جلست سيلينا في العربة تُطلّ من النافذة و هي تُدندن بلحنٍ خافت.
كانت خطوات سيلينا ، التي جاءت مُسرعة لمقابلة هيلين ، خفيفةً للغاية في طريق العودة على عكس ما كانت عليه عند القدوم.
و ذلكَ لأنّ هيلين بدت و كأنها لا تحمل أدنى تعلّق بمنصب الدوقة.
‘إذا كان بإمكاني نيل الفرصة مقابل التنازل عن مبنى واحد ، فذلك ثمن زهيد بل هو الأرخص.’
كانت تفكّر بذلك بصدق.
ففرصة أن تُصبح دوقة لا تأتي كثيرًا ، و مجرّد عودة الفرصة إليها من جديد جعل سيلينا ترى أنّ هذا الثمن زهيد بما يكفي.
‘لذلك يجب أن أمسك بهذه الفرصة حتمًا. لن أسمح لأيّ شخصٍ آخر أن ينتزعها منّي.’
كانت سيلينا على اطّلاعٍ مسبق بحركة المجتمع الراقي.
فبسبب دعوى هيلين القضائية ، كان جميع النبلاء الذين لديهم بنات يتمنّون في قرارة أنفسهم طلاق إيلارد ، و يتربّصون لوضع بناتهم في منصب الدوقة.
فإيلارد ، الذي لا يزال شابًا و وسيمًا ، و فوق ذلك دوق ، لم يكن الطلاق عيبًا كبيرًا عليه.
بل إنّ ما يملكه كان عظيمًا إلى درجة لا يُضاهيه فيها أحد.
‘كلام الدوق الذي قاله سابقًا يزعجني قليلًا ، لكن…’
تذكّرت سيلينا الكلمات التي قالها إيلارد في حفلة عيد ميلاد الكونت وينتر ، و شعرت بانقباضٍ خفيف في قلبها.
“آه ، على أيّ حال ، بعد الانفصال سيتغيّر رأيه قليلًا ، أليس كذلك؟”
الآن ، قبل الانفصال ، يقول إنّ الطلاق غير وارد و أشياء من هذا القبيل ، لكن مَنٔ يدري كيف سيتغيّر الأمر إذا وقع الطلاق فعلًا.
فزيجات النبلاء غالبًا ما تُبنى على حسابات دقيقة للمصالح و المكاسب.
و قد فكّرت سيلينا أنّ إيلارد قد يُغيّر رأيه إن جاءه زواجٌ أفضل.
كانت واثقة من أنّ جمالها لا يقلّ عن أيّ امرأةٍ أخرى أينما ذهبت.
لكن….
‘ماذا لو كان ذوق الدّوق يميل إلى مظهر هيلين؟’
تساءلت سيلينا بجدّية إن كان عليها تغيير أسلوبها.
كانت سيلينا أقصر قامةً من هيلين ، صغيرة الحجم و ذات صورة لطيفة.
لون شعرها الذي يشبه أزهار الكرز زاد من لطافتها و سحرها ، و عيناها الخضراوان الفاتحتان الكبيرتان المستديرتان ، و ملامحها الدقيقة المتناسقة ، جعلتها تبدو كدميةٍ جميلة.
كانت تعطي إحساسًا معاكسًا تمامًا لهيلين ، ذات القامة الطويلة الرشيقة و الأجواء النقية الناضجة.
“خذوني إلى السيدة هايدي بدل المنزل الآن. بما أنّني خرجت ، سأمرّ عليها.”
قالت سيلينا ذلك للخادمة التي كانت تجلس بهدوءٍ أمامها ، فور أن خطر الأمر ببالها ، إذ كانت ذات طبعٍ عملي.
ففتحت الخادمة ثقبًا صغيرًا في جدار العربة ، و نقلت أوامر سيلينا إلى السائق.
‘بالمناسبة ، هيلين جاءت اليوم مع خادمةٍ أخرى ، أليس كذلك؟
غريب.’
كانت سيلينا قد راقبت هيلين و هي تغادر المقهى ، و لم تتذكّر إلّا الآن أنّ الخادمة التي كانت معها لم تكن الخادمة التي ترافقها دائمًا.
‘هل استقالت؟’
كانت تلكَ الخادمة قد خدمت هيلين منذ ما قبل زواجها.
حتّى عندما طردت هيلين جميع الخدم بعد وفاة والديها البارون و البارونة ، تذكّرت سيلينا أنّ هيلين احتفظت بتلكَ الخادمة وحدها و دخلت بها إلى بيت الدوق.
