كان داميان يتلوّى من الألم، يتصبّب عرقًا باردًا، فيما اكتفى آشر بهزّ كتفيه بلا اكتراث.
“أنت بخير. لم تُصب بأذًى، وذراعك الاصطناعية لم يلحقها تلف. ما تحسّه في يمينك ليس إلا وهمًا، إذ دماغك يخيّل إليه أنّ الذراع ما زالت متصلة بجسدك.”
“…… أعطني مسكّنًا، من فضلك. في درج منضدتي بعض الدواء.”
“إن كنتُ سأعطيك شيئًا فذلك من أجل الحمّى، أمّا هذا الألم الوهمي فلا دواء يسكّنه.”
فتح آشر الدرج وأخرج القارورة التي وصفها داميان، لكن ما إن تفحّصها حتى تغيّر وجهه. نظرت ليليانا إليه متسائلةً، فإذا به يلوّح بالقارورة أمام داميان قائلا:
“تعلم أن هذا الدواء شديد الأثر، أليس كذلك؟”
“لكن، ما دام المورفين غير متوفر، فهذا أنجح ما لدي.”
“وإن كان يسكّن الألم، فإنه يمزّق كبدك الواهن تمزيقًا إن أسأت تناوله. لن أعطيك إيّاه. بل أعتبره محجوزًا عندي.”
“أيُّ منطق هذا…!”
وقبل أن يحتدم النقاش، هرعت ليليانا تقول:
“انتظر قليلًا! سأجلب دواءً من آنيت!”
وما لبثت أن جرت نحو الخارج، وصوت خطواتها يجلجل على الدرج.
أعان آشر داميان حتى استلقى على سريره، فقال هذا، بحرارةٍ تلهبه وهذيانٍ يغشاه:
“يميني توجعني، أعطني ذلك المسكّن فحسب.”
“قلت لك وهم! لا تكرّر عليّ الكلام.”
تمتم آشر بنبرة ضجر، وجلس عند حافة السرير. ثم بدا كأن ندمًا خفيًّا طرقه، فزاد:
“الآلام الوهمية لا دواء لها في الغالب، أصلها من اضطراب الأعصاب في الدماغ. حتى لو ابتلعت الأقراص فلن تؤثر كما ينبغي. بل إن الأعراض تستفحل كلما ضعف جسدك. ومن ابتُلوا باضطراب ما بعد الصدمة مثلك، فهم أشد عرضة لها…”
رفع داميان يده اليسرى، يمسح دمعةً سالت على وجنته. وفي هذه اللحظة عادت ليليانا مسرعة، تحمل كأس ماء وبعض الأقراص.
“ها هي، مسكّن وخافض للحرارة. خذها سريعًا.”
أعان آشر داميان ليجلس، وفي الأثناء دخلت آنيت، مرتدية فوق ثوب نومها رداءً، وهي تقول في لهفة:
“يا إلهي، داميان! أأنت بخير؟”
ابتلع الأقراص مع الماء، وأومأ برأسه إيماءةً خجلى. شعر بالحرج لأنه أقلق الدار بأسرها في ساعةٍ متأخرة؛ الجميع خرجوا بملابس النوم. ولما انتهى، نهض آشر قائلًا، وصوته لا يزال ينضح بشيء من الضيق:
“الآن وقد هدأ الأمر، سأعود إلى نومي…”
ثم خرج غير آسف، حاملًا معه حتى تلك القارورة التي صادرها. ولم يكن في بقائه نفعٌ يُرتجى. فالألم ما يزال ينهش ذراع داميان، لكن آشر ليس له دواء.
لذلك التفت داميان نحو المرأتين، وقال بأدب:
“شكرًا لكما على ما أحضرتما من دواء، وأعتذر عن هذه الضوضاء في جوف الليل. لقد هدأت الآن، فاذهبا إلى راحتكما.”
لكن ليليانا قالت بقلق:
“عرقك يتصبب بغزارة.”
وأضافت أنيت:
“ووجهك شاحب جدًّا… ألا تحتاج دواءً آخر؟”
ازدادت الكلمات العاطفة ثقلاً على داميان، حتى أحسّ رأسه يثقل. إن لطف الآخرين حين يفيض يورثه إعياء. ما كان يهوى في مثل هذه الحال إلا الانفراد والسكوت.
