وصل ردّ روزالين بسرعة. فقد استلمتُ في اليوم التالي مباشرةً رسالة جوابٍ كُتبت فيها نصيحة.
و وفقًا لنصيحتها أرسلتُ فورًا رسالةً إلى عمّي ، و هكذا كنتُ الآن في طريقي إلى العمّ الذي ورث لقب والدي.
“لحسن الحظ أنّه ما زال مقيمًا في العاصمة.”
تمتمتُ و أنا أنظر إلى الطقس المُشرق خارج النافذة. كان الطقس هذه الأيام ، حيث توشك الحرارة الحقيقيّة على البدء ، مليئًا بالخُضرة. فقد بدأت الأوراق الجديدة التي كانت بلونٍ أخضرَ فاتح تتحوّل إلى أخضر داكن ، و كانت الأزهار المتفتّحة هنا و هناك تتفتّح بكاملها.
‘ملاحظة إضافيّة ، إذا لم يساعدكِ أقاربكِ ، فما رأيكِ في صاحب السّمو سلسيون؟’
تذكّرتُ السطر الأخير السخيف المكتوب في رسالة روزالين ، فانفجر مني ضحكٌ خفيف.
“سيّدتي؟”
“آه ، لا. لا شيء.”
نظرت إليّ ميا الجالسة في الجهة المقابلة باستغراب ، لكنّي لوّحت بيدي نفيًا و أعدتُ نظري إلى النافذة.
لا بدّ أنّ لدى صاحب السّمو الكثير من الأشخاص الذين يمكنهم أن يكونوا شركاءه ، فلماذا سيذهب إلى الحفل معي؟ و حتّى لو ارتبط اسمه بي الآن فلن يكون في ذلكَ أي فائدة.
فأنا في خضم دعوى طلاق ، و لا أعلم أي نوعٍ من الشائعات قد ينتشر إن ذهبت معه ، لذا لا يمكنني أن أسبّب له مثل هذا الإزعاج.
أنا ممتنّة لرغبته في المساعدة ، لكن……
سأتحدّث إلى عمّي اليوم ، و إن لم ينجح الأمر فالأفضل أن أدخل وحدي.
فذلك سيكون أقلّ إثارة للسخرية من الدخول مع إيلارد.
“يبدو أنّنا وصلنا.”
“نعم.”
توقّفت العربة أمام قصرٍ متواضع. و كان يقف أمام الباب رجلان.
إذن ذلكَ هو البارون سيفستيا الحالي….
و يبدو أنّ الآخر خادم.
كانت هذه أوّل مرّة أرى فيها أحد أقاربي منذُ أن تجسّدت في هذا الجسد.
إنّه يشبه والد هيلين في اللوحة.
اقترب الرجل الذي بدا كخادم و فتح باب العربة ، و ما إن نزلتُ منها حتّى اقترب عمّي ، أي البارون أنسيس سيبيستيا ، و قال بابتسامةٍ لطيفة.
“مرحبًا بكِ. لقد مرّت فترة طويلة، هيلين. أم ينبغي أن أناديكِ الآن دوقة؟”
“يمكنكَ مناداتي كما كنتَ تفعل سابقًا.”
“حسنًا. لندخل أولًا.”
دخلتُ خلفه إلى غرفة الاستقبال في القصر. و كان قصر عمّي يبدو قديمًا و متهالكًا مثل مظهره المتواضع.
هل ما زال منغمسًا في البحث و الدراسة فقط؟
كان أنسيس سيفستيا شقيق والدي الأصغر. في الأصل كان يحب دراسة العلوم القديمة و البحث فيها ، لكن بعد وفاة أخيه الأكبر ، والد هيلين ، اضطرّ لتولّي اللقب بناءً على طلب هيلين.
و بالنظر إلى حال المنزل ، بدا أنّ حياته لم تتغيّر كثيرًا حتّى بعد حصوله على اللقب. ربّما كان يواصل دراسته سابقًا بدعمٍ من والد هيلين ، لكن بعد وفاته لم يعد يتلقّى ذلكَ القدر من الدعم ، و لذلك بدا أنّ حاله المادي ليس جيّدًا.
“المكان متواضع ، لكن اجلسي. أي نوعٍ من الشاي تفضّلين؟”
“أي شيءٍ لا بأس به.”
ما إن جلستُ على الأريكة المتواضعة حتّى حضّر أنسيس الشاي بنفسه.
