و مع صوتِ تكسّر الخشب ، داس إيلارد آلةَ التّصوير مرّاتٍ عدّة أخرى حتّى حطّمها تمامًا.
و حين نظرتُ إلى آلة التّصوير السحريّة المتكسّرة بذهولٍ فارغ ، سخر مجدّدًا و قال.
“طلاق؟ لم تكوني تظنّين حقًّا أنّ شيئًا كهذا مُمكن ، أليس كذلك؟”
“…….”
ابيضَّ رأسي.
لم أكن أظنّ أنّ الطّلاق سيكون سهلًا ، لكنّي لم أفهم أيضًا لماذا يرفض إيلارد الطّلاق إلى هذا الحدّ.
“لماذا……. لماذا تفعل هذا؟ أنا لستُ ضروريّة لكَ أصلًا ، أليس كذلك؟ أنا مجرّد دوقةٍ عاجزةٍ لم تستطع حتّى حماية طفلها. دعني أحصل على الطلاق و أعش بهدوء مُكفِّرةً عن ذنبي.”
“لا حاجة للطّلاق كي تُكفّري.”
“إذًا لماذا…….؟”
“لأنّه لا يوجد سبب لأتخلّى عن كأسِ النّصر.”
“كأس؟ ماذا تقصد بذلك…….؟”
كأس؟ ما الذي يتحدّث عنه؟
هل يعني أنّه كان يعتبر زوجته هيلين ككأسٍ منذ البداية؟
لا أعرف ممّن كان النّصر ، لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا.
إيلارد لم يُحـبّ هيلين قطّ.
ذلك البطل الرّئيسيّ اللّطيف المهذّب الذي أحـبّ هيلين بإخلاصٍ في الرّواية الأصليّة لم يكن موجودًا أصلًا.
هيلين بطلة الرواية ، و أنا التي كنتُ قارئةً ، خُدعنا كلتانا به.
“لذا ابقي الكأس يلمع في مكانه بهدوء. و لا تحلمي بأحلامٍ لا جدوى منها.”
سخر إيلارد مرّةً أخرى و هو ينظر إليّ بينما أنا مصدومة ، ثمّ داس آلةَ التّصوير السحريّة المحطّمة و خرج.
“ها…….”
انفجر النَّفَس الذي كنتُ أكتمه ، و في الوقت نفسه خارت قوّة ساقَيَّ فجلستُ أرضًا.
“مع أنّهما البطلان……. ظننتُ أنّ هناك على الأقلّ قدرًا من الإعجاب.”
لم يُحبّني أصلًا. إذًا لماذا تزوّج هيلين أصلًا؟
اجتاحني شعور الصّدمة و الخيانة ، فشعرتُ بحرقةٍ في أطراف عينيّ.
“كأس النّصر…….”
ما الذي يعنيه ذلك؟
أعدتُ التفكير في أحداث الرّواية الأصليّة.
لا بدّ أنّ الأمر ليس صيدًا أو مسابقةَ رسمٍ عابرة.
“قال إنّني كأس. إذًا هل….؟”
هل يقصد المنافسة مع سلسيون ، بطل الرّواية الثانويّ؟
و هل أنا الكأس الذي حصل عليه بعد فوزه؟
“يا إلهي.”
حين فهمتُ جزءًا من أفكار إيلارد غير المتوقّعة ، لم أستطع كبح ذهولي.
ما الذي ينقص إيلارد ، الذي يملك كلّ شيء ، حتّى يحمل شعورًا بالدونيّة تجاه سلسيون؟
لو أراد ، أتمكّن من نيـل حـبّ كلّ نساء العالم.
لكن بالنظر جيّدًا ، فقد التقى إيلارد بهيلين بعد أن التقى بها سلسيون.
“إذًا منذ البداية خطّط لكلّ شيء.”
أي أنّه أغوى هيلين عن عمد.
و هيلين وقعت في حبّـه دون تردّد.
لم أكن أعلم حتّى الآن حقيقة إيلارد التي لم تُذكر في الرّواية الأصليّة.
مَنٔ سيفهم أنّ سبب رفضه للطّلاق هو مجرّد استفزاز لسلسيون؟
حتّى أنا نفسي لا أستطيع فهمـه.
“هاها ، يبدو أنّ الأمر أصعب ممّا توقّعت…….”
حين أدركتُ أنّ إيلارد يعتبر هيلين ، أي أنا ، مجرّد شيء خاصّ يملكـه ، شعرتُ أكثر بمدى صعوبة الطّلاق منه.
حتّى لو رفعتُ دعوى طلاق ، قد أخسرها.
و حينها……
سيغدو الطّلاق حلمًا مستحيلًا مدى الحياة. أو عليّ أن أموت فعلًا.
