“ذلك الرجل وإن كان يؤدّي أجرة الدار في أوانها بلا تأخير، ويستعمل البيت نظيفًا لا يُتعب صاحبه، فهو مستأجرٌ حسن من هذه الجهة… لكنّ طبعَه أعوج ملتفّ لا يُفهم!”
تذكّر داميان حال ورشة آشر التي لا نظير لها في الفوضى، فدهش في نفسه
‘أيُعقل أنّ هذا الرجل يعرف كيف يُبقي البيت نظيفًا؟’
قالت أنيت بامتعاض: “أما شخصيًّا فلا أعلم لم طبعه بهذا القدر من التعقيد والالتواء!”
فابتسمت ليليانا ابتسامة فيها شيء من التسليم: “هو معقّد لا ريب… غير أنّ في الناس وجوهًا شتّى.”
تذكّرت أنّ آشر هرع في الفجر لنجدة داميان، وأنّه قد اتّخذ من صنع الأطراف الصناعيّة لذوي البتر قضيّةً يبذل فيها وُسعه.
‘حقًّا، لكلّ امرئ وجوه متعدّدة.’
—
فرغ داميان من إفطارٍ يسير، ثم قام لا إلى غرفته بل نحو الباب الخارجي. اتّسعت عينا ليليانا:
“داميان، إلى أين تذهب؟”
“ها؟ إلى المكتبة، طبعًا.”
“ماذا؟! تريد الخروج؟ لا، لا يجوز!”
شدّت ثوبَه لترده إلى داخل البيت، لكنّه وقف ثابتًا، ينظر إليها نظرةً باردة وقد ضاق بأن تُعامله مريضًا بعد.
“ولكنني بخير الآن.”
“لكنّك كنت طريحًا البارحة!”
“قلتُ لكِ إنني بخير.”
دخلت أنيت على الجدال: “الأحسن أن ترتاح هذا اليوم، دع جسدك يلتقط أنفاسه.”
“دَعوه. ما أصابه… كان عارضًا عصبِيًّا، نفسيًّا… أمرٌ لحظي. ما دام اليوم بخير فدَعوه. لستم أمَّهاته! “
كادت ليليانا تعترض عليه بأنّه لا يعبأ بحال داميان، لكنها تذكّرت كيف أقلق نفسه البارحة من أجله، فصمتت. أمّا داميان فانتهزها فرصة فدفعها قليلًا عن الباب وفتحه.
“ها قد سمعتِ. آشر يعرف من الأمر أكثر ممّا نعرف، فشهادته أحقّ أن تُصدَّق من قولي وحدي.”
قالت ليليانا بعزم: “إذن أذهب معك!”
أجابها بصوتِه الرتيب: “ومتى لم تذهبي معي؟”
فأشرق وجهها وابتسمت، ثم خرجت وراءه. وقبل أن يُغلق الباب التفت يقول:
“وشكرًا لك يا آشر على ما صنعتَ في الفجر.”
—
انصرف الاثنان، وبقي آشر و أنيت. فقال الأوّل مستغربًا:
“أوليسا بعاشقَين؟ فلمَ يلازمان بعضهما هكذا؟”
قالت أنيت ساخرة: “إنها سُنّة الشباب.”
فعقد آشر حاجبيه كأنّما هذا القول أبعد عن إدراكه، فازدراها في سرّها وعدّته غافلًا عن أبسط ما يمرّ به الناس.
—
وفي المكتبة ظلّت ليليانا تتبع داميان كظلّه، فظنّ أنّها تخشى أن يسقط فجأة. ثم انتبه فإذا به قد ضلّ بين رفوف قصص الأطفال ثانيةً. لم يُخبرها أمس لمَ يقرأها، فاستحى أن يمدّ يده إلى الكتب أمامها.
وكان ذلك قصدها، إذ أرادت أن تعرف ما يقرأ، فما الحاجة لإخفائه؟ ليست كتبًا محرّمة ولا فجورًا، وإنما حكايات صغار!
اقترب منه وهمس:
“ليليانا، اختاري ما تحبين واقرئيه براحتك. لستِ مضطرّة لتتبّعي أثري.”
فأجابت بخفّة: “أتبعك؟ إنما لي رغبة في هذه الرفوف.”
تنفّس داميان بفتور، وأخذ بعض الكتب عن الكائنات الأسطورية. التفت فإذا بها ترمقه بنظرات ساخرة، فدار بجسده ليخفي العناوين. فقالت مازحة:
“ما كل هذا الخجل؟ أما أنا فقد بكيت البارحة وأنا أقرأ مغامرات الفارس ستيرن!”
وخَطفت من يده كتابًا: “آه! هذا الكتاب كنتُ أعشقه صغيرة! طال بي العهد عنه… قرأته أنت؟”
“كنتُ عازما على قراءته الآن.”
“أما تعرف قصته؟”
“لم يكن عندي من يروي لي الحكايات وأنا صغير، فما عرفت منها إلا قليلًا.”
فهزّت رأسها مفكّرة: ‘أها، لقد فهمت. هو يقرأ هذه القصص ليعرف عن الكائنات الأسطورية.’ فضحكت فجأة، وكادت تُسمع القاعة فسدت فمها بيدها، ثم قالت:
“إذن كنت تقرأ عن الكائنات الخرافية؟”
“نعم.”
“ولِمَ؟”
“لأنني أجهلها. أجهل حتى ما يعرفه الصغار.”
: “ألا ترى أنّ هناك كتبًا غير الحكايات؟”
“قد تُبالغين في ظنّك عن علمي. هذه الكتب هي الأنسب لبدايتي.”
ابتسمت وقالت: “إن شئتَ حدّثتكُ بما أحفظ من أساطير، ولا حاجة لهذه الكتب.”
“لكنك بالأمس غضبتِ بسببي. كيف لي أن أُثقل عليكِ بعد؟ ثم إن لم أفهم كلامكِ زاد ضجركِ.”
رمقها متردّدًا. خشي أن تراها هزلًا من رجل كبير يقرأ ما يقرؤه الأطفال. لكنها لم تُبدِ غضبًا، بل قالت: “حقًّا، لم أدرِ كيف أتعامل معك ساعتها. ولم أتخيّل أنّك ستقرأ الحكايات لتفهم.”
ثم جذبت ذراعه: “فلنأخذ هذه الكتب ونخرج. في البيت أو المقهى نتحدّث أهون من هنا.”
تردّد قليلًا، ثم انقاد لها. حملت هي جلّ الكتب، إذ هو لا يزال لا يحسن استعمال يده الاصطناعية، فشقّ ذلك عليه. قال بخجل:
“لعلّني أعود للبيت قليلًا، ثم أمضي بعد الظهر إلى التدريب على إعادة التأهيل…”
ما إن سمعته حتى تغيّرت ملامحها، فنظر إليها مسرعًا وقال:
“لم أقل شيئًا!”
“حسنٌ إذن.”
وعادت تتبسّم، وضمّت الكتب إلى صدرها وهي تمشي بجانبه.
التعليقات لهذا الفصل " 59"