“لا بأس. لقد تناولت خافضًا للحرارة، وغدًا أستفيق معافًى.”
زفر زفرة صغيرة، متمنّيًا لو غشيه النوم بلا وعي فيستريح من هذا الألم.
أسندت آنيت يدها إلى خدها ونظرت نحوة بقلق.
قالت ليليانا وهي تقبض على يده بقلق: “حسنًا… لكن لا تتحامل على نفسك. إن ألمك اشتدّ، فادعني. العذاب وحيدًا مرير.”
كان يعلم انه لا يجوز لرجل بالغ ان ينفرد بامراة في مثل هذه الساعة وحدهما. فاكتفى بهزّ رأسه إرضاءً، وإن لم يكن جادًّا. وحاول أن يبتسم ليطمئنها، مع أنّ الألم يوشك أن يصرخ به.
“نعم، لا تقلقا. إن ساء الأمر أناديكما.”
فعندها انسحبتا متثاقلتين من الغرفة. بقي داميان وحيدًا، ممددًا على سريره. وحين أطبق عينيه، تراءى له أنّ أصوات المعركة عادت تطنّ من جديد.
انقلب على جانبه الأيمن، نزع الوسادة من تحت رأسه، وألصق أذنه اليمنى بالمرتبة، واليسرى سدّها بالوسادة. أراد أن يفرغ ذهنه من كل خاطر.
لكن صور الحرب التصقت بجفونه من الداخل كأنها وشم لعين: دويّ الرصاص الذي لا ينقطع، القنابل تنفجر متفرقة، والفوضى التي لا تتيح حتى رفاهية انتظار النهاية. مشهدٌ عاشه عامين كاملين؛ اعتاد فيه أن يقاتل، أن يتلقى الرصاص بجسده، أن يزحف نحو النصر وحده. لم يشكُ قط، فقد كان ذاك خياره.
غير أنه، مذ عاد إلى نيهيرو، واختبر السكينة أشهرًا قليلة، وجد نفسه لا يرغب في الرجوع إلى الجحيم القديم. فاستغرب من ذاته: ‘لِمَ؟ أليست الحرب ميدان إثبات قيمتي؟ كيف أرفضها الآن؟’
تكور تحت الغطاء، يحاول النوم. آخر ما وعاه قبل أن يغشاه السُّبات هو ضوء الفجر يتسلل من نافذة الغرفة.
—
استفاق داميان متأخرًا عن عادته. كان رأسه مثقلاً بضباب، إذ لم ينم جيدًا، لكن العجيب أنّ ألم ذراعه قد انمحى كأن لم يكن. جلس على حافة السرير هنيهةً يستجمع ذهنه، ثم دخل الحمام يغسل وجهه بماء بارد. ولمّا جفف وجهه، بدا في المرآة أكثر نضارة.
نزل إلى البهو، فرأى ليليانا مسترخية على الأريكة، فما إن لمحته حتى هبّت واقفة، مسرعة إليه، تضع يدها على جبينه.
“حمّاك زالت! وذراعك، كيف حالها الآن؟”
“بخير.”
“الحمد لله… لقد كنتُ أنوي أن آخذك إلى المستشفى لو استمر الألم حتى الصباح.”
وما هي إلا لحظة حتى أطلت أنيت من غرفتها، متكئة إلى الحائط:
“حقًّا، أرهبتنا الليلة الماضية. لا تعد إلى مثلها ثانية.”
“أعتذر.”
“لا، لا حاجة للاعتذار. أردتُ فقط أن تحسن رعاية جسدك.”
قال داميان:
“وأين آشر؟”
إذ كان يريد أن يشكره على مساعدته، لكنه خشي أن يثير ضجره إن طرق بابه فجأة.
فأجابت أنيت:
“لم أره بعد، فلا بدّ أنه ما زال نائمًا.”
“أفهِمت…”
تمتمت أنيت ساخرة:
“يا للعجب، نادرًا ما يكون لذاك الرجل نفع. البارحة كانت من تلك اللحظات النادرة.”
فسألتها ليليانا:
“أتكرهين آشر لهذه الدرجة؟”
فأجابتها ببرود:
“ألستِ أنتِ أيضًا لا تحبينه؟”
“أنا لا أكرهه… فقط لا أحبه. أما أنتِ، فيبدو كرهك ظاهرًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 58"