و بعد أن تحطّمت آلةُ التّصوير السحريّة و ضاع الدّليل الحاسم ، كان عليّ أن أُقرّر جيّدًا.
هل أمضي في هذا الطّريق الصّعب و أحلم بالسّعادة؟ أم أختار حياةً مُستقرّةً رغم الألم لأحفظ حياتي؟
لم يطل تردّدي.
فالإنسان سيموت يومًا ما على أيّ حال.
إن كان لا بدّ من ذلك ، فالأفضل أن أقاوم ، حتّى لو انتهى بي الأمر مُثخنةً بالجراح.
شدَدتُ ساقَيَّ و نهضتُ ، ثمّ توجّهتُ إلى جانب السّرير و سحبتُ حبل الجرس.
“سيّدتي…….”
دخلت ميا بعد ذلك متردّدة ، و ما إن رأت آلةَ التّصوير السحريّة المحطّمة حتّى تصلّب وجهها.
لكن لم يكن لديّ وقت لأحزن على تحطّمها.
فقد بدأت الكدمات على جسدي تخفّ كثيرًا ، و كان عليّ أن أُسرع في الحصول على آلةٍ جديدة في أقرب وقت.
“تخلّصي من هذا أوّلًا. و غدًا سأخرج باكرًا قليلًا ، فاستعدّي.”
“نعم ، سيّدتي.”
بدأت ميا تجمع قطع آلة التّصوير السحريّة المحطّمة.
و كان الخارج قد غرق في ظلامٍ دامس.
* * *
خرج إيلارد من غرفة هيلين و توجّه مباشرةً إلى غرفته.
رأى ليليث تُطلّ برأسها من الباب تنظر إليه ، لكنّه تجاهلها و نزل الدّرج.
‘ظننتُ أنّها تهتمّ بليليث لسببٍ ما ، فإذا بها تخطّط لتلك الأفكار الخبيثة خلف ظهري؟’
شعر بالغضب ، و بشيءٍ من السّخرية أيضًا.
فهي ، عدا عن مظهرٍ مقبولٍ ، لا تملك شيئًا يُذكر ، و مع ذلك تجرأت على التفكير في الانفصال عنه.
و لو لم تكن المرأة التي وضعها سلسيون في قلبـه ، لما وجد إيلارد سببًا للاهتمام بها أصلًا.
صحيحٌ أنّ جمال هيلين كان لافتًا ، لكنها لم تكن تمتلك لا نسبًا عريقًا ، و لا مكانة مميّزة ، و لا مزايا أخرى تُذكر.
و هو ، الرجل الكامل ، تزوّجهـا ، فكيف تطلب الانفصال الآن؟ كان ذلك غير منطقيّ.
‘لو صبرت حتّى يولدح الطّفل لانتهى كلّ شيءٍ على خير.’
و ما شأن عشيقةٍ صغيرة؟
في الأصل ، لم يكن إيلارد يسمًي ليليث عشيقةً قطّ.
كلّ ما في الأمر أنّها تحمل طفله ، و لذلك يمنحها ما تستحقّه من معاملة.
لم يخطر بباله قطّ أن يجعل ليليث ، ذات الأصل المتواضع ، زوجةً شرعيّة ، و لن يفعل.
كان عليها أن تتحمّل بضعة أشهرٍ فقط ، و مع ذلك عجزت عن ذلك حتّى.
مقارنةً بنساءٍ أخرياتٍ يعشن مع عشيقات أزواجهنّ في بيتٍ واحد ، بل و يتنازلن عن مناسباتٍ رسميّة ، كانت هيلين تفتقر إلى التّفهّم.
أليست هناك بعض الحالات التي لا تستطيع فيها الزوجة الشرعية الإنجاب ، فتقوم بتقديم خادمتها أو امرأة أخرى إلى زوجها لتنجب له.
أليس من واجب النبيلة أن تؤمّـن نسلًا لزوجها؟
بل أليس من المنطقي أكثر أن تحمل خادمتها طفل زوجها؟
و فوق ذلك ، هو مستعدّ لتسجيل الطّفل على أنه طفل هيلين.
وصل إيلارد إلى باب غرفته ، فأمر الخادم سام الذي كان ينتظره.
“يبدو أنّ خروج زوجتي ازداد في الآونة الأخيرة ، و هذا يجعلني أشعر بالقلق بشأن حمايتها. ظننتُ أنّها لا تذهب إلا إلى قصر الفيكونت ، لكن يبدو أنّ الأمر غير ذلك. قد تشعر بالضّيق إن علمت ، لذا عيّـن الأشواك دون أن تدري.”
“نعم ، سموّ الدوق.”
كانت “الأشواك” اسم جهاز المعلومات الخاصّ بعائلة الدوق.
