولئك الذين كانوا يتملقون إيلارد بالقرب منه يثرثرون عن هيلين واحدًا تلو الآخر.
و في نهاية تلك المجموعة كانت الآنسة مونتانا تتجول محاولة الاقتراب منه و لو قليلًا.
لكن إيلارد ، الذي لم يكن لديه أدنى اهتمام بسيلينا ، صرف نظره عنهم و خفض عينيه متظاهرًا بالمرارة و قال:
“لقد طلبت منها عدّة مرات أن ندخل معًا ، لكنها لم تستمع. يبدو أنّني أظهر بمظهر بائس أمام الشابات و الشبان من كل النواحي.”
“و كيف يمكن أن يكون هذا خطأ الدوق؟ إن كان للدوق خطأ فهو أنه متسامح و رحيم أكثر من اللازم.”
تملق الكونت وينتر ، الذي كان يقف بجانبه مباشرة ، بصوت عالٍ.
و عند سماع كلماته ، أومأ النبلاء من الفصيل الأرستقراطي الواقفون بجانبه برؤوسهم موافقين.
“سأحاول أنا إقناع الدوقة مرة. فربما يكون لكلام طرف ثالث تأثير أكبر.”
“لا تقل كلامًا قاسيًا أكثر من اللازم.”
“لا تقلق يا دوق. رغمَ ذلك فهي دوقة ، لذلك لا أنوي التحدث بقسوة.”
نفخ الكونت وينتر أنفه بتفاخر و توجّه بخطوات مهيبة نحو هيلين.
أما إيلارد فلم يراقب المشهد حتّى النهاية ، بل تعمد أن يحوّل نظره إلى مكان آخر.
لأنه إن لاحظت هيلين أنه وافقهم ضمنيًا فسيبدو ذلكَ حقيرًا.
بعد قليل عاد الكونت وينتر بوجه غير جيّد.
لم يكن إيلارد يتوقع الكثير ، لذلك لم يشعر بخيبة أمل.
لكن عندما رأى بعد ذلك ماريوس و هيلين يبدآن الرقص معًا ، لسببٍ ما بدأ يطحن أسنانه.
‘يبدوان مستمتعين للغاية.’
لم يستطع أن يقول شيئًا لأنه ابن عمها ، لكن رؤية هيلين تقف سليمة تمامًا و تتركه هكذا جعلت صدره يغلي.
لطالما كان هو مَن يملك اليد العليا في علاقتهما.
فكيف انتهى الأمر هكذا؟
لماذا لم تعد هيلين تتحرك داخل كفّه كما في السّابق ، بل تستمر في الانحراف عن سيطرته؟
لم يكن لديها رجل آخر ، و مع ذلكَ كانت تتجنبّه بشدّة.
كان شعوره يشبه مشاهدة سمكة داخل حوض ماء تهرب من الشبكة.
شيءٌ هو ملكه ، لكنه يتظاهر بأنه ليس كذلك.
شعور سخيف و مزعج و مثير الضيق.
باختصار ، شعور قذر.
بل إن خروج هيلين مع الآنسة غرانا كان أفضل لإيلارد.
على الأقل لم يكن رجلًا.
بعد ذلك ، عندما دخل سلسيون ، تحسن مزاج إيلارد قليلًا جدًا.
فاليوم لم يرَ سلسيون هيلين و لو لمرّةٍ واحدة. لذلك اقترب إيلارد منه ليزيد من إزعاجه.
“أحيّي صاحب السّمو. يبدو أنّكَ تأخرت قليلًا اليوم.”
“كان لدي بعض الأمور لأعالجها. يبدو أن الدّوق جاء مبكرًا.”
“نعم ، لأن زوجتي لم تأتِ معي.”
“يا للأسف. إذن مع مَنٔ جاء الدّوق؟”
“دخلت وحدي. مثل صاحب السّمو تمامًا.”
“هكذا إذن.”
أومأ سلسيون بلا مبالاة ، فتابع إيلارد كلامه:
“لماذا لم تأتِ مع الآنسة غرانا؟ سمعت أنها حضرت الحفل.”
