ولكن بدا أنّ عزم ليليانا على اتباع داميان راسخ لا يلين. ولم يكن لـداميان حُجّة يأمرها بها أو يردعها.
فأطلق زفرة صغيرة، ثم عاد إلى المسير. ولقد كان من عادتها أن تمشي إلى جانبه ثرثارةً باسمة، أما اليوم فقد كانت تحدّق في قفاه بوجهٍ متجهم بارد، فشعر هو بحرج شديد. ولم يكن في طبعه أن يتعامل مع مثل هذا الموقف.
حتى إذا بلغوا المكتبة، لم تنطق ليليانا بكلمة. وكان داميان يتصبب عرقاً بارداً وهو يمشي بين رفوف الكتب المصنّفة بحسب الفنون. ووجد نفسه في قسم حكايات الأطفال. تعجّبت ليليانا من ذلك، غير أنّه تجاهل نظراتها.
شرع داميان يقلّب العناوين، وانتخب بعض الكتب، ثم التفت ليجد مكانها خالياً؛ لقد اختفت. ظنّ أنّها قد ملّت منه ومضت إلى ركن آخر، فأعاد نظره إلى الكتب، ثم آوى أنيناً قصيراً، وأخذ يتلفت. فما لبث أن لمحها غير بعيد، شعرها الذهبي مرفوعاً عالياً، وهي تنتصب على أطراف أصابعها، تمد يدها المرتجفة لتبلغ كتاباً في الرف الأعلى. وكان ثَمّة سلّم قريب، لكن يبدو أنّها كرهت عناء جلبه.
غير أنّ طولها كان أقصر من أن يبلغ غرضها. فاضطر داميان أخيراً أن يقترب، ومد يده وأخذ الكتاب وسلّمه إليها. فارتاعت إذ لم تشعر بقدومه، وفتحت عينيها كالأرنب المذعور، ثم سرعان ما تغيّر وجهها إلى ملامح متبرمة، واحتضنت الكتاب، وقالت بنبرة متكلفة:
“شكراً.”
“نعم.”
ثم استدارت بحدة وسارت إلى جهة الطاولات، وجلست وفتحت الكتاب. وحين التقت عيناها بعينيه، رمقته بنظرة حادّة، فما كان منه إلا أن صرف بصره إلى رفوف الكتب كأن لم يحدث شيء.
وقد أثار فضوله أن يعرف ما الذي تقرؤه، ولم يكن في الأصل يهتم بكتبها، لكن عيناه وقعتا على العنوان:
‘مغامرات الفارس الشجاع ستيرن’.
وكان ذلك قصةً شعبيةً تدور حول الفارس ستيرن، وهو الأصل الذي تفرّع منه اللقب الذي ألصقته به أمه الحمقاء حين سمّته. وكان هذا الكتاب من أكثر ما لا يريد أن يراه. إذ إنّ ذلك الاسم أورثه في طفولته كثيراً من السخرية والاستهزاء، ثم في شبابه صار يلفت الأنظار عبثاً. وكان قد تمنّى لو يبدّل لقبه، لكن الإجراءات القانونية طويلة معقدة، فاستسلم.
ومهما يكن، فما شأنه بما تختاره هي؟ فانصرف إلى كتبه هو. فجلس في الطرف المقابل تماماً من القاعة، ورصّ كتبه، وأول ما فتحه كتاب يحكي عن غابة مأهولة بالإلف والأرواح وما يقع فيها من فتن وأحداث.
نعم، لقد بدأ داميان يتعلم عن الأرواح من الأساسيات. إنْ كان لا بد من فهم الأساطير والكائنات الخيالية، فالطريق يبدأ من الحكايات الشعبية. وهكذا أخذ يتصفح الكتاب بوجه جاد.
—
وبعد حين، أحسّ بجوع، فالتفت إلى الوقت، فإذا الظهر قد أزف. ففكر أن يتناول الغداء ثم يمضي إلى تمرينات إعادة التأهيل. فجمع كتبه، وألقى نظرة حوله. لكنه حين تطلع إلى مكان ليليانا تجمّد في موضعه.
