جلس الاثنان في مقهى يقع في الطابق الأول من مبنى سكنهما. وكان اسم المقهى: “حديقة الأرنب”.
في البدء استغرب داميان الاسم، غير أنّه ما إن ألقى نظرة على زخارف المقهى ورأى ليليانا حتى كاد أن يهزّ رأسه إقرارًا دون أن يشعر.
الأثاث الخشبي العتيق، لكن المعتنى به جيدًا، والدانتيل المحاك يدويًا، وأصص النبات المتناثرة في الأرجاء، كلّها كانت تنسجم انسجامًا عجيبًا مع ليليانا. فلو قيل إن هذا من قبيل القدر، لكان ذلك صدقًا.
وكان المقهى رحبًا، تتباعد فيه الطاولات تباعدًا يتيح الأحاديث الهامسة. ولأنه بعيد عن الطريق العام، لم يكن مزدحمًا بل مكانًا وديعًا يؤمه أهل الحي ليمكثوا قليلًا في هدوء.
جلس داميان وليليانا في ركن قصي، ووضعا فوق الطاولة الكتب المستعارة من المكتبة.
فتحت ليليانا كتاب الحكايات الذي كان في أعلاه وقالت:
“نصف ما في هذا الكتاب ليس حكاية حقيقية.”
قال داميان مبهوتًا:
“ماذا؟”
“لكن التوثيق كان متقنًا.”
قال وهو يحدق متحيّرًا:
“ألم نستعر هذه الكتب لأنّ جميع ما فيها وقائع حقيقية؟”
عندها نظرت ليليانا إليه بدهشة وقالت:
“كنت أظنّك بالعكس ستقول إنّ هذه الحكايات محض مبالغات! أتراك صدّقت أن كلّ ما في كتبي حقائق؟”
قال مرتبكًا:
“هيه؟ لكنني أخبرتكِ من قبل… إنني لا أكذّبك، غير أنّ قبول الأمر صعب عليّ. لذلك لم يخطر لي أن القصص التي اخترتِها أنتِ بنفسك قد تكون كاذبة.”
فأرسلت إليه ليليانا نظرةً يختلط فيها الاضطراب بالعطف وقالت:
“أنت إذن تملك براءةً لم أكن أتوقعها. تُرى ألن تكون صيدًا سهلًا لمحتال؟”
“لكنّ الأمر يختلف… لأنك أنتِ من يقول ذلك.”
قالت وهي تلوّح بأصابعها كأنها تعلّم طفلًا:
“حتى لو كان القائل مقرّبًا فلا ينبغي أن تصدّق كل شيء. ثم إنّ بيني وبينك معرفة قصيرة العهد.”
تذمّر داميان قائلًا:
“ذلك ما أكرره عليك دائمًا، وأنتِ أوّل من بدأ بالكلام الغريب.”
“دعنا نترك المقدمات جانبًا. اقرأ الآن. وإن كان نصفه مخترَعًا، فالوصف المتعلق بالكائنات الأسطورية أقرب إلى الحقيقة.”
“نعم.”
ثم انكبّ على القراءة بوجه جاد، فيما ارتشفت ليليانا قهوتها واتكأت على كفها، تكتب بالقلم الرصاص شيئًا في دفتر صغير. وكان داميان يرفع عينه أحيانًا ليرى ما تفعل، ثم يعود إلى الكتاب ببطء.
كانت الكتب المستعارة كثيرة العدد، لكنها في أغلبها قصص قصيرة يسهل التهامها. فلم يطل الأمر حتى فرغ داميان من قراءتها.
قال وهو يغلق آخر كتاب:
“لقد أنهيتُها جميعًا.”
رفعت ليليانا رأسها من فوق دفترها وابتسمت:
“وأنا كذلك أنهيت عملي في الوقت نفسه.”
“عمل؟”
قلبت الدفتر وأرتْهُ ما خطّت: صورة وجهه. كانت مرسومة بأسلوب تخطيطي بديع، تكاد تنقل ملامحه بكل دقة. فدهش داميان من براعتها في هذا الوقت القصير، وازداد عجبًا إذ كان يعرف أنها دارسة للفن، لكنه لم يرَ رسوماتها من قبل.
قالت بفخر وهي تمسح بأنملتها أسفل أنفها:
“ترى؟ إن النموذج الوسيم يلهم الرسّامة. لا بدّ أن يكون المرء جميل الطلعة، فالجمال يعين حتى على الورق.”