“حتّى لو كنا مقربين فلا ضرورة لأن نأتي معًا. ثم إن مسألة الشخص الذي أحضر معه ليس أمرًا يخص الدوق.”
“صحيح أنه ليس من شأني ، لكن بعد أن حضرت وحدي اليوم فهمت كم أن سموّك شعر بالوحدة طوال الوقت الذي كنتَ تحضر فيه وحدك. لذلك لم أستطع التظاهر بعدم الملاحظة ، فأرجو أن تتفهم الأمر بسعة صدر ، يا صاحب السّمو.”
رفع إيلارد يده اليمنى إلى صدره و انحنى قليلًا متظاهرًا بالاحترام.
كانت كلماته تبدو و كأنه يطلب التفهم ، لكن الجميع من حوله أدرك أن نبرته و تعابير وجهه لم تكن كذلك إطلاقًا.
“أشكركَ على التفكير بي ، لكنني لست وحيدًا كما يظن الدوق. إن كانت شفقة فاحتفظ بها في داخلك.”
“فهمت. يبدو أن سموّك أكثر صلابة مما ظننت. رغم أنّكَ دائمًا في القصر الإمبراطوري و لم تختبر قسوة العالم.”
“ربّما أكون كذلك قليلًا.”
“لكن الجذع الصلب ينكسر عندما يواجه عاصفة هوجاء. و بصفتي أحد أعمدة الإمبراطورية ، أنصح سموّكَ أن يتحلى ببعض المرونة أمام العاصفة.”
“شكرًا على النصيحة التي لم أطلبها. لكنني لست ضعيفًا إلى درجة أن أنكسر أمام مجرّد عاصفة.”
“حقًا؟ إذن سأراقبكَ لتبقى صلبًا كما أنت.”
انحنى إيلارد و غادر.
كان قد تحدث مع سلسيون ليغيظه ، لكن مزاجه ازداد سوءًا بدلًا من ذلك.
‘جرذ حقير يرد عليّ في كل مرة.’
باستثناء أنه وُلد لوالدين ذوي مكانة عالية ، و أن طوله يزيد عنه بنحو سنتيمترين فقط ، لم يكن لدى سلسيون ما يجعله أفضل منه.
و مع ذلك كان يردّ عليه دون أن يتراجع ، و هذا أزعجه.
“يا دوق ، هناك—”
“أشعر بالتعب ، يجب أن أغادر.”
رد إيلارد بلا اهتمام على محاولة الآنسة مونتانا التحدث إليه ، ثم خرج من قاعة الحفل بخطوات سريعة.
‘لم أكن أنوي الوصول إلى هذا الحد.’
لكن إيلارد لم يكن يملك خيارًا.
كان لا بد من جعل من يتجاوز حدوده يعرف قدره.
فقد قرر أن يعود فورًا إلى قصر الدوق و يرسل ضيفًا ليليًا إلى سلسيون.
* * *
في مختلف المناسبات التي تُقام في القصر الإمبراطوري ، كان يُوفَّر للنبلاء رفيعي المقام غرف استراحة خاصة.
و الغرفة التي دخلناها كانت غرفة استراحة عائلة الماركيز.
و ما إن جلستُ على الأريكة في غرفة الاستراحة الخالية حتى قالت الآنسة غرانا فجأة:
“يا دوقة ، هل تودين أن تصبحي صديقتي؟”
“نعم؟”
كنت أفهم فكرة أن نصبح مقربتين ، لكن أن تقول فجأة “صديقتي” مباشرة كان أمرًا مفاجئًا للغاية.
كانت ضربة مباشرة دون مقدمات أربكتني كثيرًا.
و كأنها لا تدرك ما أشعر به ، كانت الآنسة غرانا تبتسم بوجه مشرق.
“لنكن صديقتين. ما رأيك؟ أنا أحب الفكرة.”