غياب شخصٍ مألوف أيقظ في ذهنها أمرًا كانت قد نسيته.
‘صحيح ، تلكَ الفتاة لم تتواصل معي منذ فترة ، أليس كذلك؟ لكن… في هذه المرحلة ، لم أعد بحاجةٍ إليها أصلًا. بل لعلّ هذا أفضل.’
محت سيلينا وجود ذلك الشخص من ذهنها بسهولة.
فالأمور ستسير على ما يرام حتى بدون تلك الفتاة.
بل ربّما كان غيابها أفضل.
‘و مَنٔ يدري؟ إن اختفت من تلقاء نفسها ، فذلك سيُزيل الأدلة أيضًا. أليس هذا أمرًا جيّدًا؟’
“آنستي ، لقد وصلنا.”
“حسنًا.”
نزلت سيلينا من العربة و هي تتلقّى مرافقة الحرس ، و مدّت جسدها في تمطّطٍ طويل.
كانت تشعر بخفّةٍ و ارتياح لأنّ كلّ شيء يسير بسلاسة.
* * *
“على أيّ حال ، بفضل سموّك تمكّنّا من تأمين أدلّة إضافية. ما تعرّضت له مثير للغضب حقًّا.”
“لم أكن أتصوّر أنّه سيكون بهذه الدرجة من الانحطاط…”
عند تقرير روزالين ، قبض سلسيون على قبضته بقوّة.
كان سلسيون قد سمع للتو من روزالين تقريرًا عن آثار الكدمات على عنق هيلين.
‘حتّى عندما سمعت التقرير من روزالين سابقًا ، شعرت بذلك ، لكن الأمر فعلًا غير طبيعي.’
لم يسمع سلسيون كلّ التفاصيل الدقيقة عن معاناة هيلين الزوجية ، لكنّه علم أنّها كانت تتعرّض للضرب مرارًا بذريعة الإجهاض ، و أنّ خادمتها المقرّبة حملت من إيلارد.
و كذلك أنّ إيلارد حطّم آلة التصوير السحرية.
تمتم سلسيون و هو يكبح جماح غضبه المتصاعد.
“و بعد كلّ ذلك ، قال إنّ حبّـه لن يتغيّر أو ما شابه.”
“هاه؟ حب؟”
سألت روزالين بوجهٍ مشوش ، فأجابها سلسيون بملامح لا تزال جادّة.
“قال ذلك في حفلة عيد ميلاد الكونت وينتر قبل فترة. قال إنّه لا يوجد ما يدعوه للانفصال عن السيدة هيلين ، و حتّى لو حدث الانفصال ، فإنّ حبّه لها لن يتغيّر.”
“… أليس مجنونًا؟”
قطّبت روزالين حاجبيها و أظهرت تعبيرًا مليئًا بالاشمئزاز.
لم يحضر سلسيون حفلة عيد ميلاد الكونت وينتر بنفسه ، لكنّ عيونه و آذانه التي زرعها هنا و هناك كانت ترفع له تقارير بكلّ ما يحدث في المجتمع الراقي ، لذا علم بالأمر.
“توقّعت ذلك ، لكن يبدو أنّ الطريق سيكون وعرًا.”
“صحيح. منذُ أن سمعت بذلك للمرّة الأولى و أنا أظنّه ليس شخصًا سويًّا ، لكن لم أتوقّع أن يكون ممثّلًا بارعًا أيضًا… بهذا الشكل ، سنكون في موقفٍ ضعيف في معركة الرأي العام. السيدة هيلين لا تملك علاقات تُذكر في المجتمع الراقي. لذلك قرّرنا الانتقال إلى دعوى علنية بعد جلسة التسوية ، لكن القلق لا يزال موجودًا.”
“لو وُجد شخص مناسب من جهة المجتمع الراقي…”
استعرض سلسيون قائمة الأشخاص في ذهنه للحظة ، ثم هزّ رأسه.
كان هناك شخصٌ خطر بباله ، لكنّ عائلتها لم تكن تميل إلى هذا الطرف أو ذاك ، و استمالتها لم تكن سهلة.
إضافةً إلى ذلك ، لم يكن يعلم إن كانت ستوافق على المساعدة أصلًا.
“مع ذلك ، لولا أنّ سموّك أرسل آلة التصوير السحرية في الوقت المناسب ، لما استطعنا تأمين أدلّة إضافية حتّى الآن.”
“طالما كان ذلكَ مفيدًا ، فهذا يطمئنني قليلًا.”
رغمَ كلمات روزالين التي قالتها للتخفيف عنه ، ظلّ القلق يلازم سلسيون.