يبدو أنّ وضعه ليس جيّدًا لدرجة أنّه لا يستطيع حتّى توظيف خادمة.
أما الضيافة التي أحضرها مع الشاي فكانت بسكويتًا يُعدّ فاخرًا لدى عامة الناس. لكنّه بالنّسبة للنبلاء لا يختلف عن شيءٍ رخيص.
“أعتذر لأنّني لم أستطع الاهتمام بكِ طوال هذه الفترة. مع ذلكَ أنا عمّكِ.”
“الأمر نفسه ينطبق عليّ أيضًا.”
“المنزل قديم جدًا ، أليس كذلك؟ ليست لدي موهبة في تنمية المال……”
“عمّي يحب البحث و الدراسة. و هذا طريق صعب بالنسبة لنَبيلٍ بلا إقطاعيّة.”
“نعم……”
ارتسمت مرارة على وجه أنسيس ، و كأنّه يستعيد ذكريات أخيه في حياته.
“يبدو أنّ هناك الكثير من الكلام هذه الأيام عن طلاقكِ. ما الذي حدث بالضبط؟”
“في الحقيقة جئتُ لهذا السّبب تحديدًا. هل يمكن لعمّي أن يكون شريكي في حفلة الرقص الخضراء هذه المرّة؟”
“شريككِ؟”
“نعم.”
“هاها……”
ظهر الارتباك على وجه أنسيس. ثم حكّ مؤخرة رأسه و قال بتردّد.
“حسنًا…… رغم أنّي عمّكِ ، ألن يكون غريبًا قليلًا أن أكون شريككِ بينما لديكِ زوج؟”
يبدو أنّه في النهاية يخشى إيلارد أيضًا.
“كما توقّعت….”
“على أي حال الأمر محرج قليلًا. لكن إذا دخلتِ مع شخصٍ آخر ، فمع مَنٔ سيدخل الدوق؟”
“آه ، قال إيلارد إنّه سيدخل وحده.”
“الدّوق سيدخل لوحده؟ هذا أمرٌ مفاجئ فعلًا.”
“ربّما لديه سبب لذلك.”
“……هل يمكنني أن أسألكِ شيئًا واحدًا؟”
“نعم.”
سأل أنسيس بحذر ، ثم تردّد قليلًا قبل أن يتابع.
“هل يجب أن يتم الطلاق فعلًا؟ إذا انفصلت عنه فلن يبقى لديكِ لقب ، فكيف ستعيش امرأة وحدها…حتّى لو أردتُ مساعدتكِ ، فإنّ عائلتنا بالكاد تستطيع إعالة نفسها……”
بدت نظراته معقّدة.
على الأقل من الجيّد أنّه لا يتصرّف بقسوة مثل الأقارب الذين رأيتهم في الروايات الأخرى.
لم يكن هناك الكثير عن أنسيس في ذاكرة هيلين ، كما أنّه لم يظهر في العمل الأصلي ، لذلك لم أستطع معرفة نوع الشخص الذي هو عليه بدقّة. لكن بعد التحدّث معه بدا شخصًا طيّبًا إلى حدٍ ما. و أمر خوفه من إيلارد مفهوم ، فذلك ينطبق على الجميع.
“لديّ خططٌ فكّرتُ بها ، لذا لا داعي لأن تقلق بشأن حياتي بعد الطلاق. و لن أطلب منكَ مساعدتي في ذلك.”
“مع ذلك…. أشعر أنّي مدين لكِ بالكثير.”
“ليس ذنب عمّي. لا داعي للقلق بشأن أي شيء.”
“نعم……”
غرق أنسيس في التفكير طويلًا. و بعد أن شرب نحو ثلث فنجان الشاي ببطء ، فتح فمه مجددًا.
“لا أستطيع أن أكون شريككِ بنفسي.”
“……”
“لكن ربّما يستطيع ماريوس أن يفعل ذلك.”
“ماريوس؟”
“نعم. لقد بلغ سنّ الرشد أيضًا.”
في ذاكرة هيلين كان ماريوس ابن عمّها. كان أصغر منها بثلاث سنوات ، أليس كذلك؟
“لقد ذهب إلى مملكة أستان للدراسة لعدة سنوات ، و عاد العام الماضي. لم أستطع أن أنقل لكِ الخبر.”
“هل سيوافق ماريوس؟”
“لا أدري. يجب أن أسأله أولًا.”
