“دوق ، اُنظر إلى هذا قليلًا. لقد أعطتني السيّدة هيلين دبّوس شعرٍ بلا أيّ جوهرة و قالت إنّه هديّة.”
توجّه نظر إيلارد إلى يدي على إثر كلام ليليث.
نظر إلى دبّوس الشَّعر ثمّ قال.
“ليس كلّ ما لا يحتوي على جوهرة يُعدّ رخيصًا. هذا الدبوس مصنوعٌ من قماشٍ نفيسٍ للغاية.”
“آه ، حقًّا؟ لم أكن أعلم…. ظننتُ أنّ السيّدة هيلين تُحاول إهانتي….”
تعلّقت ليليث بكمّ إيلارد و أخذت تتلوّى قليلًا ، و كأنّها تظنّ أنّها إن فعلت ذلك فستبدو لطيفة.
“كيف لها أن تحتقرَكِ و أنتِ تحملين طفلي؟ اذهبي و اهدئي و خذي قسطًا من الرّاحة.”
“اذهب معي. يبدو أنّ الطّفل قد فزع مثلي. أظنّه سيهدأ سريعًا إن ربّت عليه والده.”
“……حسنًا.”
خرج الاثنان جنبًا إلى جنب.
و حتّى أثناء خروجهما ، كان إيلارد يدعم ليليث بثبات.
بينما أُعامَل أنا و كأنّني غير موجودة تمامًا.
لم أشعر بالحزن حتّى و أنا أرى إيلارد غير مهتم بإصابتي.
فأنا أيضًا كنتُ قد أفرغتُ قلبي منه كلّه حين عزمتُ على الطّلاق.
حتّى و إن كان إيلارد هو بطل الرّواية الأصليّة نفسه.
“سيّدتي……. يجب أن تضعِي المرهم…….”
اقتربت ميا متردّدة.
و كان في يدها علبةُ مرهمٍ و قطعةُ قماشٍ نظيفة.
“آه ، نعم من فضلك. إنه يؤلمني قليلًا.”
جلستُ أمام منضدة الزّينة ، فاقتربت ميا و بسطت المرهم على جبيني بحذرٍ و هي تسأل.
“هل يجب أن يصل الأمر إلى هذا الحدّ حقًّا؟ قد لا أعرف عن غير ذلك ، لكن أن يتأذّى جسدكِ هكذا…….”
“هذا لا يُعدّ شيئًا يُذكر. ليليث لن تفعل أكثر من ذلك.”
“إن كان الأمر كذلك فهذا مطمئن قليلاً…. تلك المرأة حقًّا شرّيرة.”
صحيح. لو أنّني عرفتُ منذُ البداية أنّ ليليث من هذا النّوع….
لم أُخرج بقيّة الكلام إلى العلن عمدًا.
هل كان وضعي سيصبح أفضل قليلًا لو عرفتُ مبكّرًا؟
فكّرتُ في الأمر لوهلة ، ثمّ هززتُ رأسي.
ما الفائدة الآن من كلّ ذلك؟
لقد حدث ما حدث. لا يمكن العودة إلى الوراء و لا إصلاح ما مضى.
ليس أمامي خيار سوى التقدّم إلى الأمام.
مع مرور الوقت ستلتئم الجراح. حتّى و إن تركت ندبة.
* * *
شعر إيلارد ، بعد خروجه من غرفة ليليث ، بأنّ هناك شيئًا غير طبيعيّ.
‘لماذا غيّرت هيلين تصرّفها فجأة؟’
في البداية ظنّ أنّها قد غيّرت رأيها هي الأخرى.
و اعتقد أنّها إنّما تُحاول الحفاظ على منصب دوقة القصر بالتقرّب من ليليث.
لكنّه الآن ، حين رأى أجواء خدم قصر الدوقية ، شعر بأنّ هناك خطبًا ما.
فقد تغيّرت نظرات أولئك الخدم الذين كانوا يُرسلون إليه نظرات ولاءٍ مستقيمٍ لا يتزعزع.
لاحظ إيلارد سريع البديهة ذلك في الحال.
كان حينها قد بدأ ينزل الدَّرج.
و من خلف أحد الأعمدة سمع أصوات الخدم.
“ألا يُبالغ الدوق قليلًا؟ لا أظنّ أنّ هذا أمرٌ يُمكن التغاضي عنه إلى هذا الحدّ.”