فإيلارد كان مجنونًا أكثر ممّا توقّع ، و لم يكن يعلم ما الذي قد يُقدم عليه.
فعلى سبيل المثال ، ألم يضع مراقبين لمتابعة هيلين و عرقلة دعوى الطلاق منذ فترة؟
و إن كان سلسيون قد تعامل مع الأمر حتى الآن ، إلا أنّ الاستمرار بذلك علنًا بات محفوفًا بكشف هويته.
‘حتّى لو لم تنظر إليّ بعين الرضا لاحقًا ، أريد على الأقل أن أُخرجها من قبضة الدوق.’
كان سلسيون يعلم أيضًا أنّ هيلين ، حتى لو عرفت أنّه هو مَنٔ يساعدها ، قد لا تفتح له قلبها.
و مع علمه أنّه لن يُكافأ على مشاعره ، لم يكن بإمكانه التوقّف عن مساعدتها.
كلّ ما أراده هو أن يمنحها متنفسًا ، و أن يساعدها ، و لو قليلًا ، على التعافي من الألم الذي تحمّلته وحدها طوال تلكَ السنوات.
كان حبًّا لم يُختَر مرّة ، و يعرف أنّه قد لا يُختار مجدّدًا ، و مع ذلك لم يستطع تجاهله.
فترك هيلين على حالها كان يؤلمه أكثر.
كان حبّ وليّ العهد الشاب الأوّل المتحمّس ، لا يزال مستمرًا.
نظر سلسيون القلِق إلى روزالين و سألها.
“الأدلّة محفوظة جيّدًا ، أليس كذلك؟”
“بالطبع. إن كان هناك شيء سأحميه بروحي ، فهو الأدلّة.”
“ألا ترين أنّ الاحتفاظ بها في القصر الإمبراطوري سيكون أفضل؟ الاحتفاظ بها هنا يثير القلق من السرقة…”
“ألا تُبالغ في القلق؟ لقد وضعتَ حرسًا للمكتب بالفعل.”
“لا أشعر بالاطمئنان. لم نتمكّن من التخلّص من جميع المراقبين المُلصقين بالسيدة هيلين بعد.”
“هل تعتقد أنّهم سيجرؤون على السرقة؟”
أجابت روزالين بلا مبالاة و هي تهزّ كتفيها.
“قد يفعلون أكثر ممّا نتوقّع.”
و ما إن قال سلسيون ذلك ، حتى هبّت حوله ريحٌ قوية ، و ظهر رسمٌ سحريّ بنفسجي ثم تلاشى.
“لمَ لا تضع تعويذة حماية على آلة التصوير السحرية نفسها؟”
“لا يمكن وضع سحرٍ على غرض سيُستخدم كدليل.”
أجابها سلسيون ببرود على سخريتها ، و واصل إلقاء تعاويذ الحماية على المكتب عدّة مرّات أخرى.
“آه ، توقّف رجاءً. هل تريد أن تُشهر الأمر في كلّ مكان؟ كنتَ حذرًا طوال الوقت ، لكن عندما يتعلّق الأمر بالسيدة هيلين تفقد ضبط النفس.”
“لا أشعر بالاطمئنان.”
و لم يتوقّف سلسيون عن وضع تعاويذ الحماية إلا بعد أن ألحّت عليه روزالين.
فكونه قادرًا على استخدام السحر لم يكن معلومًا إلا لعددٍ قليل من أقرب المقرّبين إليه.
حتىغ الإمبراطور و الإمبراطورة ، والداه ، لم يكونا يعلمان بذلك.
“سأحمي الأدلّة بروحي ، لذا اذهب الآن. سأنهي الترتيب و أعود إلى المنزل.”
دفعت روزالين سلسيون إلى الخارج و هو لا يزال متجهّمًا.
‘لن يحدث شيء ، أليس كذلك؟’
و مع هذه الفكرة، حرّك سلسيون قدميه أخيرًا و عاد إلى القصر الإمبراطوري.
* * *
“سيدتي! سيدتي! حدث أمرٌ خطير!”
“استيقظي! من فضلك ، بسرعة!”
منذُ الصباح الباكر ، ركضت بيكا و ميا بوجوهٍ شاحبة ، و هزّتا هيلين النائمة بقوّة.
“بيكا؟ ميا؟ ما الأمر؟”
“هذا ليس وقت النوم!”
“تومي ، الذي يسلّم المواد الغذائية ، قال إنّ انفجارًا وقع الليلة الماضية في أطراف العاصمة! و يبدو أنّه مكتب المحامية روزالين! العنوان متطابق تقريبًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 26"