إذا وافق ماريوس فسيكون ذلكَ أفضل بكثير من أي شخصٍ آخر. فهو ابن عمّي ، و لن تنتشر شائعات غريبة.
“إذًا هل يمكنكَ أن تسأله و تخبرني؟”
“حسنًا. سأرسل رسالة فورًا.”
“نعم. سأغادر الآن.”
نهضتُ من مقعدي و غادرتُ القصر.
إذا رفض ماريوس أيضًا فسأضطر حقًا للاستعداد للدخول وحدي. كان بإمكاني التذرّع بعذرٍ و الانسحاب ، لكنّني لم أستطع فعل ذلك لأنّي لا أعرف ما الشائعات السخيفة التي قد ينشرها إيلارد.
* * *
في اليوم التالي عمّت الضجّة قصر الدوق.
سألتُ بيكا التي جاءت تحمل المشط بينما كنتُ جالسةً أمام طاولة الزينة.
“ما الذي يحدث بالضبط؟ لماذا المكان فوضوي هكذا منذُ الصباح؟”
“يبدو أنّهم سيقومون بترميم الغرفة المقابلة.”
“غرفة ليليث؟”
“نعم.”
“بشكلٍ مفاجئ؟ و هي حامل؟”
“نعم. سمعتُ من ماندي أنّ الأمتعة أصبحت كثيرة فصارت الغرفة ضيّقة.”
يبدو أنّها حصلت على الكثير من إيلارد خلال هذا الوقت.
“سمعتُ أنّها ستقيم في غرفةٍ في طابقٍ آخر أثناء أعمال الترميم.”
“إذًا لن نلتقي طوال تلكَ الفترة.”
“نعم. بصراحة يبدو أنّ الأمر أفضل. كان اقتحامها للمكان كما تشاء مزعجًا.”
“هذا صحيح.”
“مع أنّه ليس لديها مكان تذهب إليه ، إلا أنّها تنفق ببذخ——”
كانت بيكا تتحدّث بسوء عن ليليث.
“سيّدتي ، وصلت رسالة.”
دخلت ميا الغرفة بهدوء و قدّمت الرسالة.
“شكرًا.”
كانت رسالتان ، من ماريوس و سيلينا. فتحتُ الظرف فورًا وتحقّقت من المحتوى.
من سيلينا؟ ما الأمر هذه المرّة؟
كنتُ فضوليّة بشأن رسالتها ، لكنّي تحقّقتُ أولًا من رسالة ماريوس.
“يا للراحة.”
كتب ماريوس في الرسالة أنّه سيذهب معي بصفته شريكي. كنتُ مستعدّة للدخول وحدي ، لذا كان هذا خبرًا مريحًا جدًا.
بعد ذلكَ فتحتُ رسالة سيلينا. كان محتواها بسيطًا ، فقد دعتني إلى منزلها قائلةً إنّ لديها شيئًا تريد سؤالي عنه.
بما أنّه لن يكون هناك تنمّر بعد الآن ، فهل أذهب هذه المرّة؟
يبدو أنّنا سنلتقي وحدنا مرّةً أخرى.
ربّما لديها شيء تريد التأكّد منه بشأن الطلاق أو شيء يثير فضولها.
“ميا ، هل يمكنكِ إحضار ورق الرسائل و ريشة الكتابة؟”
“نعم ، سيّدتي.”
عند كلماتي تسارعت يد بيكا. و في لحظة انتهى ترتيب شعري ، و بدأتُ فورًا بكتابة رسالتين إلى ماريوس و روزالين.
كتبتُ لماريوس لأشكره و أخبره بأن نلتقي يوم الحفل ، و كتبتُ لروزالين أنّ ابن عمّي ماريوس وافق على أن يكون شريكي. و أخيرًا كتبتُ ردًا إلى سيلينا أخبرها فيه أنّي سأزور منزل الكونت مونتانا في اليوم المذكور في الرسالة.
“ميا ، أرجو أن ترسلي هذه الرسائل.”
“نعم. سأرسلها فورًا.”
أخذت ميا الردود الثلاثة و غادرت الغرفة بسرعة.
جيد. إذا سارت الأمور هكذا فكل ما عليّ فعله هو الاستعداد للحفل.
بعد أن حُلّت مشكلة الشريك التي كانت تقلقني أكثر ، شعرتُ بنشاطٍ أكبر. لدرجة أنّ ضجيج الغرفة المقابلة لم يعد يزعجني إطلاقًا.
التعليقات لهذا الفصل " 41"