“ليُرفع إليّ تقريرٌ مفصّل عن الأماكن التي تزورها و الأشخاص الذين تلتقيهم.”
“نعم.”
أشار إيلارد لسام بالانصراف ثمّ دخل غرفته.
أظهر أمام سام أنّه يُبدي قلقًا على هيلين ، لكن داخله كان لا يزال مضطربًا.
لم يكن يعرف كيف ستتصرّف هيلين في المجتمع لاحقًا.
‘إلى أن تتخلّى عن فكرتها ، سأرافقها في نشاطاتها الاجتماعيّة.’
لم يكن لديه أدنى نيّة للاستجابة لرغبتها.
فهو مستعدّ للتخلّي عن لقب الدوق ، لكن ليس عن هيلين.
فهي الكأس الأبهى الذي ناله بعد انتصارٍ.
قد يتركها في البيت مهملةً ، لكنّه لن يرميها بيده أبدًا.
إن حاولت الهروب ، فسيُقيّدها و يحتجزها إن لزم الأمر.
خشِـي أن يلتقط سلسيون كأسه ، فازداد حدّةً.
كان ينوي أن ينتزع كلّ شيءٍ دون أن يخسر شيئًا.
* * *
“أعتذر ، لكن يبدو أنّه يصعب علينا تولّي قضيّة الدّوقة. أرجو أن تعودي بسلام.”
نهض المحامي الذي كان يُجري الاستشارة و انحنى ، ثمّ غادر.
كانت هذه المرّة الرّابعة التي يُرفض فيها طلبي.
الصّدمةُ صدمةٌ ، لكن لا بدّ من العمل.
قرّرتُ البدء بتوكيل محامٍ ، و استشرتُ أشهر المحامين في العاصمة.
يمكنني تجهيز آلةِ تصويرٍ سحريّة جديدة أثناء التحضير للدّعوى.
لكن لم يُرِد أحدٌ تولّي الدفاع عنّي.
في الزيارة الأولى رحّبوا بي لأنّي دوقة ، لكن ما إن ذكرتُ الطّلاق حتّى تغيّرت وجوههم و رفضوا.
يبدو أنّهم يخشون الوقوف في وجه الدوق.
لا أستطيع لومهم……
لكن شعور المرارة لم يختفِ.
و بعد أن أدركتُ أنّ الانتظار لن يُجدي ، خرجتُ من المبنى.
“سيّدتي ، هل رُفضنا مرّةً أخرى؟”
“نعم.”
أومأتُ لبيكا التي كانت تنتظر في الخارج ، فانفجرت غاضبة.
“هذا ظلم! ليس الأمر و كأننا نطلب منهم ذلك مجّانًا ، و مع ذلك يرفضون جميعًا!”
“الأمر مفهوم. إن حصلت على الطلاق فسأفقد لقبي و أصبح من العامّة. مَنٔ سيقف في وجه نبيلٍ عظيمٍ مثل إيلارد؟ لم أظنّ أنّ الأمر سهل ، لكن لم أتوقّع هذه العقبات حتّى قبل رفع الدّعوى…….”
“سيّدتي……. ماذا سنفعل الآن؟ هل نبحث في مكانٍ آخر؟”
نظرت إليّ بيكا بعينٍ مشفقة.
هل سيقبل أحدٌ إن واصلنا البحث؟
لم أحتج وقتًا طويلًا لأعرف الجواب.
“بهذا سنُهدر طاقتنا فقط. لنذهب إلى مكتبة القصر الإمبراطوريّ.”
“المكتبة؟ لماذا فجأةً الكتب؟”
“لأبحث عن طريقةٍ أخرى. كأن أرفع دعوى دون محامٍ…….”
“قد لا يكون الأمر سهلًا ، لكن ربّما نجد وسيلةً لم نعرفها.”
انطلقت العربة من وسط العاصمة و توقّفت أمام مدخل المكتبة.
“سيّدتي ، لقد وصلنا.”
نزلتُ ببطءٍ من العربة.
رحّب بي مدخل المكتبة المألوف.
شعرتُ براحةٍ أكبر ممّا أشعر به عند بوّابة قصر الدوق.
ما إن دخلتُ حتّى لفحتني رائحة الكتب المعتادة.
بحثتُ بين كتب القانون عن مؤلّفاتٍ تُعالج الطّلاق تحديدًا.
و بعد وقتٍ طويل وجدتُ كتابًا عن دعاوى الطّلاق في أحد الأركان.
مددتُ يدي لألتقطه.
“ذلك الكتاب ، هذا أفضل منه.”
جاءني صوتٌ مألوفٌ من خلفي.
استدرتُ فزعـةً ، فإذا بسلسيون ينظر إليّ بابتسامةٍ خفيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 17"