“أنا؟ لماذا؟ يبدو أن الآنسة لا ينقصها شيء ، فلماذا تريدين تحديدًا أن تصادقي شخصًا مثلي في وضع سيئ…؟”
“آه ، السّبب طبعًا هو الدوق!”
“……”
تابعت الآنسة غرانا كلامها و هي تفجر غضبها فجأة:
“ألا تعلمين أن دوق إيفرسيوم اللعين ذاك رشحني كمرشحة لأكون وليّة عهد الإمبراطورية؟”
“……هل حدث هذا حقًّا؟ لم أكن أعلم إطلاقًا.”
كانت هذه المرّة الأولى التي أسمع بذلك.
لم أكن مقربة من سلسيون لدرجة أن نتحدث عن أمور كهذه.
كما أن روزالين لن تخبرني بمثل هذا الأمر.
و قد حضرت بعض التجمعات الاجتماعية ، لكن الجميع كان مهتمًا فقط بطلاقي.
و لم يتحدث أحد عن مسألة وليّة العهد إطلاقًا.
و فوق ذلك ، فمن المستحيل أن يخبرني إيلارد بشيءٍ كهذا.
كنتُ منشغلة بالطلاق لدرجة أنني لم أعرف شيئًا آخر.
يبدو أن الكثير من الأمور كانت تحدث دون علمي.
“حتّى أنا التي كنتُ أبقى في الإقطاعية طوال الوقت أعرف هذا ، فكيف لا تعرفين أنتِ؟”
“لدي الكثير من الأمور التي تشغل بالي الآن…”
“لا بأس! من الآن فصاعدًا سأساعدك!”
“الآنسة… ستساعدني أنا؟”
“نعم! حتى لو مـتُّ و عدتُ للحياة فلن أتزوج سلسيون.”
“……لماذا؟”
عند سماع كلامها خطر ببالي دونَ وعي أن سلسيون وسيمٌ بما يكفي و ليس خيارًا سيئًا.
بالطبع صُدمت فورًا من الفكرة التي خطرت لي.
لكن بالنظر إلى الأمر بموضوعية ، فهو أفضل من رجال آخرين.
“كيف يمكنني الزواج من شخص رأيته منذُ أيام كنا أطفالًا يسيل مخاطنا؟ كما أن وجهه الناعم أصلًا ليس من ذوقي.”
“ليس من ذوقك؟”
“ثم إن الزواج من أحد أفراد العائلة الإمبراطورية يعني أكوامًا من العمل ، أليس كذلك؟ آه ، أنا لا أريد العمل من أجل الإمبراطوريّة. أفضل أن أعيش كما أنا الآن ، أستمتع بمال والدي و أفعل ما أريد.”
“هاهاها…”
لم يكن كلامها خاطئًا ، لذلك لم أجد ما أقوله.
و بينما كنت أضحك بارتباك ، تابعت الآنسة غرانا كلامها:
“على أي حال ، دوق إيفرسيوم اللعين ذاك استخدمني ليضع سلسيون في موقفٍ محرج ، و هذا ما أزعجني. هل يظن أنني سأتحمل الأمر بصمت؟”
“فهمت.”
“لن تخسري شيئًا إن أصبحتِ صديقتي. بل على العكس ، استغليني! كما تشائين!”
“لا داعي للاستغلال…”
“ستكونين صديقتي ، صحيح؟”
وجود صديقة مثلها ربّما لن يكون سيئًا.
كانت مختلفة عني تمامًا ، لكن ربّما لهذا السّبب تحديدًا يمكن أن نتوافق جيدًا.
ثم إن هيلين في القصة الأصلية لم يكن لديها أي أصدقاء. فلا داعي لأن أعيش هكذا أنا أيضًا.
“حسنًا. لنكن صديقتين.”
“إذن لننادي بعضنا بأسمائنا!”
“و من سمح لكِ أن تنادي السيّدة هيلين باسمها؟”
في تلكَ اللحظة فُتح الباب و دخل سلسيون دون أن يرتدي الأداة السحرية.
التعليقات لهذا الفصل " 44"