كانت روزالين ترتدي زيًّا يبدو و كأنّه مُستوحًى من ملابس الفروسيّة. شعرها الأحمر القصير الحادّ ، و نظّارتها ، و ملابسها ذات اللّون الكُحليّ الدّاكن منحاها مظهرًا حادًّا لكنه لائقٌ بها.
وما كان لافتًا أنّها لم تقم يتحيّتي بإمساك طرف تنّورتها كما تفعلُ النساء عادةً ، بل مدّت يدها للمصافحة.
تبادلنا مصافحةً خفيفةً ثم دخلنا مكتبها و جلسنا متقابلتَين.
“سأسألكِ مباشرةً عن القضيّة. ذكرتِ في الرّسالة أنّكِ تُريدين الطّلاق ، فما هو وضعكِ تحديدًا؟”
“المجتمعُ الأرستقراطيّ يظنّ حاليًّا أنّني حامل.”
“نعم. هذا ما أعلمه أنا أيضًا.”
أومأت روزالين برأسها لكن عينيها كانتا تدلّان على عدم الفهم.
“لكنني لستُ حاملًا.”
“ماذا؟ ما الذي……؟ سمعتُ أنّ الدوق قال إنّ الدوقة حامل.”
تلونَ وجه روزالين بالذّهول.
“في الحقيقة قال إنّه قد يُسمَـع خبرٌ سارّ. و النّبلاء الذين لا يعرفون ما هو ذلك الخبر السّارّ هم مَنٔ افترضوا الأمر كما يشاؤون. و يبدو أنّ إيلارد تعمّد ذلك أيضًا.”
“يا للعجب. كيف يحدثُ أمرٌ كهذا……؟”
“على أيّ حال أنا لستُ حاملًا. وضعي الحاليّ هو…….”
رويتُ لها قصّتي بهدوء. و ما إن انتهيتُ حتّى اشتعلت غضبًا.
“أيُّ شخصٍ مزدوجِ الشّخصيّة هذا! مهما كان دوقًا لا يحقّ له ذلك!”
ضربت روزالين الطّاولة بيدها حتّى صدر صوتٌ قويّ ، و كانت تغلي غضبًا على عكسي أنا الهادئة.
كان هذا مختلفًا تمامًا عن انطباعها الأوّل الحادّ.
“على أيّ حال في ذلك اليوم تحطّمت آلةُ التّصوير السّحريّة. لم يتبقَّ سوى كرة التّسجيل الصّوتيّ…. و حتّى لو اشتريت آلةً جديدة فسيستغرق الأمر بعض الوقت.”
“مؤسف. لو وُجدت صور من آلة التّصوير السّحريّة لكان أفضل بكثير.”
قد يقال إنّه يمكنني بيع المزيد من الحُليّ لشراء آلةٍ جديدة بسرعة ، لكن الأمر ليس بهذه السّهولة.
بما أنّ إيلارد علم بخطّتي ، فلا بدّ أنّه أصبح أكثر حذرًا. في الحقيقة كان من العجيب أنّني ما زلتُ أستطيع الخروج هكذا. توقّعتُ أن يمنعني من الخروج أو يحبسني في المنزل ، لكنّه تركني كما أنا ، و لا أفهم ما الذي يُفكّر فيه ، و هذا يُقلقني أكثر.
مع ذلك لا يمكنني الاستسلام الآن ، لذا أواصل التّحرّك.
بعد تفكيرٍ عميق فتحت روزالين فمها مجدّدًا.
“دوقة إيفرسيوم.”
“نادنـي هيلين فقط. فهذا اللّقب سيُمحى قريبًا.”
“حسنًا. على أيّ حال يا هيلين ، أحسنتِ بالمجيء! سأفعلُ أيَّ شيءٍ ، حتمًا! قطعًا! لأساعدكِ على الحصول على الطّلاق!”
أمسكت روزالين بكلتا يديّ و أضاءت عيناها بحماس. بدا حماسها مُفرِطًا قليلًا ، لكنّه أفضل من النّقصان.
“شكرًا لقبولكِ القضيّة. أتطلّع إلى العمل معكِ.”
“بل أنا مَنٔ يجب أن تشكركِ. الطّريق طويل ، لكن دعينا نبذل قصارى جهدنا!”
و هكذا عيّنتُ محاميةً أخيرًا. و بعد لحظةٍ أطلقت روزالين يديّ و قالت.
“صحيحٌ أنّه مؤسفٌ عدم وجود صور ، لكن لنرفع الدّعوى بكرة التّسجيل الصّوتيّ فقط في البداية. و يمكننا تقديم آلة التّصوير كدليلٍ إضافيّ لاحقًا.”