لكن الرصاص خطّ أثرًا على شفتها العليا كشارب رقيق.
قال داميان بتردد:
“ليليانا… هذا…”
“ماذا؟ أترى أنني رسمتُ جيدًا؟”
“كلا، إنما التصق الجرافيت بوجهك هنا.”
فأخذت منديلا بلّلته بماء، ومسحت أثر الرصاص. ولمّا رأى داميان أن وجهها عاد نظيفًا، أومأ برأسه. فارتشفت قهوتها بشيء من الارتباك، وكأنّ الفارق في العمر بينهما قد انمحى للحظة. ثم سعلت بخفة وقالت:
“حسنًا… لنرجع إلى ما قرأتَ من الحكايات. فهل فهمت ما المقصود بالكائنات الأسطورية؟”
فكّر داميان قليلًا ثم أجاب متأنّيًا:
“هي كيانات تتجاوز حدود فهم الإنسان. مثلًا… ما أريتني إيّاه من التحكم بالنار، ذلك ليس من جنس قدرة البشر. إنهم يستعملون السحر، ويكسرون قوانين الطبيعة.”
هزّت ليليانا رأسها وقالت:
“قاربت الصواب، لكن فيه خطأ. الكائنات الأسطورية لا تكسر القوانين، بل تملك حق تعديلها.”
فتحيّر داميان، فأردفت موضحة:
“كأنهم يعيدون تركيب القوانين حسب إرادتهم. أفهمت؟”
“لا.”
“معناه أنهم ليسوا مقيّدين بما يقيّد البشر من نواميس الكون.”
“نعم…”
“لا تفكّر كثيرًا. النتيجة وحدها تكفي: ما يراه الناس سحرًا، هو قدرتهم على تغيير القوانين.”
“أظنّني فهمت… أو أكاد اصبح كذلك.”
“فلنعتبرك فهمت إذن. فتعريف الكائن الأسطوري: هو مخلوق يملك حق تعديل نواميس الطبيعة.”
تأملت عينيه وسألت:
“هل وعيت هذا؟”
هزّ رأسه مترددًا.
“أتعرف لِمَ يمكنهم أن يستعملوا تلك القوى؟”
هزّ رأسه نافيًا.
“أتعلم كيف نشأ هذا العالم؟”
“بـ… الانفجار العظيم، الكون…”
فقاطعته:
“دع عنك هذه النظريات العلمية. أعني الحكاية الأجمل.”
فتدارك وقال:
“أجل… لقد خلق الإله هذا العالم.”
قالت باسمة:
“نعم. وقد وضع على البشر-وهم الموكلين بالأرض- بعضا من القوانين تمنع طغيانهم، ولكن هذا لا يشمل المخلوقات الأخرى واللتي تمتلك حق تجاوز هذه القوانين مقابل قيود أخر. ومن ثمّ، فإنّ الكائنات الأسطورية –وسلالتهم– ورثت هذه القدرة. أفهمت؟”
“على وجه التقريب.”
تنهدت وقالت:
“هنالك تفسير أعمق وأدق، لكن حسب مداركك فهذه أبسط صيغة. اكتفِ بهذا.”
“أفعل.”
ثم قالت وهي تبتسم ابتسامة ظافرة:
“والآن وقد علمتَ ما الكائنات الأسطورية… أيمكنك تقبّل وجودي؟”
قال داميان بصرامة:
“لا.”
فارتطمت جبهتها بالطاولة وقالت بصوت متهالك:
“لِماذااا؟!”
فالتفت بعض الزبائن إليهما، لكنها لم تُعرهم بالًا بل أمسكت رأسها متألّمة.
“آه، رأسي… مالذي يجعلك معقدًا إلى هذا الحد؟”
“أعلم أنني لم أكن أعرف شيئًا، أما الآن فقد قطعت خطوة. وهذا تقدّم مهم بالنسبة لي. لكنّ الاعتراف بأنك كائن أسطوري يتعارض مع كل ما عشته طوال واحد وعشرين عامًا.”
فتنهّدت ليليانا وقالت بصوت مكسور:
“لقد فهمت ما ترمي إليه.”
وإذا بـداميان، وقد غلبه الارتباك، يستدعي النادل فجأة ويطلب قطعة كعكة الشوكولا.
التعليقات لهذا الفصل " 60"