كانت دموعها تتساقط وهي غارقة في قراءة الكتاب. ارتبك داميان أيّما ارتباك.
‘لماذا تبكي؟!’
فقصة مغامرات الفارس ستيرن إنما هي حكاية مغامرات مسلية: فارس يقهر الوحوش، ويعين الناس، ويغدو بطلاً. فأي موضع فيها يوجب البكاء؟! وأيضاً، هل يليق أن يقطع عليها وجدانها ويدعوها إلى الطعام؟!
اقترب منها متردداً، وكانت لا تزال غارقة لا تشعر به. فلمّا ربت على كتفها فزعت والتفتت.
“ذاك… أردت أن أسألك، هل نتغدى؟”
قالها بوجه حائر، فمسحت دموعها بظاهر يدها، وأغلقت الكتاب، ونهضت، وعيناها محمرّتان، وهي تشهق بين حين وآخر. ولمّا لم تقل شيئاً، عدّ داميان سكوتها قبولاً، فمشى أمامها يقودها.
فمشهدهما كان لافتاً: امرأة تبكي، ورجل مرتبك يتبعها. وانتبه داميان إلى نظرات الناس، فبادر إلى السير بجانبها، ومدّ لها منديلاً.
“ما الذي يبكيكِ؟”
أخذت المنديل صامتة، ومسحت عينيها، ونفخت في أنفها. فأسرع داميان يقودها إلى مطعم قريب دون تفكير، وجلسا. هنالك فقط تكلمت قائلة:
“إنني أرثي لـالسير ستيرن.”
“آه…”
فأطرق داميان يفكر، ثم قال:
“أتعنين أنه لقي أمراً من الملك أن يبحث عن الأميرة ما دام حياً؟ أجل، ذاك عسير حقاً.”
لكنها هزت رأسها وهي تشهق:
“لا أقصد هذا… إنما السير ستيرن والأميرة كانا يحبان بعضهما، ومع ذلك لم يجتمعا.”
“ها؟”
تعجب داميان كالأبله.
“قرأتُها صغيرةً، ثم قرأتُها الآن وقد كبرت، فعرفتُ أنّ بينهما حباً.”
“هكذا؟ وأي موضع بدا لكِ كذلك؟”
سألها بفضول، لكنها كانت تقلّب قائمة الطعام وقالت:
“لنطلب وجبة غداء لشخصين.”
“……كما تشائين.”
فنادت النادل وطلبت الطعام، وشربت كأس ماء بارد دفعة واحدة، فهدأ وجهها الذي كان مورداً بالدموع. وظل داميان ينظر إليها ينتظر جواباً، لكنها نظرت إليه بدهشة وقالت:
“تفسير أنّ السير ستيرن والأميرة كان بينهما حب… هذا شائع يا داميان. أحقاً لم تسمع به قط؟”
ولم يكن قد سمع، لا لأنه لم يصادف، بل لأنه لم يهتم يوماً بمثل ذلك.
—
وكانت خلاصة القصة على هذا النحو:
كان السير ستيرن فارساً في أحد الممالك، عظيماً في قدره، محبوباً عند الملك. وذات يوم، اختفت الأميرة فجأة، عشية زواجها من أمير دولة مجاورة. فارتجّت المملكة، وغضبت الدولة الأخرى، وأمر الملك ستيرن أن يبحث عنها.
فانطلق في رحلة طويلة، فقاتل تنيناً كان يرعب القرى، وأغاث عامة الناس من بطش إقطاعي ظالم. وطاف أعواماً يكسب الصيت، حتى صار اسمه على ألسنة جميع الناس، وأضحى بطلاً للمملكة.
غير أنّ عاماً تلو عامٍ مرّ، حتى خمس سنوات، ثم عشر، ولم يجد الأميرة. أما الأمير الآخر فقد ضجر وانتقل إلى زواج جديد، وشيئاً فشيئاً بدأت الأميرة تُنسى في ذاكرة الناس.
التعليقات لهذا الفصل " 54"