“ألا يوجد شيءٌ آخر نحتاجه؟”
“همم…. سيكونُ من الجيّد وجود شاهدٍ يُدلي بشهادته…. كم شخصًا يعرفُ وضعكِ الحاليّ؟”
“خادمتاي المُكلّفتان بي و رئيسُ الخدم فقط. سأَسأل الخادمتَين إن كانتا تستطيعان الإدلاء بالشّهادة. أمّا رئيسُ الخدم فهو في صفّ إيلارد ، لذا…….”
“سيكون الأمر صعبًا إذًا. لا بأس باثنتين. لنجمع أكبر قدرٍ من الأدلّة بينما نُتابع الدّعوى.”
أومأت روزالين موافقةً.
كان من حسن الحظّ أنّ بيكا و ميا كانتا في صفي داخل الدّوقيّة. لولاهما لما وصلتُ إلى هنا.
“سأُقدّم الطّلب فور الانتهاء من إعداد المستندات. سأتصرّف بأسرع ما يمكن ، لذا تماسكي.”
“نعم ، شكرًا لكِ.”
“عودي بحذر. و إذا حدث أيّ أمرٍ فاتّصلي بي فورًا.”
“سأفعل.”
بعد أن أنهيتُ التحيّة مع روزالين غادرتُ مكتبها.
و عندما عدتُ إلى الدّوقيّة ، كانت هناك رسالةٌ موضوعةٌ على المكتب. كانت تفوحُ من الظّرف الورديّ الفاتح رائحةٌ حلوةٌ خفيفة.
“سيلينا مونتانا. أرسلتِ دعوةً حقًّا.”
كانت صاحبة الرّسالة سيلينا. يبدو أنّها كانت صادقةً حين قالت في الحفل السّابق إنّها سترسل دعوة.
ما الذي تُخطّط له هذه المرّة؟
رغمَ أنّ الأمر حدث قبل أن أتجسّد في هذه الشّخصيّة ، و لم أختبره بنفسي ، إلا أنّني أعرفه من قراءتي للرّواية و من ذكريات هيلين.
كم عذّبتها بقسوة.
لم تكتفِ بالسّخرية منها علنًا و إحراجها ، بل دفعتها حتّى إلى البركة. فكيف يمكنني الآن أن أضحك و أتودّد و كأنّ شيئًا لم يكن؟
لا أعرف حقيقة نوايا سيلينا ، لكنّني أرجّح أنّها ليست حسنة.
“بأيّ عذرٍ أرفضُ يا ترى.”
و بينما كنتُ أُفكّر في حجّة ، خطرت لي فجأةً فكرةٌ جيّدة.
“على أيّ حال عندما تنتشرُ دعوى الطّلاق في المجتمع سيُكشف الأمر.”
جلستُ أمام المكتب و أمسكتُ بريشةِ الكتابة ، ثم كتبتُ على الورق أنّ جسدي ثقيلٌ هذه الأيّام فأمتنع عن الخروج.
كانت سيلينا تُحبّ إيلارد بجنونٍ منذ الرّواية الأصليّة ، لذا من المؤكّد أنّ هذه العبارة ستُقلِب أحشاءها.
حسنًا ، قلتُ إنّ جسدي ثقيل و لم أقل إنّني حامل ، أليس كذلك؟ إذًا فهي ليست كذبةً تحديدًا ، و بهذا أكون قد رددتُ لها جزءًا ممّا كانت تقوله عنّي من وراء ظهري.
و إن كانت حقًّا لا تنوي إيذائي ، فستبقى بخيرٍ حتّى بعد استلام هذه الرّسالة.
لا أعلم كيف سيكون ردّ فعلها ، لكن لمجرّد أنّه أوّلُ انتقامٍ بسيطٍ أقوم به ، شعرتُ بقليلٍ من الارتياح. فمهما اعتذرت ظاهريًّا لا يمكن معرفة ما في داخلها ، و الحذرُ لا يضرّ.
“من المؤسف أنّني لا أستطيع رؤية ردّة فعلها. ميا.”
“نعم.”
“أرسلي هذا إلى الآنسة سيلينا مونتانا ، ابنة الكونت. لا بدّ أنّها تنتظر ردّي بشدّة ، لذا أرسليه بسرعة.”
“نعم ، سيّدتي.”
أخذت ميا الرّسالة المختومة و غادرت.
“أنا مُتعبـة.”
ما إن جلستُ على الأريكة لأرتاح قليلًا حتّى دخلت بيكا بعد أن طرقت الباب.
“سيّدتي ، وصل طرد.”
“طرد؟”
هل هناك مَنٔ يُرسل إليَّ طردًا؟ مهما فكّرتُ لم يخطر ببالي أحد.
“مكتوب عليه RS.”
“RS تعني…….”
روزالين سينتيرس؟ لا يُعقل أنّها سجّلت الدّعوى بالفعل. ما هذا الطّرد فجأةً؟
التعليقات لهذا الفصل " 18"