“هذا ما أقوله. أشفق على سيّدتي حدّ الموت. يكفي أنّها لم تستطع الإنجاب ، فهل عليها أن تُهان هكذا على يد تلك المرأة؟ بل إنّه لم يُدخلها كعشيقةٍ رسميّة حتّى”
“إنّها مجرّد حاملة للوريث لا أكثر. و مع ذلك تتصرّف و كأنّها سيّدة المنزل.”
لم يُوبّخهم إيلارد و مرّ بهدوء. فكلامهم لم يكن خاطئًا ، كما أنّ تأنيبهم واحدًا واحدًا بسبب الثرثرة كان أمرًا مُزعجًا.
‘لا بدّ أنّ هناك سببًا وراء تغيّر أفكار الخدم.’
أدرك إيلارد سريع البديهة أنّ هذا التغيّر لم يأتِ من فراغ.
و منذُ ذلك الحين انتظر اليوم الذي تخرج فيه هيلين.
و أخيرًا ، في اليوم الذي خرجت فيه ، توجّه إلى غرفتها.
حين دخل الغرفة ، كانت الخادمة ميا تُنظّفها.
“اخرجي.”
“……نعم.”
تردّدت ميا قليلًا ثمّ خرجت ببطءٍ على مضض.
و بدأ إيلارد يُفتّش غرفة هيلين بنفسه.
* * *
حين عدتُ بعد لقائي بالعم سكوت ، رأيتُ ميا واقفةً أمام غرفتي بقلقٍ واضح.
“ميا؟”
“سيّدتي! حدث أمرٌ خطير!”
ركضت نحوي ميا و أنا أصعد الدَّرج ، و همست بوجهٍ شاحبٍ في عجلة.
“الدوق يُفتّش غرفتكِ!”
“ماذا؟”
“أسرعي و انظري! إن اكتشف ذلك الشيء…….”
على إثر كلامها أسرعتُ في خطواتي.
كانت لحظةً عابرة ، لكنّي تمنّيتُ ألّا يجد إيلارد آلة التّصوير السحريّة.
غير أنّ المشهد الذي رأيته حال دخولي الغرفة حطّم أمنيتي بسهولة.
كان إيلارد يُمسك بآلة التّصوير السحريّة و ينظر إليّ بتعبيرٍ مذهول.
“…….”
“…….”
و بعد لحظة صمتٍ التقط فيها أنفاسه ، رفع طرف فمه ساخرًا و تقدّم نحوي بخطواتٍ واسعة.
“يبدو أنّني سأحتاج إلى تفسيرٍ لماهية هذا.”
“…….”
كان صوته الخفيض البارد يُثير القشعريرة.
“هل هذا يعني أنّكِ ستلتزمين الصمت حتّى النهاية؟”
“……إنّها آلة تصويرٍ سحريّة.”
“أظنّكِ تعلمين جيّدًا أنّني لا أسأل لأنّي أجهل ذلك.”
“…….”
إذًا فقد اطّلع على محتواها.
كنتُ آمل ألّا يكون قد رأى ذلك، لكن من ردّة فعله بدا واضحًا أنّه قد رأى بالفعل.
و لذلك لم أستطع أن أُجيبه بصدقٍ ، و لا أن أختلق كذبة.
“كنتُ أقول إنّكِ تغيّرتِ في الآونة الأخيرة. فما الذي تخططين له؟”
“…….”
كادت عبارة “أريد الطلاق” تخرج من حلقي ، لكنّها لم تتجاوز شفتيّ.
فمجرّد النطق بها جعل الخوف من أن يضربني مجدّدًا يسيطر على جسدي كلّه.
“هل دُهِن فمكِ بالعسل؟ لماذا لا تتكلّمين؟”
“……و أنتَ تعلم بالفعل ، فلماذا…….”
“لماذا أسأل؟”
أومأتُ برأسي.
كنتُ أريد حقًّا أن أسأل. فلو رأى أيّ شخصٍ صور جسدٍ مليءٍ بالكدمات ، لخمّن الأمر فورًا.
“أريد أن أسمعه من فم زوجتي. لأتأكّد أنّ ما فكّرتُ فيه صحيح.”
صار صوته فجأةً لينًا.
و كأنّه يُحاول استمالة طفلٍ ليغيّر رأيه.
“و الآن قوليها بنفسكِ. ما الذي تتآمرين عليه؟”
“…….”
إن كنتُ سأتكلّم ، فالآن هو الوقت.
حتّى و إن كنتُ خائفة ، عليّ أن أقولها الآن.
لكنّ الشجاعة لم تأتِ بسهولة.
كان قلبي مشتعلًا ، غير أنّ الكلمات ظلّت تدور في فمي دون أن تخرج.
التعليقات لهذا الفصل " 16"